العنوان محفوظ نحناح الرجل والرجال قليل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 49
السبت 28-يونيو-2003
رحل عنا الأستاذ محفوظ نحناح رجل الفكرة والعقيدة ورجل المواقف الصعبة والأزمات الجسام صاحب العقل الناضج والفكر النابه، والحجة البالغة، والذاكرة الوهاجة، والبصيرة النفاذة، والرؤية الصادقة، والعزيمة الخارقة، والشخصية الفذة، إذا جلست معه أحسست -من أول وهلة- أنك أمام قائد واسع المدارك عالي الأفق عميق المعرفة بحاله وزمانه ودعوته، وإذا حادثته تبين لك صدق لهجته وسعة حجته وعمق نظرته وحجم فراسته وعظم إخلاصه، وزخم حماسته، يكلمك عن حال الأمة، فتشعر باللوعة في صدره والمرارة في حلقه، ولكنك تلمح الأمل في تحليله ونبرته، ويحدثك عن المشكلات التي يشيب من هولها الولدان في بلده ولكنه يستبعد اليأس في خطته والوهن في كفاحه وعزيمته، ويعرض عليك الواقع المؤلم في حكومته والداء العضال في مجتمعه.. ولكنك تلحظ قارورة الدواء في جعبته وأضواء الهداية في دعوته.
وإذا حاورته أحسست أنك أمام رجل صلب العريكة، قوي الشكيمة، رابط الجأش، ثابت الجنان، غير هياب أمام الباطل، ولا جازع في مواجهة النكبات، عارض قانون الثورة الزراعية الفاسد عام ۱۹۷۱م في الجزائر واعتبره قتلًا لروح الإبداع والمبادرة الحرة، وعارض ميثاق ودستور عام ١٩٧٦م لأنه جاء دون استشارة الشعب، فضلًا عن أنه جاء ليكرس الحرب على قيم المجتمع وأصالته وتراثه الثقافي والفكري، فاتهمه النظام الدكتاتوري الشمولي بمحاولة تحريض الشعب على العصيان ومحاولة قلب نظام الحكم، فألقي القبض عليه، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا وأطلق سراحه عام ١٩٨٥م.
كان حريصًا على دينه، ناصرًا لإسلامه داعية إلى ربه، لا يكل ولا يمل، فكان من بين المساهمين في تنظيم التجمع الإسلامي الكبير بالجامعة المركزية عام ۱۹٨٢م وصاغ بيان التجمع المذكور، ودعا عام ۱۹۸۹ م إلى تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية وكان أحد أعضائها، وبعد الانفتاح السياسي ترأس جمعية الإرشاد والإصلاح الوطني التي تأسست فيعام ۱۹۸۹، وبعد أقل من سنتين أسس حركة سياسية هي حركة المجتمع الإسلامي «حماس» التي تغير اسمها فيما بعد إلى حركة مجتمع السلم «حمس»، كان الرجل واسع المدارك كبير العقل ينتفع بالتجارب ويعتبر بالتاريخ ويفهم الأساليب والمتغيرات، ويدرك قواعد العمل في الدعوات، وكانيعي دائمًا ويتمثل قول الفيلسوف مالك بن نبي: «لا يكفي أن تملك فكرة، ولو كانت أصيلة وصحيحة، بل عليك أن تملكها وتملك وسائل تنفيذها وكذا الحفاظ عليها».
فكان الرجل يضبط حركته بالوعي، ودعوته بالموضوعية، وأساليبه بالواقعية فلا استعجال حتى تنبت البذرة وتعظم الشجرة وتنضج الثمرة، ولا تقاعس عن العمل والإخلاص والحركة، وهو بهذا كان تلميذًانجيبًا لدعوة الإخوان المسلمين وللشيخ البنا -رحمه الله- إذ يقول: «لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا فليس مع الجهاد راحة، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
ولهذا يقول الشيخ نحناح -رحمه الله- «الحركة الواعية تنظر إلى الواقع بموضوعية وتستعمل أدوات التغيير بوعي، وتدرك أنها أمام ألوان من النفسيات والأمزجة والمخلفات الجاهلية والتطلعات المستقبلية والتحولات التاريخية والتشكيلات السياسية، فلا تتبرم ببطء سقيم الفكر، ولا تنزعج من مستعجل عديم الفقه كثير الشبهات، لأنه:
- إما مستعجل يريد اللحاق بموكب التاريخ المشع قبل الأوان.
- أو مستعجل يريد قطف الثمار قبل اكتمال النضج.
- أو مستعجل يريد مزاحمة الأواهين والحزاني.
- أو مستعجل يريد تحقيق مآرب شخصية آنية.
- أو مستعجل يريد دفع الموكب نحو الهاوية.
- أو مستعجل يريد انطلاقًامجنحًا بدعوى الخروج من الفتور واليأس.
- أو مستعجل لأمانته التي استؤمن عليها ويعمل على إفساد ذات البين ويريد السير فوق أنقاض وجماجم من قبله.
وبعض المستعجلين يضعون صيغًا تبريرية لاستعجالهم بدافع الخوف على الحركة من التميع والتصدع، ولكنك إذا أسندت إليهم أمرًا كانوا أعجز من حمله، وإذا ولوا مسؤولية كانوا لها أضيع، وإذا ما استؤمنوا كانوا لها أخون، ولا ينفي هذا أن ثمة مستعجلين يريدون الخير، كما لا ينفي أن يكون هناك من يخشى أن تفوت الفرصة، وهذا لا يغير من الضرر شيئًا.
ثم يبين الشيخ -رحمه الله- معالم الحركة الدعوية الواعية فيقول: الحركة الواعية هي التي تكون مفتحة العيون والآذان والعقول لكل ما حصل من أحداث، أو ما يمكن أن يحدث، وتربط النتائج بالأسباب، غير مغفلة موازين القدر الإلهي، تقع عينها على الحياة من غير تجسس، وتتابع أذنها من غير تحسس، وتعمل عقلها من غير رجم بالغيب أو سوء ظن لأن بعض الظن إثم، وكم أدى ذلك إلى مزالق شرعية، أو مهالك حركية، أو سقطات حضارية، إلخ.
كل ذلك جعل عقلية الرجل عقلية عملاق في الدعوة والإصلاح، كتب في كل ما يعالج أمراض أمته، فكتب في كثير من الموضوعات الشائكة من أمثال: «المنهج الدعوي والمنهج الدموي» «الحركة الواعية بين الفجر الصادق والفجر الكاذب» «الحركة الواعية وإرادة التغيير» كل ذلك جعل الرجل الفارس المعلم في حل الأزمة في بلاده على المستويين الداخلي والخارجي فكانت مناقشاته مع الشخصيات والهيئات العالمية لحل أزمة بلاده، فنال بذلك تقدير أمته على المستوى الشعبي، ولما ترشح لرئاسة الجزائر، نال ثلثي الأصوات، فيما نال الرئيس اليمين زروال ثلث الأصوات، وتغيرت النتيجة ونجح زروال، فتبسم الرجل، وعرف من وراء ذلك في الداخل والخارج، ورضي بكفاحه في سبيل أمته ودعوته، ورحل الرجل وودعته الأمة بالدموع، وودعه إخوانه في الدعوة بالصبر والدعاء والاحتساب بقلوب حزينة وعيون دامعة يقولون فيه ما يرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا على فراقك يا محفوظ لمحزونون وسلام عليك في الأولين والآخرين والحمد لله رب العالمين.