العنوان المسلمون في الهند بين المطرقة والسندان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
مشاهدات 54
نشر في العدد 736
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
تعتبر إدارة
رئيس وزراء الهند أن مجرد عقد الانتخابات في ولاية بنجاب التي مني فيها حزبه
بهزيمة وأحرز حزب أكال دل، لطائفة السيخ، إنما هو إنجاز كبير. فالتصاعد الخطير في
أحداث العنف، الذي كانت تشهده الولاية منذ اقتحام الجيش للمعبد الذهبي لم يكن من
السهل التغلب عليه أثناء عملية الاقتراع، وأن قيام الحكومة المحلية من أفراد طائفة
السيخ يساعد في إضعاف حركة التمرد أو يؤدي إلى نشوب المعركة بين «المعتدلين
والمتطرفين» من السيخ أنفسهم، وتكون مسئولية الحفاظ على الأمن مشتركة بين
الحكومتين: المركزية والمحلية، وإن كان اندمال جرح السيخ سيأخذ فترة طويلة، أما
التنازلات التي قدمتها الحكومة في اتفاقيتها مع زعماء السيخ فلن تكون بديلًا لما
خسرته طائفة السيخ خلال سنوات ماضية.
مخاوف جديدة:
وبعد معالجة
مشكلة البنجاب بدأت الاستعدادات لإجراء الانتخابات في ولاية آسام التي شهدت أسوأ
مجزرة ضد المسلمين بعد الانتخابات السابقة، التي كانت أنديرا غاندي قد كسبت
المعركة فيها على جثث وأشلاء عشرات الألوف من المسلمين.
فهل تتكرر
المأساة من جديد؟ وهل تشهد آسام حمام دم جديدا للقضاء على البقية الباقية من
المسلمين؟ ومن سيكون مسئولًا عن حدوث كارثة جديدة؟
مشكلة آسام:
تقوم حركة
التمرد في ولاية آسام على المطالبة بطرد النازحين إليها وسلب حق التصويت من
الآخرين.
ومن المعروف أن
ولاية آسام شهدت حركة النزوح إليها منذ أوائل هذا القرن، والمهاجرون من الولايات
الأخرى والناطقون باللغة البنغالية هم كانوا وراء تنمية وتطوير الصناعة والزراعة
في الولاية، أما سكانها الأصليون فقد عاشوا فترة طويلة حياة القبائل البدائية.
والمسلمون هناك يشكلون من 25% إلى 40% من مجموع عدد السكان. ومن بين المهاجرين عدد
كبير من الهندوس والمسلمين الذين تركوا الجناح الشرقي من باكستان أثناء الحرب بين
الهند وباكستان، على أن الاتفاقية التي تمت بين زعماء حركة التمرد في آسام
والحكومة الهندية تنُص بمنع حق التصويت عن الذين دخلوا ولاية آسام خلال عام ١٩٦٦
إلى ۱۹۷۱ وليس هناك أي وثيقة أو سجل أو بطاقة شخصية
تثبت أن فلانًا دخل في سنة كذا، وبدأت الأحزاب السياسية تستغل هذا الوضع.
مواقف الأحزاب
السياسية:
ينادي حزب
كبارتيه جاناتا، ومنظمة أرايس أيس، بطرد المسلمين فقط، ولو كانوا يسكنون في آسام
منذ الخمسينيات، وذلك بحجة أن الهند للهندوس. أما المسلمون فليس لهم هذا الحق، ومن
هذا المنطلق يحاول الزعماء الهندوس اليمينيون المتطرفون بمنح كافة الحقوق المدنية
للهندوس المهاجرين، وسلب كافة الحقوق عن المسلمين باعتبارهم أجانب.
ويحرص الحزب
الشيوعي: بفرعيه الصيني والماركسي أن يجعل الأساس في اللغة، فكل من يتكلم
البنغالية أو الآسامية يستحق الحقوق المدنية.
أسلوب حزب
المؤتمر الوطني:
أما حزب المؤتمر
الوطني الحاكم فموقفه مزدوج فهو مع زعماء حركة التمرد.. في سلب الحقوق المدنية عن
المهاجرين، غير أنه لا يريد أن يخسر أصوات الأقليات في الولاية الذين يشكلون 40%
من مجموع السكان․
كما أن الحزب
الحاكم يدرك تمامًا أن تنفيذ عملية طرد المهاجرين ليست سهلة، حيث إن حكومة
بنغلاديش أعلنت مرارًا بأن أحدًا من مواطنيها لا يوجد كمهاجر خارج بنغلاديش.
