; رد على الدكتور أحمد سليمان الأحمد: الديمقراطية على الطريقة الطائفية!! | مجلة المجتمع

العنوان رد على الدكتور أحمد سليمان الأحمد: الديمقراطية على الطريقة الطائفية!!

الكاتب عبدالله الشامي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

مشاهدات 57

نشر في العدد 896

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

الشعب السوري لا ينتظر من تحالف المعارضة أن يكوّن رأيًا واحدًا من جميع قضايا الفكر والسياسة.

● إن الذي يتهم مخالفيه في الرأي وهو لا يزال في المعارضة ماذا يمكن أن يفعل بهم حين يصل إلى الحُكم!؟

اطّلعت على ما نشره الإخوان المسلمون في كتيب خاص لهم تحت عنوان بيان وتوضيح حول ملفات المعارضة السورية.. ثم قرأت بعد ذلك رد الدكتور أحمد سليمان الأحمد على ما كتبه الإخوان المسلمون.. فأثارني الدكتور أحمد بما كتب كما أثار الكثيرين بطروحاته الحادة والمتطرفة وليسمح لنا الدكتور أحمد أن نهمس في أذنه هذه الهمسات.

من المفيد أن نؤكد على أن الشعب السوري لا ينتظر من تحالف المعارضة أن يكوّن رأيًا واحدًا، وموقفًا واحدًا من جميع قضايا الفكر والسياسة.. لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان هنالك «تحالف»، ولما كان هنالك «فرقاء» معارضون.. إن الذي ينتظره الشعب السوري من المعارضة: أن تكون -أولًا- على مستوى العصر والحضارة في حوارها السياسي وفي طرائق عرضها لأفكارها ودعوتها لمبادئها.. وأن تبلور -ثانيًا- موقف الحد الأدنى الذي تتفق عليه جميع فصائلها لتكون قادرة على القيام بدورها في محاربة النظام وإنقاذ الشعب والوطن دون أن يكون هذا الموقف قيدًا على من يجد في نفسه القدرة على تجاوزه إلى ما هو أعلى منه، وأبعد شأنًا.

وفي الحقيقة فقد قدم مجمل المقابلات بما فيها توضيح الإخوان المسلمين الأخير، ومقال الدكتور أحمد سليمان الأحمد، صورًا واضحة عن نفسيات رجال المعارضة ومستواهم الفكري، ورقيهم الحضاري أكثر مما قدم جديدًا من أفكارهم وآرائهم، ولقد أوضح مقال الدكتور أحمد سليمان الأحمد الأخير، صورة مرعبة للدكتور لا نظنها تختلف كثيرًا عن صورة حافظ الأسد في مخيلة أبناء حماة.. وليسمح لنا الدكتور أحمد -رئيس الحزب الوطني الديقراطي- أن نلقي إليه بهذه الهمسات.

-الهمسة الأولى: إن أقرب الطرق إلى عقل، وقلب الإنسان العربي، والمثقف العربي بشكل خاص، أن يعرض الإنسان رأيه أو موقفه في حدود الدائرة الموضوعية للحوار، فيخالف من يشاء، ويوافق من يشاء، معتمدًا العقل «عقله» والمنطق «منطقه» دون تجريح أو تشهير أو قذف أو شتم.. أما اللجوء إلى الأساليب الديماغوجية، وربط كل قضية «بالاستعمار والإمبريالية والصهيونية» فهذا الأسلوب قد تجاوزته الجماهير منذ عقود.. وجدير بالمناضل السياسي الذي دخل ساحة الصراع السياسي متأخرًا أن يرتقي إلى أُفق المعارضة السياسية، والحوار السياسي، المكافئ لنمو الوعي الجماهيري، وحين يرتقي إلى هذا المستوى سيكف عن ترداد عبارات معلقي نظام دمشق.. «والقصد واضح من هذه الهجمة التي تنسل من جدثها، كلما أحست الشعوبية العالمية، والعنصرية الصهيونية أن موازين الوعي والوطنية القومية هي التي أخذت ترجح..». 

إن الذي يتهم مخالفيه في الرأي، وهو لا يزال في أول سلم المعارضة، مثل هذا الاتهام ماذا يمكن أن يفعل بهم حين يصل إلى الحُكم؟.. وأية ديمقراطية هذه التي يبشر بها «الحزب الوطني الديمقراطي».

الهمسة الثانية: من العبارات الجميلة التي رددتها الألسن، من مقابلة الدكتور أحمد سليمان الأحمد قوله لمندوب مجلة الوطن العربي: «أنا من خلال تربيتي وتعاملي مع الناس بمن فيهم الأعداء الألداء، أتحاشى الشتيمة، حتى لو وجهت هذه الشتيمة لي بشكل شخصي مباشر..» ولقد كان صدى هذه العبارة كبيرًا في المجالس، وبين أبناء الوطن المتتبعين للمقابلات في شتى الأقطار، وكان الجميع يرددونها على سبيل الاستحسان والاستجادة وجاء مقال الدكتور الأخير ليئد الجملة الجميلة، وليكشف بُعدين جديدين من أبعاد شخصية الدكتور أحمد سليمان الأحمد ربما استطاع الشاعر أن يخفيهما بعذب بيانه في مقابلته الأولى. 

