; استغفال الشعوب مازال مستمرا! | مجلة المجتمع

العنوان استغفال الشعوب مازال مستمرا!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 77

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

استغفال الشعوب مازال مستمرًا

استغفال الشعوب جريمة كبرى، واستغلال براءتها وثقتها للتسلق على أكتافها وقيادتها إلى الهاوية وبيعها للشيطان كارثة يجب ألا تمر بدون عقاب، وسرقة مقدراتها وعقائدها ووأد آمالها لحساب أعدائها خيانة عظمى.

يفترض أن يحاسب مقترفوها حسابًا عسيرًا، خاصة إذا كان الجناة من أبنائها وقادتها، ممن وضعت الأمم ثقتها فيهم، ومقدراتها تحت أيديهم، وتفانت في إرضائهم وجهدت في إعانتهم وتعظيمهم وطاعتهم، فإذا بهم ذئاب في أحشاء الأمة، وثعالب في استدراج الشعوب إلى حتفها البائس المهين.

وأمتنا أصيبت بالكثير من هذا الصنف المخاتل اللئيم البائس الذي أضاع بلده وكان أشد على أمته من أعدائها؛ لنتعرض قليلًا لأحد هؤلاء كمثل من الأمثلة الكريهة المتكررة حتى وقتنا الحاضر، والتي كانت أسوأ بديل للاستعمار وأردأ نظام لأمة عانت طويلًا من ويلات الظلم والقهر دهرًا طويلًا حتى تشوقت إلى استرواح عقيدتها فإذا بها تقع فريسة للاحتيال والخداع.

برز الحبيب بورقيبة في تونس ملتحمًا مع التوجه الشعبي الإسلامي الذي كان يكافح الاستعمار الفرنسي في هذا الوقت، وانضم إلى حزب المشايخ ومشايعيهم ليواكب توجه الأمة الإسلامي، وهو الذي درس في الغرب وأُشرب الأفكار العلمانية في فصل الدين المسيحي عن السياسة وكان يود لتونس هذا المسلك، ولكن بورقيبة كان يدرك تمامًا أن هوية الشعب مسلمة، وأن كفاح هذا الشعب مع الاستعمار لا ينطلق إلا من تلك الهوية، إلا أن ذكاءه وحرصه على التستر منعه من أن يعلن عما يريد، فأخذ يمعن في مجاراة الناس والعلماء في توجههم الإسلامي، بل كان يظهر أنه أكثر منهم ولعًا وحماسًا في المحافظة على ذلك، وإليك بعضًا من أمثلة هذا الخداع:

1.      عقدت الكنيسة التونسية مؤتمرها المتباعد الذي كان يعقد كل خمسين عامًا لتدارس أحوال دينهم وكنيستهم، وما إن علم بورقيبة بذلك حتى استغلها فرصة، وأخذ يثير العلماء والعامة على المؤتمر قائلًا: "حرب صليبية على الهوية الإسلامية".

2.      أعلنت فرنسا مخططًا لفرنسة تونس وأن من أخذ الجنسية الفرنسية زادت له الحكومة راتبه بما يعادل الثلث، ولما مات أحد المتجنسين صدرت فتوى من الشيخ إدريس في تونس بأنه لا يجوز أن يدفن هذا في مقابر المسلمين؛ لأنه رغب في أن يطبق عليه شرع غير شرع الله عن طواعية، فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾ (النساء: 65)، وبما أنه لم يرض بشرع الله ولم يرض بالله حكمًا ولم يعلن بذلك توبة، فإنه يدفن خارج مقابر المسلمين، وما إن علم بورقيبة عن ذلك حتى استغلها لإظهار ولائه للإسلام وقام بمظاهرة لمنع دفن الرجل في مقابر المسلمين لأنه خارج عن الملة ولم يرض بحكم الله، ونحن جنود الإسلام!

3.      لما أرادت فرنسا أن تترك تونس بعد نكستها في فيتنام وأرادت أن تسلم زمام البلاد لرجل ينفذ سياستها، وكانت تعلم من أمر بورقيبة ما تعلم، أرسلت إليه فذهب إلى فرنسا فلما سُئل عن نوع الحكم الذي يريد أن يحكم به قال: "علماني عربي"! فجزع الناس وهبّ العلماء، فلما رجع قابلهم وماء الوضوء يقطر من وجهه ومرفقيه ثم استمهلهم حتى يؤدي الصلاة وأخذ يعانقهم، فلما سألوه عن تصريحه هذا قال: "أردت أن أخدع الفرنسيين حتى آتي لكم بحكم البلاد فأنتم الذين ستحكمون"، فقالوا: "وأنت؟" قال: "لا، أنتم الذين ستحكمون"، وأخذ عليهم العهد بأن يحكموا بحكم الله، فخرجوا من عنده قائلين: "هذا والله من بقية السلف الصالح".

وما إن حانت ساعة تسليم الحكم حتى كان قد رتب نفسه مع الفرنسيين ومع جمهور من المخدوعين وقفز على الحكم، وكان ما كان مما لا يفعله شيطان مارد، وإليك بعضًا من هذه الأفعال على سبيل المثال لا الحصر:

1-     أعلن في مجلة الأحوال الشخصية منع تعدد الزوجات وأباح للرجل والمرأة أن يتخذ كل واحد منهما خليلًا أو خليلة إذا رضي الطرف الثاني، وأصبح التعدد يعاقب عليه بالسجن.

2-     أُممت ممتلكات المساجد سنة 1961 وبيع ما يقرب من 200 مسجد من مساجد العاصمة التونسية لتتحول إلى مساكن شعبية، وأقيمت دورات المياه في المحاريب، وحوّل مسجد مدينة بنزرت إلى مرقص سنة 1963.

3-     أُبيح الفطر في رمضان سنة 1963 وظهر بورقيبة أمام عامة الناس يشرب الماء في رمضان.

4-     أظهر السخرية بالقرآن وبالرسول ﷺ في سنة 1974 في ندوة في مدينة قرطاج بتونس ليقول إن القرآن الذي تلقنونه للشباب مليء بالخرافات: "أسمعتم أيها الناس شخص ينام 300 عام؟ هذا ما يقوله القرآن، أسمعتم أن هناك عصا تنقلب حية أو ثعبانًا؟... إلخ".

أرأيت أخي عمل الثعالب والذئاب في الأمة؟ كيف استغفلوها ومكروا بها وكانوا روادًا ضلالًا؟ فكيف بالأعداء؟ أرأيت كيف تصاب الأمم وتجر إلى الهاوية؟ ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وإن غدًا لناظره قريب!

اقرأ أيضًا:

الخلل في المسيرة الشعبية، إلى أين؟

الرابط المختصر :