والنتيجة
الطبيعية لهذه التناقضات أن يأخذ الناس القانون في أيديهم، ويحدثوا مجازر ضد
الأقلية ومعظمهم «المسلمون». بينما تقف الحكومة موقف المتفرج، بل يشارك رجال الأمن
والشرطة في قتل وذبح المسلمين ونهب أموالهم وممتلكاتهم، ثم يبرئ الحزب ساحته عن
التورط في أي عمل إرهابي.
هل تشهد آسام
مجزرة أخرى ضد المسلمين؟
إن الاستعدادات تجري
حاليًا في ولاية آسام لإجراء الانتخابات العامة في ضوء الاتفاقية المبرمة بين
الحكومة وزعماء حركة التمرد، وهذا قد يدفع المسلمين في آسام إلى مجزرة أخرى، حيث
إن الأحزاب المتطرفة وقادة التمرد يخططون لذلك. وتصويت المسلمين في صالح حزب
المؤتمر الوطني يكون له رد فعل في نفوس المشاغبين المنتمين إلى أر . أيس . أيس
وحزب بهارتيه جاناتا، وهنا تحصل الكارثة.
راجيف غاندي
والأقليات:
وقد أثبتت فترة
حكم راجيف غاندي الماضية أنه أكثر تناغمًا مع النعرات التي تزيد في التفاف الهندوس
حوله، وأكثر حرصًا على إرضاء الرأي العام الهندوسي، وخاصة بعد أن قادته الأحزاب
اليمينية للاستغناء عن الأقليات في الحُكم، بل جعل زعماء أر . أيس . أيس من شرط
التعاون معه ألا تكون حكومته متعاطفة مع المسلمين.
والذي يزيد
الأمر خطورة هو أن مشكلة المهاجرين لن تنحصر في ولاية آسام، فإن ولاية بيهار
المجاورة لها مهددة أيضا بنفس الأزمة.
فهل يعي الزعماء
المسلمون في الهند هذه الحقيقة؟ وما التدابير التي يمكن أن يتخذوها للحيلولة دون
حدوث كارثة جديدة في آسام؟
آثار الحياة:
بعد فترة طويلة
من الصمت وتحمل الكثير من العنت، وتقديم كثير من التضحيات بدأ الزعماء المسلمون في
الهند ورجال الدين يتحركون ويشعرون بقلق بالغ حول مستقبل الإسلام في الهند.
والأمر لم
يتجاوز حتى الآن تنظيم الاجتماعات وإرسال البرقيات الاحتجاجية وإصدار البيانات
واتخاذ القرارات، غير أن التظاهرة عمت كافة أقطار الهند، وبدأت تتخذ صورة انتفاضة
شعبية ضد الاعتداء على قوانين الشريعة الإسلامية، ولا شك أن هذا من آثار الحياة.
والذي يبشر
بالخير هو اجتماع كلمة المسلمين وعزمهم الصارم لبذل كل غال ونفيس في سبيل حماية
القوانين الإسلامية.
قوانين الأحوال
الشخصية:
إن الذي حرك
الجميع هو قرار المحكمة العُليا الذي يؤدي إلى إلغاء بعض بنود القوانين الشخصية
للمسلمين، ودعم الحكومة لهذا القرار متغاضية عن الحرية الدينية المكفولة في
الدستور الأساسي.
وذلك بهدف فرض
القانون المدني الموحد وإجبار المسلمين على التخلي عن قوانين الميراث والنكاح،
والطلاق، والوقف ليتلاشى وجودهم المميز بانقطاعهم عن الدين حتى في الحياة
العائلية.
ولتحقيق هذا
الهدف تعمل العناصر المختلفة على المحاور التالية:
1- الحكومة
بكافة أجهزتها تهيئ المناخ لفرض القانون المدني الموحد.
2- تتعاون
الأقلام اليسارية واليمينية المتطرفة في القيام بحملة شرسة ضد المتدينين من
المسلمين، والطعن في قوانين الإصلاح العائلية، فلا ترى أي فرق بين مجلة بلتز
الشيوعية ومجلة أركنائزر اليمينية المتطرفة، في هذه الحملة الإعلامية ضد الإسلام
والمسلمين.
3- ضعاف النفوس
من المسلمين من أعضاء حزب المؤتمر الوطني يدافعون عن موقف الحكومة وينظمون مظاهرات
رجالية ونسائية يشارك فيها الهندوس أكثر من المسلمين ضد قوانين الطلاق والنكاح في
الإسلام.
وقد كان موقف
وزير الدولة للشئون الداخلية عارف محمد خان، وهو عضو بارز في حزب المؤتمر الوطني
معاديًا لجهود المسلمين الاجتماعية حيث حارب في البرلمان موقف رجال الدين المسلمين
وخالف بشدة مشروع قانون مقدم من قبل أحد أعضاء البرلمان من حزب رابطة المسلمين حول
استثناء المسلمين من المادة التي تلغي قوانين الأحوال الشخصية لهم.
وفد زعماء
المسلمين ورئيس وزراء الهند:
قام زعماء
المسلمين ورجال الدين بمقابلة رئيس وزراء الهند، وكان الوفد يضم رؤساء كافة
الجماعات الإسلامية من بينهم: الشيخ أبو الحسن علي الندوي رئيس هيئة الأحوال
الشخصية للمسلمين، والشيخ منة الله الرحماني أمين عام هيئة الأحوال الشخصية،
والشيخ أبو الليث الإصلاحي أمير الجماعة الإسلامية بالهند، إلى جانب أعضاء
البرلمان المسلمين من أحزاب مختلفة، وقدم الوفد مذكرة بهذا الخصوص، غير أن موقف
رئيس وزراء الهند راجيف غاندي كان سلبيًا حيث كرر كلمات: «الموضوع يحتاج إلى
دراسة» «والحكومة لا تتدخل في قوانين الأحوال الشخصية إلا بمطالبة من المسلمين» و
«إن المظاهرات الشعبية لا تصرف الحكومة عن خططها» وقد نشر تفصيل هذا اللقاء في
مجلة «ريديانس» الإنجليزية الصادرة عن الجماعة الإسلامية، وكلام رئيس الوزراء ما
كان يخلو من بعض أساليب التهديد.
وبعد أيام فقط
قابل رئيس وزراء الهند وفدًا آخر «يطالب بإلغاء قوانين الأحوال الشخصية وتحسين حال
النساء المسلمات» وإنقاذهن من معاناتهن تحت قوانين الطلاق، كما أن الوفد بارك خطوة
المحكمة العُليا التي تعتبر تدخلًا سافرًا في قوانين الشريعة.
وبعد لقاء
الإسلاميين لرئيس الوزراء زاد زعماء المسلمين من نشاطهم فشهدت جميع مدن الهند
احتجاجات شعبية صارخة لحماية القوانين الإسلامية.
ومن التطورات
الجديدة أن ولاية بنغال الغربية التي يحكمها الحزب الشيوعي شهدت إضرابًا عامًا من
قبل المسلمين وظلت المدارس والمحلات التجارية مغلقة احتجاجًا على تدخل الحكومة في
قوانين الشريعة الإسلامية. وقد اعتقلت الشرطة النظامية ستمئة مسلم في مدينة كلكته
أكبر المدن الهندية من ناحية الكثافة السكانية. كما شهدت ولاية بيهار واندرا
براديش احتجاجات صارخة من قِبَل المسلمين وعمت حركة المسلمين كافة المساجد
والمدارس، وذلك بعد موقف رئيس الوزراء في لقائه مع الزعماء المسلمين، حيث إن
الجميع شعروا بالقلق.
هذا ولا بد من
التنويه إلى أن فضيلة الشيخ محمد يوسف أمير الجماعة الإسلامية في الهند سابقًا من
رموز الدعوة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وقد كان خلال فترة إمارته للجماعة
دائم النشاط، وأرهقه العمل الطويل وهو يعاني حاليًا من أمراض مختلفة وضعف وشيبة،
ونحن إذ نُقدِّر جهوده لتطوير حركة البعث الإسلامي، نسأل الله العلي القدير أن يمد
في عمره ويمن عليه بالشفاء العاجل والصحة الموفورة.
كما نأمل أن يقف
المسلمون في البلاد العربية مع إخوانهم في الهند في مهمتهم للحفاظ على الشريعة
الإسلامية؟ هذا ما نأمله.