العنوان في الجهاد الشهادة أم النصر؟
الكاتب أحمد محمد كنعان
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990
مشاهدات 67
نشر في العدد 971
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 19-يونيو-1990
عندما نزل أمر
الله- عز وجل- على رسوله الأمين- صلى الله عليه وسلم- بالجهاد، كانت دولة الإسلام
في المدينة قد استقرت، وظهر ما في الدعوة الجديدة من خير، واطمأنت إليها نفوس
الناس، حتى لم يبق بيت من بيوتات المدينة إلا وتحدث بالإسلام. والحق... إن الدعوة
الجديدة لم تحرز هذا العطاء الرباني الكريم إلا بعد سنوات طويلة عاشها صاحب
الدعوة- صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه يعانون في مكة أذى قريش وصدها وعنادها على
الكفر.. ولم يؤمر رسول الله بالقتال مدة بقائه في مكة، بل أمر بالصبر فظل يحتمل
الأذى والعنت صابرًا يصدع بأمر الله، وروحه تعيش ألق الدعوة، وتتطلع إلى اليوم
الذي تفيء فيه قريش ومن لف لفها إلى أمر الله وما نزل من الحق، ويدخل الناس في دين
الله أفواجًا. وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلما وجد صدًّا أو لقي ما
يكره، يرفع يديه إلى السماء ضارعًا يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»،
وحين كان الأذى يشتد بأصحابه- رضي الله عنهم- ويسألونه النصر الذي وعدهم، يتغير
وجهه، ويرجو لهم الصبر، ويقول: «قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون
عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وحين رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما حل بآل ياسر- رضي الله عنهم- من بلاء
وشدة، كتم الأسى في نفسه وراح يطمئنهم بابتسامته العذبة ويقول: «صبرًا آل ياسر فإن
موعدكم الجنة». وهكذا مضى الحال في مكة، واستمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
يعاني الصد والجفوة من قريش، ويخفف عن أصحابه الذين كانت نظراتهم تتوسل إليه أن
يخلي بينهم وبين أعداء الدعوة، لكنه- صلى الله عليه وسلم- لم يفعل، بل استمر
يصبرهم ويعدهم بالنصر... حتى قيض الله للدعوة أن تنتقل إلى يثرب بفضل رجال من
أهلها آمنوا بالرسالة الجديدة وحملوا الأمانة صادقين، فبلغوا الناس ودعوهم إلى دين
الله، فاستجابت لهم القلوب، وكثر المؤمنون، وفشا أمر الإسلام. وأمر الله- عز وجل-
رسوله بالهجرة... فهاجر... وبدأ يقيم دعائم دولة الإسلام دعامة في إثر دعامة على
هدى من الله وبصيرة، وكان أول أمره- صلى الله عليه وسلم- هناك أن بنى المسجد ليكون
المدرسة التي يتلقى فيها المؤمنون أصول الدعوة إلى الله. وهكذا التقت القلوب
المؤمنة في أفياء ذلك المكان الطاهر، فتعارفت وتألفت، وأصغى المؤمنون إلى نبي
الدعوة- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا وعوا ما يريد توحدت وجهتهم، واستقر مفهوم
الإيمان في قلوبهم... وبدأت «شخصية» الدولة الإسلامية تتضح وتتميز عما حولها من
جاهليات.
حركتان
وكان من نتيجة
هذا التحول العميق في بنية المجتمع في المدينة أن برزت حركتان متعاكستان... جاءت
الأولى منهما من قبل العصبة المؤمنة... من أولئك الرواد الأوائل الذين فقهوا حقيقة
الدعوة وأدركوا أن عليهم واجب نشرها في أرجاء الأرض لإخراج الناس من عبودية بعضهم
لبعض إلى عبودية الله وحده، وأصبحوا يحسون أنهم يمتلكون القدرة على التغيير. وجاءت
الحركة الثانية من قبل أعداء الدعوة، ونعني بهم الأعداء القدامى الذين يمثلهم
زعماء قريش، والأعداء الجدد في المدينة الذين يمثلهم اليهود «ومعهم المنافقون»
الذين غدت مراكزهم تهتز تحت وقع أقدام الدعوة الجديدة التي دخلت عليهم كالتيار
الهادر وراحت كالشمس الساطعة تفضح زيف تحريفهم لمعاني العبودية والتوحيد
والربوبية. وكانت النتيجة أن وصلت هاتان الحركتان إلى لحظة الصدام، وكان لا بد مما
ليس منه بد... فتنزل أمر الله على رسوله- صلى الله عليه وسلم- بقتال المشركين...
وبدأ عهد جديد من عمر الدعوة، ألا وهو عهد «الجهاد». وللجهاد في الإسلام حديث
يطول، ولهذا فسوف نكتفي بوقفات موجزة نجلي فيها بعض جوانب الموضوع التي أدى فيها
الاجتهاد غير المنضبط في عصرنا الحاضر إلى تعدد الحركات الإسلامية وتشتتها.
الشهادة
ثمة مسألة هامة
طالما غابت عن بعض الدعاة، أو تناساها بعضهم في خضم الأحداث الجسام والظروف
العصيبة، ونعني بها وجوب التفريق ما بين طلب الشهادة وطلب النصر. ولقد أعطانا
السلف الصالح- رضوان الله عليهم أجمعين- خير الأمثلة الدالة على عمق الوعي والفهم
لهذه المعاني، ولم يكن هذا قاصرًا على القادة وحدهم، بل شمل القادة والجنود
جميعًا، وكان أولئك الرواد خير من أدرك فقه آيات القتال، فراحوا يتحركون بها على
هدى وبصيرة، حتى فتحوا البلاد، ونشروا راية الإيمان خفاقة في الآفاق، وكانوا بحق
خير حملة لخير رسالة. فإذا ما جئنا نقلب صفحات تاريخنا الحديث، فسوف نجد صورة
عجيبة تحار الألباب في فهم خطوطها، أو تفسير ظواهرها وأشكالها التي بلغت أحيانًا
حدًّا مؤسفًا من التناقض! فالمسلمون اليوم كثيرون، والمخلصون العاملون منهم
يتزايدون يومًا بعد يوم، ومع هذا فالهزائم تتناولهم من كل جانب! ومن المحزن حقًّا
أن هذه الصورة المهزوزة ما زالت على حالها، بل ما زالت تتكرر على الوتيرة ذاتها
على الرغم مما يتوافر للدعوة في العصر الحديث من شباب مؤمنين مخلصين، حملوا
أرواحهم على أكفهم رخيصة في سبيل الله، وخاضوا المعارك تلو المعارك ضد معسكرات
الكفر والإلحاد... ولكنهم مع إخلاصهم وحماستهم لم يوفروا لأمتهم النصر الذي تتطلع
إليه، ولا وصلوا إلى ما أرادوا، ولا حققوا من آمالهم غير الشهادة في أحسن الأحوال!
فما هو يا ترى السبب فيما يحدث؟ وما هي الأسباب والدوافع؟ ومن المسؤول عن هذا
الوضع؟
القوة
لا شك أن
الإجابة عن هذه الأسئلة الملحة تتطلب تحليلًا منصفًا لواقع الحركات الإسلامية
المعاصرة، ولكنني سأكتفي هنا بتناول نقطة أساسية دارت حولها اجتهادات معظم هذه
الحركات «وأكاد أقول كلها»، وأعني بها اعتماد القوة سلاحًا مبدئيًّا لتغيير
المجتمع وتحكيم شرع الله في أموره كلها... ولا يخفى عن كل ذي بصيرة:
أن «القوة» جزء
من كل، فهي عنصر من عناصر كثيرة تكون في مجموعها أركان «الحركة».
وأن القوة وسيلة
وليست هدفًا.
وأن لاستخدام
القوة شروطًا لا بد منها.