الهمسة الثالثة: جميل جدًا، أن يقرأ الدكتور أحمد علي بنفسه قوله: «لنكن جميعًا متواضعين»، وليكررها مرارًا، ثم ليقرأ على ضوئها -إن أضاءت في نفسه- مقاله الذي علت فيه نبرة الأنا إلى حد أشعرنا فيه أنه «قطب الوجود»، و«باب الأبواب» الذي يزكي ولا يزکی، و«صاحب البيت» وكل من عداه هباء أو هواء.. فيا دكتور أحمد ألا يكفي من قرأ «كتاب سيبويه» ثم رفع راية الديمقراطية أن يقول «إنني من أصحاب البيت..»؟ أم إنها الديمقراطية على الطريقة الطائفية التي تمارسها الطائفة نفسها. 

مرة أخرى يا دكتور أحمد نقول: لنكن جميعًا متواضعين، وليكن -إذا شئت طبعًا- هذا وِردَك اليومي، لأن الذين تطالبهم بالتواضع قالوا، قبل أن تقول لهم.. «إن التيار الإسلامي هو أوسع بكثير من أن يقتصر على الإخوان المسلمين أو العلويين، أو أية جماعة أخرى لذلك فليس من حقي ولا من حق غيري أن يتكلم باسم هذا التيار إلا في حدود فهمه، واجتهاده وقبول فريق قل أو كثر، ولنكن جميعًا متواضعين» قال هؤلاء الذين تطالبهم بذلك «نحن لا ندّعي الوصاية على الإسلام وإنما نتشرف بحمله، وخدمة مقاصده ومن هذا المنطلق نرحب بكل من يعلن دينونته لهذا الدين العظيم، ونعتبره معاضدًا ومناصرًا لنا في قضيتنا الكبرى، كما إننا نحترم اجتهاده وفهمه للإسلام ومناصرته إياه، ما دام هذا الاجتهاد لا يخرج على أصول الإسلام وقواعده الأساسية، وهذا يعني أن التعددية السياسية في إطار الإسلام قائمة، كما كانت التعددية الفقهية قائمة من قبل، وبشرط واحد هو أن تبقى في إطار الإسلام العام. وتبقى قاعدتنا الذهبية: التعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه». «ولنكن جميعًا متواضعين».

الهمسة الرابعة: ليس من أسلوب الحوار يا دكتور أحمد أن ينسب المحاور لمن يحاوره كلامًا لم يقله، أو رأيًا لا يتبناه، لأنه عندما يفعل ذلك سيكون كالفارس الذي يسل سيفه ورمحه على «طواحين الهواء...».

فعندما يرمي الدكتور غيره بأنه يرفض.. «كل ما يأتي به العلم والواقع والحياة بجرة قلم قاسية»... نتساءل من الذي فعل ذلك حقًا؟ لقد قرأنا هذه الممارسة في تحليل من يقول: إن الحُكم في الضفة الغربية المُحتلة عربي فلسطيني بدليل وجود آلاف الموظفين الإداريين العرب في الضفة، ومن بينهم رؤساء البلديات وأطباء المستشفيات، ورجال الأمن الداخلي، وأئمة المساجد وحياة الكهرباء والماء.. وهم أكثر بكثير من اليهود المُغتصبين... وهكذا يقضي المنهج العلمي الديقراطي أن الحُكم في الضفة الغربية المُحتلة وطني فلسطيني، وأن الدنيا بألف خير.

ثم حرصًا على تخفيف الصدمة عن الدكتور أحمد لا عن العلم والحقيقة، لأنهما -في رأينا- لم يصدما، نسأله أين قرأ في بيان جماعة الإخوان المسلمين قوله.. «الاستهانة بالعلم العالمي ورأيي أن تخفف من استهانتنا بالحضارة الغربية وديمقراطيتها فلسنا في وضع من تحق له الاستهانة والاستخفاف.. والثورة الفرنسية خلقت حضارة تبرز الآن في الصف الأول من حضارات العالم. وأبناؤها ينعمون في نقل وطن متقدم ديمقراطي ولا يمكن لنا أن ننظر نظرة مثالية لأي عهد من العهود. إننا سنكون عند ذلك واهمين وحالمين، أو مغالطين، وغير قارئين قراءة صحيحة للواقع والتاريخ..» نريد أن نحاكم هذا النَص إلى واقع ما جاء في بيان الإخوان المسلمين لنحدد بالضبط، «الواهمين الحالمين، والمغالطين..».

فمن الذي استهان بالعلم العالمي، والحضارة الغربية؟ أهم الإخوان المسلمون؟ أم إنها التراكمات النفسية في أعماق الدكتور أحمد.. لقد قال الإخوان: «ونحن إذ نعلن انحيازنا إلى صف حضارتنا وتاريخنا، فلأننا لا نعاني أصلًا من خواء حضاري ولا من شعور بالنقص، ولا من بهر أمام اللفظ المستورد، أو الفكر المستورد من غير حصر ولا انغلاق نأخذ ما يلزمنا ونعرّف بما عندنا ليستفيد منه الآخرون.. نطور ما يحتاج إلى تطوير ونلائم بين معطيات حضارتنا، وواقع عصرنا، من غير اعتساف ولا استخذاء». 

وقالوا: «إننا نعتقد أننا جميعًا أبناء أمة تعيش تحديات عصر لم تستطع اللحاق بركابه، وعليه فإننا جميعًا مطالبون بأن نسعى إلى فهم أفضل، لمواقفنا ومنطلقاتنا المتباينة، من أجل صياغة موقف عام، ليكون أجدى على هذه الأمة من إبراز المتناقضات الصغيرة من خلال مقابلة صحفية، سيحرز المنتصر فيها نصرًا في معركة كلامية..» وما نظن أن قائل هذا الكلام، يستهين بالعلم العالمي، وبالحضارة الغربية، وإنما هو يشعر بالتحدى الحضاري المفروض، على هذه الأمة بكل فئاتها، ويستنهض همم الفئات جميعًا للاستجابة لهذا التحدي، من خلال حركة الأخذ والعطاء المبصرة. 

وليسمح لنا الإخوان المسلمون أن نضيف أننا -نحن المسلمين- أتباع محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي بشر سراقة بن مالك وهو يطارده يوم الهجرة، بسواري كسرى، وقول الدكتور أحمد «لسنا في موضع من تحق له الاستهانة والاستخفاف» نقول: مثل هذا الكلام ينطبق على المهزومين داخليًا وحضاريًا، أما المسلمون عمومًا، فمع إقرارهم بما هم فيه من ضعف وتخلف، إلا أن الضعف لا ينال من هممهم القعساء ونفوسهم العالية وقلوبهم الطافحة بالأمل، إنهم يرون أنفسهم في موقف التحدي التاريخي، الذي يفجر الطاقات، ويبعث الهمم، بدون استخفاف، ولا استهانة، ولا رفض لأي مُعطى من معطيات العلم والحضارة والتقدم، ورفض كل الزيف والبهرج مهما زخرف ونمق.. 

أما حديث الدكتور أحمد عن الموقف من الثورة الفرنسية، فلا ندري على أي شيء بناه؟ لقد قال الإخوان المسلمون: «هل يعني هذا أن تجربتنا كانت بدون أخطاء وأي ثورة أو حركة يمكن أن تخلو من الأخطاء؟ ولكن الخطأ يبقى هامشيًا في أصل التحرك ومقصده وغايته، وهل خلت الثورة الفرنسية التي حملت إلى الغرب المعاصر الحرية والعدالة والمساواة من أخطاء؟ بل ما أقبح الأخطاء التي مورست بإسم هذه الثورة وما أفظعها؟ ومع ذلك بقيت الثورة التي أسقطت الاستبداد، وهدمت الباستيل.

ولا ندري أي شيء ينتقده الدكتور أحمد في هذا الكلام؟ ولا ندري ما الذي لم يعجبه فيه..؟

الهمسة الخامسة: حديث الدكتور أحمد «عن الثوابت التي يغتني معناها عبر الأزمان والأجيال والبيئة عنيت الشرف والحُب والبطولة، وغيرها.. فمفهوم البطولة لم يعد هو هو كما كان في عهد المهلهل أو غيره..» حديث الدكتور أحمد هنا رموز.. وقوله إن المفاهيم الثابتة تغتني يعنى أن مفهوم الشرف قابل للتبديل والتطوير فيكون مفهومه بين ظهرانينا اليوم كما هو مفهومه في الغرب مثلًا.. وهذا كلام بحاجة إلى تأمُل، وهذه نقطة خلاف أساسية بين طرح الدكتور وما يطرحه الإخوان المسلمون وعليهما أن يغنوا الحوار في هذه القضية دون أن يتعالم فريق على فريق أو أن يلمز فريق جانب فريق.

وفي رأيي أن حقائق الأشياء وجواهرها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ويبقى الغنى الذي يشير إليه الدكتور محصورًا في المظاهر التي تتبدى فيه هذه الحقائق. فصِور البطولة في أيام عنترة والمهلهل غير صورها في أيامنا هذه، أما حقيقة البطولة فواحدة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

251

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية