; معرض فرانكفروت .. الفرصة السانحة لتصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين.. | مجلة المجتمع

العنوان معرض فرانكفروت .. الفرصة السانحة لتصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين..

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1622

نشر في الصفحة 36

السبت 09-أكتوبر-2004

احتكار الكتاب المتغربين لقنوات التواصل الثقافي ساهم في نشر الصورة المشوهة

كثير من أسباب انتشار صورة عدائية للإسلام والمسلمين في الغرب معروف، لا سيما الأسباب التاريخية، كأفاعيل الاستشراق والاستعمار وكذلك الأسباب المعاصرة المرتبطة غالبا بالهيمنة المادية التي يهمها توظيف صورة مشوهة لتبرير الحملات العدوانية على اختلاف أشكالها وميادينها.

وعندما يتعرض الحديث للأسباب الذاتية. يكثر التنويه إلى الانحرافات ويصل إلى ما بات يوصف بظاهرة الإرهاب، ولكن قليلاً ما يُذكر عنصران آخران يلعبان دوراً حاسماً على هذا الصعيد، وهما نوعية قنوات التواصل الثقافي في ميادين الترجمة والنشر، وهي ضيقة متغربة، وقصور غير المتغربين دون بذل جهود فعالة في هذه الميادين قد تكشف المشاركة العربية كضيف شرف في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب ٢٠٠٤م (من 6/10 إلى 10/10/2004) عن أبعاد هذين العنصرين ونتائجهما، ويمكن أن تصبح نقطة تحول في اتجاه تغيير إيجابي، ويتركز الحديث هنا على الساحة الألمانية بهذا الصدد. 
 

من الأسماء العربية المعروفة في ميادين الأدب والفكر والثقافة والتي أصبحت معروفة نسبياً في الأوساط الثقافية الألمانية، طه حسين وعلي عبد الرزاق ونجيب محفوظ، وبالمقابل بقيت أسماء أخرى من الحقبة الزمنية نفسها مجهولة، مثل مصطفى صادق الرفاعي وأحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد، ونجيب الكيلاني وأقرانهم وانتشرت خلال ١٥ عاماً مضت ترجمات إلى الألمانية بلغ تعدادها حوالي ١٥٠ من كتب الأدب والفكر والثقافة فأصبح كثير من الألمان يعرف من أصحابها الطاهر بن جلون وآسيا الجبار مثلاً (يكتبان بالفرنسية) وسعدي يوسف وإبراهيم الكوني، وغيرهم ولكن لم تظهر بالمقابل ترجمة كتاب ما لكتاب مرموقين من الرأي الآخر. إذا صح التعبير، وهم من هذه الحقبة المعاصرة أيضاً، مثل أحمد صدقي الدجاني، وعماد الدين خليل، ومنير شفيق، وعبد الله الطنطاوي وأقرانهم.

وإذا كان اسم سلمان رشدي قد اشتهر لأسباب معروفة فعلى طريقه يوجد عدد لا بأس به ممن كتب بالألمانية مباشرة، مثل رفيق الشامي وخالد المعالي وحسونة المصباحي، ووجد بعض كتبهم الطريق إلى الترويج بالجوائز والإعلام، بينما لا نجد بالمقابل ما يمكن أن يمثل الفكر المغاير والأدب المغاير، وهذا ما لا تلام دور النشر الألمانية عليه بالضرورة، إنما هو القصور والتقصير عن تقديم إنتاج على مستوى يصلح للنشر باللغة الألمانية مباشرة. 
 

صحيح أن الحرب على ما يسمى الإرهاب التي أشعلتها الولايات المتحدة الأمريكية واعتبرتها رداً على تفجيرات نيويورك وواشنطن عام ٢٠٠١م، قد أثارت أجواء تساهم إسهاماً كبيراً في نشر الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين والعرب، ولكنها ساهمت أيضاً في طرح التساؤلات على المستويات الشعبية عن حقيقة هذه الصورة على أكثر من صعيد بما في ذلك السؤال عن مدى صحة الاتهام بوجود منطلق روح الإجرام في الإسلام نفسه. كانت هذه التساؤلات وراء نفاد ترجمات القرآن الكريم وسائر الكتب ذات العلاقة بالإسلام والمسلمين من الأسواق خلال فترة وجيزة، كما كان للحدث على المستويات الفكرية والثقافية وقع الصدمة، فقنوات التواصل مع الساحة العربية والإسلامية رسخت إلى وقت قريب الانطباع بأن الثقافة السائدة فيها، شعبياً وليس نخبوياً، فقط هي ثقافة، العلمانية والتغريب. وأن ما عدا ذلك مما حمل عناوين التعصب والأصولية وما إلى ذلك إنما يمثل بقايا تاريخية ستضمحل آجلاً أو عاجلاً، أما الإسلام الوسطي المعتدل المتسامح، والإنساني القادر على استيعاب احتياجات الإنسان مع حفظ كرامته وحقوقه وحرياته.. فلا وجود له!!

هذه الصورة المنقولة، والتي ربما كانت الرغبة الغربية في تصديقها أو الرغبة في ترسيخها ونشرها من وراء عدم التحقيق في صحتها، كشفت زيفها أو جوانب من زيفها التطورات الأخيرة، إلى جانب استحالة الاستمرار في تجاهل انتشار الصحوة الإسلامية شعبياً على أوسع نطاق. قد يكون لهذا أثره في انتشار الشك بسلامة الاعتماد على قنوات التواصل القائمة حتى الآن. 
 

ولكن ما المقصود بهذه القنوات؟ وكيف نشأت وتمكنت من احتكار ميدان التواصل الأدبي والفكري والثقافي بين الجانبين؟

الطبيعة الغالبة على هذه القنوات - ولا ينفي التعميم وجود استثناءات - تحددها عبارات نشرت قبيل معرض فرانكفورت على ألسنة بعض كتاب المنفى، وبأقلامهم، بدءاً بوصف المثقفين القادمين إلى فرانكفورت بالشعوذة، على حد تعبير، المعالي، مروراً بوصف العالم العربي بالوهم على لسان الطاهر بن جلون، ووصف جامعة الدول العربية بالكذب والفساد على لسان رفيق الشامي وانتهاء بالافتراء على العرب عموماً بأنهم قوم لا يقرأون بسبب اعتقادهم أن قراءة غير القرآن الكريم تشغلهم عن العبادة، على حد تعبير حسين الموزاني.. وهكذا، وجميع هؤلاء وأمثالهم لا يبتعدون كثيراً عن محور كلمات صدرت عن جلال صادق العظم وهو ضيف في ألمانيا قبل عام واحد. عندما أعرب بمناسبة الإعلان آنذاك عن الدعوة الرسمية للمشاركة في معرض فرانكفورت، عن اعتقاده بأن العلاقة بين الثقافة العربية والتاريخ قد انقطعت وأنه لن يكون لها وجود إلا بمقدار ما تربط نفسها بالثقافة الأوروبية.

كتاب المنفى!

غالبية من يوصفون بكتاب المنفى هم من العلمانيين والمتغربين ممن هجرتهم موجات الصراع بين الأجنحة المتعددة للتيارات العلمانية داخل البلدان العربية في حقبة تميزت إلى جانب ذلك بتغييب الإسلام أو العمل على تغييبه، ووجد فيهم بطبيعة الحال من ساهم تهجيره في دعم تصوراته عن الديمقراطية والحريات فأبرز دفاعه عنها بالأسلوب الغربي المطلق، إلى جانب الحملة على الأنظمة الاستبدادية إنما بقي المحور الرئيس لكتاباتهم مرتبطاً بذات الطريق التي يمثلها تيار التغريب الفكري والثقافي داخل البلدان العربية مع تصعيد الحملة على الإسلام بصورة موازية لتصعيدها غربيًا، بل ربما وجدوا في المنفى الفرصة لافتراءات أشد لا يمكن نشرها داخل البلدان الإسلامية حيث تجد الافتراءات فيها من يكشفها بسهولة أو لا تنتشر أصلاً في مواجهة ما هو معروف من الدين بالضرورة.

المشكل فيما ينشره كتاب المنفى المتغربون أنه يعتمد فيما يعتمد على أمرين أحدهما الصورة المشوهة التي سبق أن ساهموا في صنعها وما زال كثير من صانعي القرار الثقافي في الغرب عموماً ينطلق منها، والثاني عجز القارئ الغربي بمن في ذلك كثير من المثقفين عن اكتشاف مواطن التشويه، لا سيما عندما يتبع الكاتب منهم أسلوب نشر الاستشهادات والهوامش لإعطاء كلامه صبغة موضوعية منهجية، بينما هي في كثير من الأحيان أقوال وأحداث مبتورة من أصولها، أو يسهل تأويلها على غير المقصود منها. كثير من أقوال المسؤولين عن المعرض وبعض العاملين القلائل في حقل الترجمة والنشر يشير إلى أنهم يريدون الخروج من هذه الحلقة المفرغة، من خلال المشاركة العربية في فرانكفورت على النحو الذي تقرر ومن خلال جامعة الدول العربية، وعلى أمل ألا يقتصر الحضور العربي على اتجاه أو تيار دون آخر. وكان في مواقف كثير من هؤلاء الحرص على الدفاع عن أسلوب التواصل الجديد عبر الجامعة ومنظمة العلوم والثقافة والتربية التابعة لها، وعن عملية اختيار زهاء ٧٥٠ كاتباً ومثقفاً من داخل البلدان العربية لحضور فرانكفورت إلى جانب من يحضر المعرض من «كتاب المنفى».

من هنا يمكن التساؤل: هل تصنع المشاركة العربية نقطة تحول على صعيد التواصل الثقافي والفكري المطلوب بعيداً عن أسلوب العرض الأحادي المحتوى؟

صحيح أن نسبة عالية من المشاركة تركز على مهرجانات موسيقية وغنائية ومعارض الصور وما شابه ذلك، وفق المفهوم الثقافي المنتشر أو الموجه للساحة العربية، وصحيح أن السياسات الرسمية الثقافية لا تزال ترتكز إلى حد بعيد على مرتكزات تيار التغريب والعلمانية الذي ينتمي إليه «كتاب المنفى»، الناقدون للمشاركة أنفسهم، ولكن يوجد من بين المشاركين في فرانكفورت من لا يسري عليه هذا الوصف، والفرصة للحديثالمباشر والمناقشات المستفيضة ولحوار منهجي متوافرة، وكذلك للتفكير بالوسائل الكفيلة بتنشيط حركة الترجمة والنشر والتوزيع بصورة تتجاوز أساليب الاحتكار من جانب رأي واحد يقصي الرأي الآخر.

وقد انتشرت الشكوى في كثير من التعليقات الإعلامية العربية في الآونة الأخيرة من أمور عديدة أبرزها ضعف الاستعدادات العربية لمعرض فرانكفورت أو انحراف المسار ببعضها، ثم التقصير الكبير في المرحلة الماضية عن الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى بدلاً الاكتفاء بالترجمة في الاتجاه المعاكس فقط. 
 

على هاتين النقطتين ينبغي التركيز في معرض فرانكفورت ٢٠٠٤م، وفي المرحلة القادمة بما يحقق:

(1) اتباع السبل المنهجية العلمية في تقويم ما ظهر ويظهر من مؤلفات حديثة بالعربية وصلاحيتها للترجمة إلى اللغات الغربية، بما فيها الألمانية، التي يتحدث بها زهاء خمس سكان الاتحاد الأوروبي الكبير، ولم تعد تخفى أهمية الدور الألماني أوروبياً وعالمياً..

(2) إيجاد قنوات تواصل مباشر بين الأوساط الثقافية والفكرية والأدبية من الجانبين، على المستوى العربي الجماعي قدر الإمكان، وعدم الاكتفاء بمن يسمونهم «سفراء الثقافة العربية في المنفى» ولا الاكتفاء بالقنوات الرسمية أيضاً..

سد الثغرات

(3) تنشيط الاتصالات التجارية بين اتحادات دور النشر العربية واتحادات دور النشر الغربية، بما يشمل التنسيق في عمليات التقويم وسد الثغرات في سوق الكتاب العربي المترجم والمؤلّف باللغة الغربية مباشرة من جانب كتاب عرب..

(4) تركيز الجهود على رعاية حركة الترجمة عن طريق مترجمين أكفاء يتقنون العربية واللغة الأجنبية المعنية، مع توفر الاطلاع الكافي لديهم على المعطيات اللغوية والتعبيرية إلى جانب المعطيات الفكرية والثقافية والأدبية لدى الطرف الآخر، لتكون الترجمات المختارة بصياغة ملائمة وعلى مستويات صالحة للنشر والتأثير.. وهو ما يحتاج إلى برامج لإعدادالمترجمين ودعمهم. 
 

 (5) تنشيط حركة النقد الأدبي والفكري والثقافي، الذي يتابع ما يُنشر بأقلام «كتاب المنفى»، وما يتم اختياره للترجمة عن طريقهم من مؤلفات «كتاب الداخل»، بما يساهم من خلال التواصل مع الأوساط الثقافية الغربية في تنشيط حركة نقد مماثلة في الدول الغربية نفسها.

750 كاتبًا ومثقفًا عربيًا سيشاركون في المؤتمر فهل سيساهمون في تغيير الصورة أم تأكيدها؟

العلمانيون من كتاب المنفي يقابلون المشاركة العربية بحملة عنصرية.

الرابط المختصر :