والذي يحدث أيام
الأزمات أن تختلط المفاهيم وتتشوش الرؤية، ويحيط بالهدف شيء من الغبش يخفي بعض
معالمه... فتنحرف الحركة عن غايتها الأولى، وهي اجتثاث الكفر، لتصبح غايتها اجتثاث
الكفار، ويا للفرق الهائل ما بين الغايتين!
فالإسلام أصلًا
ما جاء ليستأصل الكفار... البشر... وإنما جاء ليستأصل آفة الكفر ذاتها، أي استئصال
العوامل التي تجعل هذه الآفة تهيج وتشتد وتستفحل.
ولقد أدرك
قادتنا الأوائل هذا الأمر خير إدراك، فكانوا حريصين على الوصول إلى النصر بأقل عدد
ممكن من القتلى، سواء في ذلك قتلى المسلمين أو قتلى المشركين... ويشهد تاريخنا
المجيد بصدق هذه المقولة، كما شهد بها أعداؤها الذين قال قائلهم: «ما عرف التاريخ
فاتحًا أرحم من العرب».
هذه واحدة...
وأما الثانية...
فقد جمعتني مناسبة مع أحد الإخوة المهتمين برصد الحركات الإسلامية، قال فيها: «إن
استخدام العنف (!) من قبل الحركات الإسلامية كان خطأ فادحًا منذ البداية... وإن
نشر دعوة من الدعوات لا يكون أبدًا بالإكراه... وإنه لن تقوم قائمة للعمل الإسلامي
إلا أن ينبذ العنف جانبًا، ويلجأ إلى الحوار الديمقراطي على طريقة العالم
المتحضر... ثم قال صديقي: ولم يلجأ رسول الله إلى القوة في مرحلة الجماعة، بل لجأ
إليها في المدينة بعدما استكملت الدولة أركانها...».
فقلت: لقد وضعت
يدك يا أخي على الآفة ولكنك لم تحسن بيان تشخيصها... ولقد وصفت سلوك الحركات
الإسلامية بالعنف على طريقة من يعتبر نفسه خارج الحركة لا داخلها، وهذه سأتجاوز
عنها لأدخل في صلب المشكلة.. لا شك يا أخي أن الأصل في نشر دعوة ما.. هو الإقناع
والنقاش الهادئ ومقارعة الحجة بالحجة... وأن يكون ذلك كله في إطار الخلق الحسن،
والصبر والأناة، وأنا معك في هذا، لولا أن خصوم الإسلام قد برهنوا على مر الأيام
أنهم لا يتمتعون بهذه الروح «الديمقراطية» التي تتطلع أنت إليها، فضلًا عن أن
الباطل يا أخي قد فُطر على الغدر... فهل تريدنا أن نكون مفطورين على الغفلة؟!
ليس الخطأ يا
أخي في أن أكون قويًّا، إنما الخطأ أن أستخدم قوتي بغير وعي، وأن أتصرف بها بغير
شروطها.... وأما قولك إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يلجأ إلى القوة في
مراحل الدعوة الأولى... الجماعة... فما هذا إلا لعلمه- صلى الله عليه وسلم- بأن
لاستخدام القوة شروطًا وأحكامًا، وقد شاءت حكمة الله- سبحانه وتعالى- ألا تتوافر
هذه الشروط في مكة، بل توافرت في المدينة، ولا شك أنه لو توافرت هذه الشروط في مكة
ما تلكأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في استخدامها، وكيف يتلكأ وهو يرى كل يوم
أصحابه يُسامون سوء العذاب على أيدي طواغيت قريش؟
ولا شك أن القوة
ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة للوصول إلى الهدف، ولهذا نجد أن الرسول- صلى
الله عليه وسلم- لم يلجأ إلى القوة إلا حيث اعترضت العقبات طريق الدعوة، فالدعوة
أصلًا جاءت للبشرية جمعاء، وواجب الدعاة أن يبلغوا الرسالة إلى الناس أجمعين...
