العنوان حاكم أوغندا يرد تحية السودان بالتي هي أسوأ
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 95
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 27
السبت 28-يونيو-2003
عجيب أمر حاكم أوغندا، احتار السودان في أمره، إذ كثيرًا ما يخرج عن المألوف السياسي ويرد تحية الجار الطيب «السودان» بأسوأ ما يكون الرد.
فقد درج هذا الرئيس على إطلاق تصريحات غير مسؤولة في كل المناسبات الإقليمية والدولية ضد السودان، وآخر تلك التصريحات تلك التي أطلقها مؤخرًا من وراء بلاده ووراء البحار.
ما تلك الاتهامات؟
1- يتهم السودان بأنه يدعم جيش الرب المعارض.
2- إيوائه تنظيم القاعدة.
3- وبأن له نوايا توسعية بمخطط إسلامي.
4- وأن لديه أسلحة دمار شامل.
هذه هي جملة الاتهامات التي رمى بها يوري موسيفيني السودان، ولكي نعرف مغزى هذه الاتهامات علينا أن نقف عند البعد الزماني والمكاني لهذه التصريحات.
البعد الزماني لهذه الاتهامات يجعل المراقب السياسي يستغرب لأمر هذا الرجل، فقد أطلق تصريحاته النارية ضد السودان بعد ٤٨ ساعة فقط من استجابة الحكومة السودانية لمطالب أوغندا بتمديد البروتوكول العسكري الذي يسمح للقوات الأوغندية بتعقب معارضي النظام الأوغندي داخل الأراضي السودانية والمتمثل في جيش الرب.
لقد وقع هذا البروتوكول لأول مرة في مارس عام ۲۰۰۲ ويتجدد كل ثلاثة أشهر ومنذ ذلك التاريخ، والسودان لا يرفض طلب التجديد والجيش الأوغندي عاجز كل العجز عن القضاء على جيش الرب.
البعد الزماني الآخر أن تصريحات موسيفيني جاءت في وقت تبذل فيه جهود كبيرة لإحلال السلام في السودان وتوقع المراقبين توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة وحركة التمرد في أغسطس القادم حسب تصريحات الجنرال لازار سيموبيا الوسيط الكيني والمفوض من مجموعة الإيقاد التي أوغندا عضو فيها.
وتأتي هذه التصريحات، والسودانيون في جدل عقيم حول علمانية العاصمة القومية الخرطوم، حيث تصر حركة التمرد على عدم تطبيق الشريعة الاسلامية في ولاية الخرطوم واستطاع زعيم الحركة جون جارائج الجلوس مع زعيمي طائفتي المهدية والميرغنية في القاهرة واستصدار إعلان القاهرة الذي يؤيد اتجاه الحركة كما طار إلى لندن ليوقع مع حزب المؤتمر الشعبي اتفاقًا مماثلًا أحدث انشقاقًا واسعًا داخل هذا الحزب الذي يتزعمه الدكتور الترابي.
كان ذلك هو البعد الزماني فما البعد المكاني؟
لقد أطلق الرئيس موسيفيني تصريحاته الغريبة في واشنطن وبعد لقائه الرئيس الأمريكي بوش مباشرة.
اعتبر المراقبون موقف الرئيس الأوغندي متوافقًا مع الموقف الأمريكي الذي يتأرجح بين الرضا المتحفظ والعداء السافر، ويعتقد أن هذه التصريحات من باب توزيع الأدوار بين أمريكا والمجموعة الأوروبية التي تسمى بشركاء أو أصدقاء الإيقاد وبين منظمة الإيقاد وأوغندا من أهم أعضائها.
وعلى هذا يفهم أن هذه التصريحات تأتي في الإطار التكاملي للضغط على السودان ليوقع على اتفاقية السلام حسب رؤية مجموعة الإيقاد التي كل دولها مسيحية وأمريكا هي التي ألقت بثقلها في الأمر.
ليس جديدًا أن يتهم موسيفيني السودان بكل قالة نكراء كما تفعل أمريكا وإريتريا دائمًا.
ولكن الذي يدعو إلى الريبة والشك أن مسؤولًا إسلاميًا كبيرًا يقال إنه جلس مع موسيفيني مؤخرًا واستمع منه كلامًا غريبًا ومدهشًا.
لقد هاجم موسيفيني زميله في الدراسة ورفيق دربه جارانج قائد حركة التمرد في جنوب السودان ووصفه بالكسل وعدم الاكتراث، وكشف أسرار بالغة الخطورة، فقد قال إن القادة الميدانيين للحركة على خلاف كبير مع زعيمهم جارانج وإنهم يخططون لإزاحته عن الزعامة وإبعاده عن المسرح تمامًا ولمح أنه لا يعارض، بل يؤيد هذه الخطوة من القادة الميدانيين ضد صديقه جارانج.
نقرأ هذا الموقف مع أحداث أخرى تجرى مع القادة الميدانيين لحركة التمرد أهمها وأخطرها أن دولة الكيان اليهودي كثفت اتصالاتها مع هؤلاء في جنوب السودان ويدخلون عليهم عن طريق أوغندا وأن الأسلحة اليهودية تتدفق على هؤلاء من مختلف الأنواع.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن موسيفيني الذي له طموحات في منطقة البحيرات وله يد في كل القلاقل التي تحدث في تلك المنطقة يرى أن تحالفه الحقيقي ليس مع جارانج من «قبيلة الدينكا» وإنما مع قبيلة البانيو بحكم أن القبائل النيلية الأخرى لها عداء مستحكم مع نظام موسيفيني وبالمقابل لها علاقات طيبة مع قبائل «الأولى» أعداء الرئيس موسيفيني جعله يعيد ترتيب أولوياته وتحالفاته.
إن من يظن بموسيفيني خيرًا يخطئ فالرجل لم ولن يتغير قلبه وإن تغير لسانه في بعض الأحيان مجاراة للظروف والأمكنة والأزمنة. ولكن ما يكن في صدره ضد السودان والإسلام والمسلمين لا يخفى على أحد، والدليل أنه لم يتجاوب مع السودان في حسن نواياه، بل ظل يستضيف حركة التمرد في أراضيه، بل يقال إنه سيتجاوب مع القادة الميدانيين الذين يعدون العدة لقيادة تمرد جديد -بعد أن ينتهي دور زعيمهم الحالي جارانج- سيكون مدعومًا بقوة من دولة الكيان الصهيوني التي تسعى لجعل انفصال جنوب السودان واقعًا حقيقيًا وإقامة دولة مسيحية تأتمر بأمرها، ومما يؤكد هذه المخاوف أن أسلحة بدأت تصل إلى هؤلاء من بعض دول شرق أوروبا التي وقعت تحت نفوذ اليهود.
هكذا نجد حال الرئيس الأوغندي الذي لا يرعى للجوار حقًا ولا للعلاقات الدولية حرمة ولا للاتفاقات الموقعة وفاء ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: 102).
إنه جار السوء الذي لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، فلماذا يثق فيه السودان ويمد له حبل التواصل رغم التجارب المريرة؟ لماذا لا يجمد أو يلغي السودان البروتوكول العسكري فورًا ويطلب إخراج قوات أوغندا من الأراضي السودانية في الجنوب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل