العنوان مداد القلم: ملامح ثورة على العقل الإسلامي المعاصر
الكاتب عبد الرحمن العجمي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 62
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
أرجو ألا يكون لعنوان هذه المقالة أي تأثير مبدئي على القارئ مع ملاحظة أننا نتكلم عن العقل الإسلامي المعاصر وليس عن الفكر الإسلامي، والفرق بينهما شاسع؛ فنحن لا نختلف حول صحة هذا الفكر، ولكن القصد هنا هو العقلية المعاصرة التي تعمل على تقديم هذا الفكر للمجتمع الإسلامي المعاصر، والآن تعالوا لنقرأ هذه المقالة بهدوء.
غالبًا ما تكون تصوراتنا وآراؤنا مبنية
وملتصقة بطبيعة المناخ أو البيئة التي نعيشها، وغالبًا ما نستقي معلوماتنا من
أشخاص عاشوا معنا في هذه البيئة، ومع مرور الوقت والأزمان تتكون لدينا قناعات وأسس
لينبني فينا العقل البيئي الذي يرشدنا في الملمات ويضع الحلول لأزماتنا على مرور
الأوقات.
وغالبًا -وهذا ما نراه ونعيشه- نصطدم بعدم
واقعية وجدوى هذه الحلول وترانا نعزو ذلك إلى الضعف البشري أو ضعف النظام أو
الجهاز الذي يسير حياتنا ونعيشه. ثم لا نلبث حتى تمر بنا أزمة جديدة فنضع لها
الأسباب والحلول السابقة ولكن بثوب جديد مع متطلبات هذه الأزمة، ثم نجد أنفسنا
بالتالي لا نتقدم خطوة، ونعيش بعد ذلك في دوامة من الأزمات وضعف الحلول.
وحتى أكون أكثر وضوحًا أضرب لكم بعضًا من
الأمثلة التي نعيشها مع ميكانيكية عقلية اليوم؛ فترى أنه أصبحت لدينا قناعات
ومسلمات بأن عقدة الذنب -والتي يضرب على أوتارها دائمًا الخطباء والمصلحون- أصبحت
في يومنا هذا سدًا منيعًا لصناعة الإنسان الإيجابية، وأصبحت معوقًا رئيسيًا في
عطاء الإنسان، وأصبحت سببًا رئيسيًا في عزوف الإنسان عن الصناعة الجماعية للحياة
بسبب ضخامة ما يعتقده من جناية في حق نفسه وفي حق ربه، وتداخلت في نفسه معاني
النفاق ونقص الرجولة والصلاح وغير ذلك من نتائج المعاناة النفسية.
ولكننا لو قبلنا الإنسان على علاته ونحن نعلم
أنه لا يوجد على هذه الأرض إنسان كامل، وأصبحنا نضرب على أوتار أخرى أكثر ترغيبًا
في الإنسان ليؤدي رسالته التي خلقه الله عليها مع ضرورة أن يستر هذا الإنسان على
ذنبه ما أمكن، لكان أجدى وأنفع ولدخل في المضمار الحقيقي للتغير. ولو تمعنا في
السيرة من منظور الأمل لوجدنا أن الصحابة -والذي يزيد عددهم عن المئة ألف ولا نعرف
منهم سوى العشرات- أن منهم مدمن الخمر الذي لم يمنعه إدمانه أن يجاهد في سبيل الله
وبصلابة مع قائده سعد بن أبي وقاص، ومنهم حسان بن ثابت جبان المعركة والذي لا يمنعه
جبنه أن يجاهد بلسانه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم الكثير الذي غلبته
طباعه البشرية من أن ينشد الكمال، وليست قصة «حنظلة» مع رسولنا الكريم عنا ببعيد.
وحتى يتضح المراد لنتبين هذا المثال الآخر؛
المثاليات التي نقوم على دراستها وتعليمها للغير، وحكم عمر رضي الله عنه العادل
الذي تستشرف نفوسنا وتتطلع إليه في يومنا هذا جعلنا نرفض كل ما يقوم به حاكم على
وجه الأرض من بوادر للصلاح، وجعلنا في حواجز نفسية كبيرة للتعامل مع أنظمة
المجتمعات الحالية ورفضنا للتعاون معها أو الدخول فيها للإصلاح، والسبب في ذلك أن
يكون حكم عمر العادل أو لا يكون شيء.
وقس على ذلك أمورًا كثيرة من المثاليات التي
نتعلمها والعيش الروحي معها لتنبني عليها عقولنا دون أن نضع للواقعية والزمن الذي
نعيشه أي مقياس حقيقي يساعدنا في التعامل مع الحياة الواقعية في جميع جوانبها،
وهناك أمثلة كثيرة يعيشها العقل الإسلامي المعاصر اليوم وتحتاج منا إلى وقفة
للترشيد.
واليوم ونحن نتطلع إلى تغير حال المسلمين إلى الأفضل لابد من دراسة شاملة لطبيعة العقل الإسلامي المعاصر وواقع اليوم وعدم النظر للأطروحات التي تقوم على مجرد الإنكار، ولابد لنا من دراسة العقول المغيرة والتي قامت بنهضة مجتمعاتها، وأسلمتها لتتوافق مع طبيعتنا البشرية وأهدافنا السامية لنكون حقيقة قد سرنا مع عجلة التغيير.