وفي هذه الطريقة لا بد أن تعترض العقبات سبيل الدعاة وأن يعترض طواغيت الباطل دعاة
الحق... وقد أثبتت الأيام أن أولئك الطغاة لا يفهمون من «الديمقراطية» إلا ما فهمه
«فرعون» من قبل، حين جمع ملأه- على الطريقة الديمقراطية- يستشيرهم في أمر موسى
عليه السلام، وطرح فرعون المسألة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ
لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص:38)، وأمام مثل هذا الموقف المعاند تغدو
القوة دربًا لا مندوحة للدعوة عن سلوكه، على الرغم مما فيه من أشواك ومفاجآت، ولكن
مع الوعي التام بأن لاستخدام القوة أصولًا وشروطًا وضوابط علينا مراعاتها، ولا بد
لنا من الأخذ بالأسباب والسنن التي فطر الله أمور الخلق عليها... ومنها مسألة
القوة... وحري بنا إن نحن أخذنا بتلك السنن أن نسأل الله النصر، وأن يكون هادينا
عند هذه النقطة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ
يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)، وقول النبي القائد- صلى الله
عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف».
النصر
ومما لا شك فيه
أن نتيجة أية معركة إنما تُحسم قبل بدء المعركة ذاتها، فقد دلت وقائع التاريخ على
أن من أسباب النصر «بل أهم أسباب النصر» أن يعرف المقاتل لماذا يقاتل؟ فبقدر ما
يكون المقاتل مدركًا لهدف المعركة، عارفًا بمراميها، بقدر ما يكون فاعلًا ومؤثرًا
في الأحداث. هذا إلى جانب أن النصر نتيجة تتبع أسبابًا محددة، وتسير وفق سنن الله
في الخلق... فالعمل- أي عمل- هو أصلًا نية وحركة، وإنما تعني النية فهم الحركة
المراد تحقيقها، والعزم على تحقيقها معًا... وهنا «مربط الفرس» كما يقولون... أن
نفهم ما نريد وألا يعارض ما نريد سنن الله في خلقه... أي بكلمة أخرى فإن دعوتنا
تخضع في حركتها واتجاهها لهذه السنن الربانية التي إن أغفلناها أو غفلنا عنها كنا
كمن يضرب في التيه! ولا ريب أن القتال في أيامنا الحاضرة أصبح علمًا له قواعده
وأصوله، كما أن له نظرياته التي استمدت معطياتها من تاريخ البشرية الطويل الذي مضى
على سنة الله في الخلق، مما جعل معظم هذه النظريات ترقى إلى درجة اليقين... وبناء
على هذه الحقيقة، فإن الدخول في معركة- مهما كانت دوافعها نظيفة ونواياها صادقة
وأهدافها سامية- لن تنتهي بالنصر ما لم تراع شروط القتال. ولعل السبب الأول لانتكاس
الحركات الإسلامية المعاصرة، وما تعرضت له من المحن، يعود إلى إغفال هذه
الحقيقة... والشواهد على ما نقول كثيرة، ولا يزال بعضها ماثلًا في أرجاء عديدة من
الوطن الإسلامي الكبير، ولعل الدافع الأساسي لارتكاب مثل هذا الخطأ الفادح هو
استعجال النصر والظن بأن النصر يمكن أن يتحقق بالإخلاص وحده! والحق أن الأمر ليس
كذلك، بل إن النصر خاضع لسنن الله التي لا تبديل لها، والتي لا بد لتحققها من توفر
شروطها...
الشهادة
أم النصر؟
ونصل هنا إلى
النقطة التي نريد والتي نود أن تكون واضحة في تصور الدعاة والقادة... ألا وهي
التفريق ما بين طلب النصر وطلب الشهادة، فكثيرًا ما اختلط الأمر على بعض الدعاة
بسبب الطيبة المفرطة أحيانًا، وبسبب الجهل بأسرار الحركة وفقه السنن الإلهية
أحيانًا أخرى... فالنظرة القاصرة إلى الأمور تعتبر الشهادة في سبيل الله نصرًا،
وفي هذا بعض الحق... لا الحق كله.
فالنصر في
حقيقته إنما يعني انتصار الدعوة وغلبة الجماعة.
بينما تعني
الشهادة انتصار من استشهد، فهو قد فاز برضى الله- عز وجل- على نيته الصادقة وبلائه
الحسن، إلا أن انتصاره يبقى انتصارًا فرديًّا ما لم يرتبط بحركة الجماعة، وما لم
يأخذ بسنن الله التي تتحكم بحركة التاريخ.
وقاصمة الظهر أن
هذا النصر الفردي قد ينقلب إلى هزيمة جماعية مفجعة حين تثير حركة الفرد المنفصلة
عن حركة الجماعة معركة غير متكافئة تؤدي إلى مد كاسح من معسكر الكفر يقضي على
الدعوة في مهدها، وقد يتطاير شرر هذا الاصطدام بين الفريقين حتى يصيب كل من له صلة
بهذه الدعوة... وقد يصيب من لا صلة له بها أيضًا!
ويذكرنا هذا
بقصة الذي مر على قرية فلدغه زنبور من زنابيرها، فقال في نفسه: لأخلصن هذه القرية
من أذى هؤلاء، فذهب إلى العش ليحرقه، ولكنه لم يأخذ للأمر عدته:
إذ ظن في نفسه
القدرة على مجابهة الحشرات وحده.
وذهب دون أن
يستشير أحدًا من أهل القرية.
وجاء العش في
وضح النهار والزنابير تحوم حول العش تحرسه.
فتنبهت للرجل
وهاجمته وكالت له الصاع صاعين، ولم تكتف بذلك، بل ظنت أن أهل القرية هم وراء إرسال
الرجل، فتنادت للقتال، وهاجمت القرية وأهلها...
وهكذا تكون
نتيجة الحركة العشوائية والاجتهاد الفردي!!
القدوة
ونعود إلى سيرة
المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فترى كيف ظل سنوات طويلة في مكة يرعى النبتات
المؤمنة، ويعطيها جرعات مسكنة من الصبر والطمأنينة، حتى استطالت أعوادها واستقامت
وتفتحت أرواحها لفيض الإيمان، وأدركت ما يرمي إليه القائد- صلى الله عليه وسلم-
وعندئذ أصبح الانتقال إلى المرحلة التالية أمرًا معقولًا، فقد اكتمل الجهاز وأصبح
مهيأ للدوران الصحيح المنضبط... فتنزل الأمر بقتال المشركين، وانطلق جند الله
يحطمون جبروت الكفر بشجاعة نادرة لم يسطر التاريخ مثيلًا لها من قبل، وغدت الشهادة
في سبيل الله أمنية كل مؤمن يندفع نحوها بكل ما أوتي من عزم وشجاعة وحماسة...
ولكنها الحماسة المنضبطة المرتبطة بالقيادة كما ينبغي أن يكون الارتباط.
وفي القمة...
كان موقف القيادة... فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يدخل معركة قط إلا وقد
أعد لها عدتها وحدد زمانها ومكانها، واستشار أصحابه- رضي الله عنهم- في أمرها،
واستوثق منهم واختبر استعدادهم النفسي لها، حتى إذا اطمأن أنه استوفى أسباب النصر
أقدم على المعركة مطمئنًا إلى تأييد الله.
وبكلمات مختصرة
يمكن أن تلخص معالم الحركة التي نتطلع إليها بما يلي:
أن يكون الأفراد
حريصين على الشهادة... متسلحين بالطاعة.
وأن يكون القادة
حريصين على النصر.... متسلحين بالإخلاص.
وأن يكون القادة
والأفراد جميعًا متسلحين بالوعي الذي من دونه تتعثر الخطى، وتنتشر سحب الضباب في
الطريق، وتفقد الحركة وجهتها التي تريد.
فإن تم مراعاة
هذه الشروط، فإن الحركتين تتجاوبان معًا: حركة القادة من جهة، وحركة الأفراد من
جهة... لتكون المحصلة نصرًا مؤزرًا بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل