العنوان في ندوة «كيف نحمي مياه نهر النيل؟»: الإرادة السياسية وراء خلاف مصر مع دول حوض النيل
الكاتب أسامة الهتيمي
تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010
مشاهدات 71
نشر في العدد 1904
نشر في الصفحة 20
السبت 29-مايو-2010
د. السيد فليفل: إهمال مصر لأفريقيا بدأ منذ معاهدة «كامب ديفيد»
السفير محمد الطهطاوي: قلق دول المنبع يعود لغياب مشاريع التنمية وإنتاج الطاقة
حلمي شعراوي: لا يجوز لمصر أن تنجز لـ «صغائر» مثل الحرب مع إثيوبيا
هاني رسلان: مصر في حاجة إلى إعادة النظر في التعامل مع قضية المياه
استطاعت معاهدة السلام التي وقعتها كل من مصر والكيان الصهيوني عام ۱۹۷۹م برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عرفت باتفاقية «كامب ديفيد» استطاعت أن تشوه شعار «مصر أولًا»؛ حيث انكفأت مصر على ذاتها فابتعدت عن العرب وأفريقيا، وهو ما عمل على تقزيم مصر التي أضحت تعاني الكثير من المشكلات المصيرية، وعلى رأسها حالة الاحتقان فيما بينها وبين دول حوض نهر النيل، بعد تزايد المطالبات بتخفيض حصة مصر من مياه النهر الأمر الذي يفرض على مصر أن تعيد النظر في سياستها تجاه أفريقيا، وأن تتعامل مع دول المنبع باعتبارها شريكًا مصيريًا.
هذا ما أكده المشاركون في ندوة «كيف نحمي مياه نهر النيل؟»، التي استضافتها لجنة العلاقات الخارجية بنقابة الصحفيين المصريين، وشارك فيها كل من: السفير السابق محمد رفاعة الطهطاوي، وحلمي شعراوي الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون الأفريقية، ود. السيد فليفل العميد السابق لمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، ود. هاني رسلان مدير وحدة السودان ودراسات حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات، وقدم لها الكاتب الصحفي أحمد طه النقر.
في البداية استنكر حلمي شعراوي الاهتمام الإعلامي المتزايد بقضايا غير مصيرية في حياة الشعوب، كالذي حدث مع مباراة لكرة القدم بين مصر والجزائر في الوقت الذي تناول فيه هذا الإعلام قضايا مصيرية أخرى كالأزمة الناشبة بين دول حوض نهر النيل بطريقة عابرة وبشيء من التسطيح، معتبرًا أن هذا السلوك هو نفس ما سارت عليه المناهج التعليمية في مصر، والتي بكل أسف تناولت الحديث عن دول كإثيوبيا وإريتريا في سطور معدودة، وهو ما أوجد أجيالًا كاملة لا تعرف أي شيء عن منابع النهر، الذي كان يمثل ومازال للمصريين قيمة عظيمة لا تضاهى.
وقال شعراوي: إن الأزمة الحالية ليست جديدة، فمؤشراتها تعود إلى سنوات طويلة والحكومة المصرية تعلم ذلك ولديها معلومات وحقائق تفصيلية عن طبيعة الخلافات غير أنها وكعادتها لم تتحرك كما يجب أن يكون، ولم تبحث في الأسباب وراء الاحتقان المتزايد بين مصر وبعض المسؤولين في دول حوض النيل، وهو ما بعث برسالة مفادها أن مصر لا تعبأ بما يحدث.
وحول الخطوات التي يجب أن تتخذها مصر للتعاطي مع الأزمة الحالية؛ أوضح شعراوي أن على مصر أن تتحرك في حوض النيل كمنظمة إقليمية كالمغاربية أو دول مجلس التعاون الخليجي، وأن تأخذ مبادئ جديدة في إطار القمة الأفريقية والقمة العربية الأفريقية المقبلة مثل مبدأ قداسة المياه وتوزيعها.
واقترح شعراوي أن نتخذ مبدأ التنمية المتكاملة في الأحواض والمناطق الإقليمية فنعمل على جذب الاستثمارات والعودة إلى إقامة وإحياء المشروعات الكبرى، ومنها قناة «جونجلي» التي كان من المفترض أن توفر نحو ۸ مليارات متر مكعب توزع مناصفة بين مصر والسودان.
ورفض شعراوي فكرة التدخل العسكري التي يلوح بها البعض بين الحين والآخر، مؤكدًا أنه لا يجوز أن تنجر مصر وقياداتها لمثل هذا النوع من «الصغائر»، وبالتالي فليس من اللائق أن تستضيف مصر مثلا الرئيس الإريتري بشكل يوحي بأنها تريد أن تقول لإثيوبيا: إنها ستحارب إثيوبيا بالتحالف مع إريتريا، على الرغم من أن مصر هي من تركت إثيوبيا تدخل الصومال في حين كانت تحاربها إريتريا بمفردها، وكان يمكن أن تتخذ مصر وقتها موقفًا وسطًا وهو ما لم يحدث.
البعد الأفريقي
د. السيد فليفل أرجع تفاقم الأزمة بين مصر ودول المنبع إلى ثلاثة عوامل، هي: الخلل في الهوية، والضعف في الإدراك وغياب الإرادة السياسية، ومحصلتها النهائية أننا أهملنا أفريقيا إلى درجة كبيرة جدًا، على الرغم من أنه إذا كان الإسلام هو الوجدان والعروبة هي اللسان؛ فأفريقيا هي البنيان بحسب قوله.
وقال د. فليفل إننا - للأسف الشديد - أخذنا أسوأ ما في ثقافتنا السياسية للحديث عن هذا النهر، باعتبار أنه صانع النظام الدكتاتوري في مصر عبر آلاف السنين وهي مغالطة تاريخية؛ فالنظام الفرعوني القديم كان يضم «حابي» «نهر النيل مصدر الحياة» مع «ماعت» «العدل» مع السلطة المركزية للفرعون الذي يقوم بتوزيع ماء النهر بالعدل، وبالتالي إذا حدث خلل في إدارة الشأن المائي فالخلل أصلًا في إدارة الدولة المصرية وهو ما يحدث بالفعل إذ إن هناك أناسا يشربون من مياه الصرف الصحي، وآخرون يسقون ملاعب الجولف بآلاف المترات المكعبة من المياه.
ولفت د. فليفل إلى أن مسلسل إهمال الإدارة المصرية لأفريقيا بدأ منذ معاهدة «كامب ديفيد» التي حاولت تشويه شعار «مصر أولًا» لتنكفئ مصر على ذاتها، وتنقطع عن العرب وأفريقيا معا؛ وتكون النتيجة النهائية «تقزيم مصر».
وحول الاتفاقيات الموقعة بين مصر ودول منابع النهر، قال د. فليفل: إن هناك ثلاثة أنواع من الاتفاقيات، فمصر وقعت مع هذه الدول اتفاقيات في العصر الاستعماري، وأولها: كان اتفاقية عام ۱۸۹۱م، والتي كانت تنص على أنه لا يجوز المساس بكمية الماء الخاصة بمصر، أما النوع الثاني: فقد وقعتها مصر بصفتها دولة مستقلة، ثم كانت مجموعات الاتفاقيات التي وقعتها والدول الأفريقية المستقلة، ومنها الاتفاق مع أوغندا عام ۱۹۹۰م، والاتفاق مع الكونغو عام ۱۹۹۱م، والاتفاق مع إثيوبيا عام ۱۹۹۳م.
وأضاف: إنه بناء على ذلك؛ فإنه ليس من حق إثيوبيا أو غيرها التراجع عن هذه الاتفاقيات بزعم أنها وقعت خلال حقبة الاستعمار؛ إذ إن لدينا العديد من الاتفاقيات التي وقعت لاحقًا وقد استقلت هذه الدول غير أنه يبقى أمر مهم وهو أن القانون الدولي يرى بالفعل أن هذه الاتفاقيات ملزمة، لكن في المقابل فإن في إمكانية هذه الدول أن تفعل غير ما جاء بها، فالقضية ترتبط بالممارسة.
وأوضح د. فليفل أن مصر ضيعت فرصة ذهبية عندما تمت الدعوة إلى مبادرة دول حوض النيل منذ عشر سنوات، والتي كان سينطلق منها تجمع كبير لدول حوض النيل والذي يضمن أمن النيل والبحر الأحمر والتعاون العربي الأفريقي، ويضمن وحدة الفضاءات الأفريقية والعربية.
الدبلوماسية.. وعناصر القوة
وقد أكد السفير محمد رفاعة الطهطاوي أن هناك دورًا خارجيًا لعب في اتجاه توتر الموقف وتصعيده بين مصر وبعض دول منابع نهر النيل، وأنه ليس من قبيل المصادفة أن المشروعات التي نخشى منها يقوم بتنفيذ الجزء الأكبر منها البنك الدولي الذي هو مؤسسة أمريكية بالأساس، وقال الطهطاوي: إن هناك حالة من القلق والشعور بعدم العدالة تنتاب بعض دول المنبع؛ إذ تعاني العديد من هذه الدول نقصًا في مشاريع التنمية وإنتاج الطاقة، وهو ما كان يجب أن تساهم مصر وتساعد في إتمامه بدلًا من حالة الإهمال والتجاهل.
وأشار السفير الطهطاوي إلى أن إثيوبيا وإريتريا دخلا في حرب طويلة وغابت مصر عن المشهد، كما تم تفتيت الصومال ولم تتدخل مصر، في حين يقترب الجنوب السوداني من الانفصال والدور المصري مازال غائبًا أيضًا ومع ذلك فإن البعض يتحدث عن الزعامة والدور الريادي!
وشدد السفير الطهطاوي على أن مصر يجب أن تنتبه إلى تأكيد مفهوم التنمية المتكاملة بإقامة المشروعات التنموية التي تحقق الفائدة لمصر ولغيرها، فتلك إحدى وسائل اكتساب ثقة هذه الدول، وهو أمر ربما يحتاج إلى بعض التضحية لكنه في المجمل العام يصب في صالح الأمن القومي للبلاد، وأن عليها أن تدرك أن هذا السلوك الاسترضائي ليس هو الحل الوحيد، إذ إنها في ذات الوقت مطالبة بامتلاك عناصر القوة.
نظرة جديدة
ويؤكد هاني رسلان أن مصر - وبحسب التقارير الصادرة عن مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء المصري - تعيش حالة من الفقر المائي، وأن نصيب الفرد في الوقت الحالي يقدر بنحو ٨٦٠ مترًا مكعباً في العام في حين أن حد الندرة المقرر عالميًا هو ١٠٠٠ متر مكعب للفرد في العام، وهو ما يعني أن مصر في حاجة إلى إعادة النظر في التعامل مع قضية المياه من خلال ثلاثة محاور:
الأول: ترشيد الاستهلاك؛ إذ إن الزراعة تستهلك بمفردها ٨٥% من حصة مصر من المياه فيما يذهب ١٥% للاستهلاك البشري والصناعة.
الثاني: منع ومحاربة تلوث مياه النيل ما يفيد في إعادة استخدام المياه، حيث كان المستهدف إعادة تدوير ۹ مليارات متر مكعب وهذا ما لم يتحقق حتى الآن، فما يتم تدويره هو ٦ مليارات فقط، ويعود ذلك إلى أن نسبة 4% فقط من عدد القرى والنجوع المصرية هي من تحظى بخدمة الصرف الصحي.
الثالث: السعي إلى زيادة الموارد من خلال المشروعات مع دول المنابع، ومن خلال المبادرة المشتركة والتي يصل عدد مشروعاتها إلى ٢٢ مشروعًا التي تم دراستها، وتشمل: مشروعات توليد طاقة، وتحسين البيئة، وزراعة أراض جديدة، وإنشاء مصانع، وتوفير من ٢٠ إلى ۳۰ مليار متر مكعب من فواقد المياه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل