العنوان رسائل المحبة من القلوب المحبة (8): إلى المُصَلي
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009
مشاهدات 68
نشر في العدد 1873
نشر في الصفحة 50
السبت 17-أكتوبر-2009
- في الصلاة تحنو الجباه لخالق الموت والحياة فتحيا القلوب بذكره وترفع الدرجات بفضله وتمحى الذنوب برحمته وستره.
- تارك الصلاة محروم من القرب والسكينة وراحة النفس والمتهاون في أدائها مغبون لم يذق حلاوة الخشوع.
- فريضة واجبة الأداء في الحضر والسفر واليسر والعسر والصحة والمرض والأمن والخوف والسلم والحرب.
- السهو عن الصلاة يتحقق بتأخيرها عن وقتها أو نقص في أدائها أو عدم الخشوع والتدبر في معانيها.
هذه رسائل محبة نبض بها قلبي مشاعر حب وترجمها لساني كلمات ودّ، وأملاها على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة، وزرعها على أرض الورق حروفًا لتثمر علمًا وعملاً .. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله ، وأن تدخل كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علها تجد طريقاً إلى قلب القلوب.
الصلاة عماد الدين وبغيرها لا يقوم بنيانه .. ولمكانتها العظيمة وأهميتها الكبيرة كانت هذه الرسالة.. مع تقصير الكثيرين منا في أدائها وعدم فهمهم لمعناها الحقيقي وثمراتها المرجوة .. أهديها لكل من يصلي رجاء أن ينتفع بها ويصلي صلاة كاملة الأركان مستوفية الشروط، كما أهديها كذلك لمن ترك الصلاة أو تكاسل في أدائها، عله يفيء إلى أمر الله؛ فيصلي ويجدد صلته بخالقه. وأذكر بها من يسيء صلاته فينقرها ) نقر الغراب لم يخشع قلبه فيها ؛ فلم تثمر في جوارحه طاعة، ولا في قلبه خشية، ولا في نفسه استسلاماً لمن أمر بها وفرضها .. هي رسالة من قلب محب علها تلامس القلوب وتنتفع بها النفوس... ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ المُؤْمِنِين﴾َ (الذاريات: الآية 55 ).
هذه رسالتي ..
إلى كل من رضي بالله ربا فآمن به واتبع أوامره، وبالإسلام دينًا فنهج نهجه ودعا إليه وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً فاتبع هديه وسار على سنته .. إلى من يتجه بوجهه كل يوم خمس مرات يكرم فيها ذلك الوجه بالسجود لخالقه ومولاه حبًا وشوقًا.. طاعة وقربًا . إلى ذلك الإنسان الذي كرمه الله تعالى منذ خلقه حين أسجد له ملائكته، واجتباه على سائر مخلوقاته ؛ فسخر له الكون كله، ما في سماواته وما في أرضه، ليحقق الأمر ويسجد لربه سبحانه وتعالى ويقترب ...
دعوة للوصال..
إنها دعوة للوصال مع من تألهه القلوب وله تخشع، وتذل له الرقاب وتخضع دعوة للصلاة التي يدرك المصلي فيها من القرب غايته حين يدخل محرابها يناجي فيه مولاه. قال بكر بن عبدالله مشيرا لهذا المعنى: يابن آدم إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن وتكلمه بلا ترجمان دخلت، قيل: وكيف ذلك؟ قال: تسبغ وضوءك وتدخل محرابك، فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن فتكلمه بغير ترجمان وفي الصلاة تحنو الجباه الخالق الموت والحياة، فتحيا القلوب بذكره وترفع الدرجات بفضله، وتمحى الذنوب برحمته وستره؛ لذا، فإن من ترك الصلاة فهو محروم، حرم القرب والسكينة وراحة النفس، ومن تهاون في أدائها أو فرط في أركانها فهو مغبون لم يذق حلاوة الخشوع فيها، ومن شغل بشيء عنها فهو خاسر لم يشعر بلذة المناجاة.
أول ما يحاسب عليه العبد...
فهي الحد الفاصل بين الإسلام والكفر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (أخرجه مسلم). وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (رواه الطبراني)، وهي العبادة الوحيدة التي فرضت علينا في السماء في رحلة معراج الرسول إلى السماوات العلى وهذا يزيد من أهميتها ويؤكد فضلها، كما أنها الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط بحال عن كل مسلم بالغ عاقل، فهي واجبة في الحضر والسفر واليسر والعسر والصحة والمرض، وحال الأمن والخوف والسلم والحرب، وهي لا تسقط إلا عن مجنون أو صغير، أو امرأة حال حيضها ونفاسها .
لا تنس.. فأنت على موعد نعم... ففي كل يوم أنت على موعد مهم، فلا تتأخر وما ينبغي لك أن تتأخر، أنت على موعد مع الله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة لتقف بين يديه في الصلاة تناجيه وتدعوه تستغفره وترجوه، ألم تر أن الله تعالى قد جعل لها ميقاتاً محدداً وقال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)﴾ (النساء: الآية 103). وحذر من عدم الالتزام به فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5)﴾ (الماعون: الآيات 4 5).. قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي الذين يؤخرونها عن أوقاتها . وقال آخرون: ساهون بإضاعة الوقت فلا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، فهم ساهون إما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، أو ساهون عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله ولكن من اتصف بشيء من ذلك فله قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» فهذا آخر صلاة العصر.
لكن البعض منا للأسف قد يتأخر فيفوته الخير الكثير، وقد يفعل ذلك جهلا أو تكاسلاً أو سهوًا ، أو لأنه يؤدي الصلاة بطريقة روتينية بحتة، فهو يصلي لأنه فقط تعود على الصلاة، أو حتى لا يشعر بوخز الضمير، أما الدروس الإيمانية العظيمة المأخوذة منها فليس له نصيب فيها.
فخبروني بالله عليكم كيف يليق بنا أن نتأخر عن الدعوة وقد دعانا إليها الله الملك الحق؟ أفلا يليق بأهمية الدعوة وعظمة وكبرياء الداعي جل جلاله أن نستعد للمثول بين يديه قبل أن يحين الوقت، وأن نلبي نداءه في الموعد ونسعد بذلك القرب؟ وفي الحديث القدسي : قال الله تعالى: «افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي» (رواه ابن ماجه وصححه السيوطي).
تعلم أحكامها لتؤديها تامة...
ألا فلتتجه إلى الله تعالى سائلاً إياه أن يهديك ويفقهك في دينك، وأتبع ذلك بتعلم أحكام الصلاة، كيفيتها، شروطها وأركانها واجباتها وسننها مكروهاتها ومبطلاتها تعلم كل ذلك على يد عالم من علمائنا أو شيخ من شيوخ مسجد بلدتك، وهم كثير والحمد لله، وذلك فرض عين عليك لا يقوم به غيرك، فإذا ما تعلمت ذلك فأتبع العلم العمل وابدأ الصلاة مسبغًا لها الوضوء مكبرًا ربك معظما له في قلبك مناجيًا إياه في خشوع، قال النبي : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يناجي ربه» (البخاري)، فهل تعي ذلك كله أيها المصلي؟ كما أن على كل والدين أن يبدأ في تعليم أولادهما هذه الفريضة العظيمة منذ الصغر لتكون سهلة عليهم إذا ما كبروا ويعتادوا المحافظة والمداومة عليها، وفي الحديث: «مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا» (رواه أحمد)، ولا أظن أننا سنكون في حاجة لضربهم إذًا أمرناهم بها واصطبرنا عليهم ثلاث سنوات متتاليات، إنما التقصير في الغالب يكون من الوالدين في ذلك.
أسباب الخشوع:
حين تصلي انظر مع من تتكلم.. وأمام من تقف .. ذلك أدنى أن تخشع فيها وتجاهد نفسك وتأخذ بأسباب الخشوع لتفلح قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ (المؤمنون: الآيات 1 2). وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من قسوة القلب فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع» (مسلم). فقسوة القلب تؤدي إلى عدم الخشوع الذي يجعل من المصلي سارقا، لذلك فإن النبي يقول: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها» (رواه أحمد وصححه السيوطي).
ويدعونا إلى أداء الصلاة مستوفية الشروط كاملة الأركان فيقول: إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: «حفظك الله كما حفظتني، فترفع وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه» (الطيالسي، وصححه السيوطي). وقد سئل حاتم الأصم: كيف تخشع في صلاتك؟ قال: بأن أقوم وأكبر للصلاة وأتخيل الكعبة أمام عيني والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني والنار عن شمالي، وملك الموت وراثي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأمل صلاتي، وأظنها آخر صلاة فاكبر بتعظيم، وأقرأ بتدبر، وأركع بخضوع وأسجد بخشوع، وأجعل صلاتي للخوف من الله والرجاء لرحمته، ثم أسلم ولا أدري هل قبلت أم لا .
إياك والنوم عن صلاة الفجر:
ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام ثم أمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (مسلم). وقال: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» (متفق عليه). وقال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم، فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون : «تركناهم يصلون، وأتيناهم يصلون« (البخاري) لذلك فإن من نام عن صلاة الفجر فاته الخير الكثير، وفاتته بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» (مسلم).
حتى تؤتي صلاتك أكلها..
- إذا سمعت المؤذن، وعلمت بدخول وقت الصلاة فسارع إلى أدائها ولا يشغلك شيء عنها، ففي الحديث الشريف: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» (أحمد)؛ ولذلك، قال ابن القيم: تارك المحافظة على الصلاة، إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته. فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
- أسبغ الوضوء للصلاة واحرص على استخدام السواك قبلها، قال رسول الله : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب (النسائي)، وليكن قلبك معلقًا بالمساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة (مسلم).
ويقول: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح» (متفق عليه)، ويقول: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» (متفق عليه).
ولتكن نوافل الصلوات نصيب بيتك من البركة ففي الحديث: «إذا صلى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله عز وجل جاعل في بيته من صلاته خيرًا»(مسلم). واحذر مراءاة الناس حين تصلي فتزين صلاتك لأجلهم، واعلم أن نيتك في الصلاة والإخلاص فيها سر بينك وبين الله تعالى، فعظمه حق التعظيم ولا تجعله أهون الناظرين إليك، فاستعن به وكن يقظاً حذرا من الشيطان، وتعوذ من شره ووسوسته، وأقبل على الله بقلبك وجسدك وجوارحك، ولا تلتفت فيكلك إلى نفسك ففي الحديث: «لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه» (أحمد)، ولا تدخل في الصلاة وأنت تدافع الأخبثين البول والغائط، ولا بحضرة الطعام حتى لا ينصرف همك في قضاء حاجتك وتفقد الاطمئنان فيها فتبطلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»(مسلم).
وبعد أن تؤدي صلاتك لله، احرص على أن تتخلق بأخلاق المصلين المقبولين الذين تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، روى البزار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل : إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم بیت مصرا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس أكلوه بعزتي واستحفظه ملائكتي أجعل له في الظلمة نورًا وفي الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة»..