; تربية الأبناء ورعايتهم فـي فكر مصطفى السباعي | مجلة المجتمع

العنوان تربية الأبناء ورعايتهم فـي فكر مصطفى السباعي

الكاتب يحيى بشير حاج يحيى

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 48

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 61

السبت 02-يونيو-2001

من نصائحه: خصص جزءًا من يومك لابنك، عوده الاعتماد على نفسه، وانتبه فإنه مفطور على تقليدك

يحيى بشير حاج يحيى.

لم يترك مصطفى السباعي -يرحمه الله- مؤلفًا خاصًا في تربية الأولاد مع أنه كتب كثيرًا في القضايا الأخلاقية والإصلاح الاجتماعي، لكن نظراته الصائبة، وآراءه التربوية تدل دلالات عميقة على مدى ملاءمتها لواقع المجتمع المسلم، فهي تمتح من معين التوجيهات القرآنية، والتوصيات النبوية. لقد فطر الله -تعالى- الأبوين على محبة الولد على الرغم مما يعانيان، ولكنه عناء ومعاناة يزولان مع الرغبة في الأجر، يقول السباعي: «اللهم لولا ما خلقت فينا من غريزة الأبوة، ووعدتنا من عظيم الأجر لكانت ولادتنا للأولاد، وشقاؤنا في سبيلهم سفهًا في الرأي لا يصير إليه عاقل». ومن المصيبة أن يرزق الرجل بأولاد سيئين، فلا يعرض عن ذلك مال ولا جاه فإن الأولاد حظوظ الآباء من الدنيا، فمن رزق أولادًا سيئين كان سيئ الحظ، ولو اجتمع له المال والجاه، كما قال وبعض الناس لا يهتم لهذا السوء، إذ ينظر إلى الشكل دون المضمون، وإلى المظهر دون الجوهر، ولو تعمق في الأمر قليلًا لعلم أنه في صنف الحمقى ولا يشعر، «فالأب الجاهل يفرح بجمال صورة ولده ولا يبالي بقبح أخلاقه، والأب العاقل يفرح بجمال أخلاق ولده ولو كان من أقبح الناس».  وللسباعي - يرحمه الله- شروط وقواعد في التربية تؤكد الاهتمام المستمر بهم حتى لا يكونوا غمًا وهمًا، فيقول: «لو أن كل أب خصص جزءًا من يومه لرعاية ولده لما تعب الآباء في أبنائهم كثيرًا، ويرى أن تأخر الزواج وكبر السن من معوقات التربية أكثر ما يعيق الأب عن تربية ولده كما يريد هو تقدم السن، فباكر ما استطعت إلى الزواج». ويؤكد السباعي ترتيب الأولويات في التربية والتدرج؛ لأنه أوفق للنفس الإنسانية، واسلك في تربية ولدك طريق الترغيب قبل الترهيب، والموعظة قبل التأنيب، والتأنيب قبل الضرب، وآخر الدواء الكي. فإن القسوة لا تؤتي الثمار المرجوة، بل قد تكون أحد أسباب الإخفاق في التربية.

الوسطية والاعتدال:

     ونراه يدعو إلى الوسطية والاعتدال إذ يقول: «الولد كالمهر إذا أعطي كل ما يريد نشأ حرونًا يصعب قياده، وإذا منع كل ما يريد نشأ شرسًا يكره كل ما حوله، فكن حكيمًا في منعه وعطائه، وإياك وتدليله باسم الحب له، فذلك أقتل شيء لسعادتك وسعادته». فالإفراط في القسوة، يجعل ما بين الابن وأبيه هوة عميقة، قد تزداد مع الأيام كما أن الإفراط في التدليل يضيعه وإفراطك في القسوة على ولدك يقطعه عنك، وإفراطك في تدليله يقطعك عنه فكن حكيمًا، وإلا أفلت من يدك الزمام». فالأبناء كما يحتاجون إلى الرعاية المادية فهم بحاجة إلى الرعاية المعنوية، وإشباع حاجاتهم النفسية، يقول: «إذا يئس الولد من عطف أبيه عليه نشأ عاقًا، وإذا طمع في عطفه عليه نشأ كسولًا، وخير الآباء من لم يؤيس ولده من حنانه، ولم يطمعه في الاعتماد على إحسان». وللصحبة في نشأة الأبناء وسلوكهم دور كبير، فإن الصاحب ساحب، والمجالس مجانس، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وكم من قرين سوء أردى من صحبه، وكان سببًا في تعاسته في الدنيا، وشقائه في الآخرة؟ وكما قال بعض الأقدمين، فإن أكثر فساد الصبيان من الصبيان؟ ويقول السباعي جنب ولدك قرين السوء كما تجنبه المرض المعدي، وابدأ بذلك منذ طفولته، وإلا استشرى الداء، ولم ينفع الدواء، والداء قد لا يكون من قرين السوء وحده فهناك من يفسد على الأب جهوده في تربية أبنائه، يقول السباعي إلى الله نشكو ما نبذله من جهد على أولادنا في البيوت تذهب به المدارس والشوارع.

 الفطرة والذات: وأما الفطرة، فإن الأبوين هما اللذان يحافظان عليها أو يخربانها، فهما في نظر الطفل موضع الأسوة، وعينه معقودة بعين والديه، الولد مفطور على حب التقليد، وأحب شيء إليه أن يقلد أباه ثم أمه، فانظر كيف يراك في البيت معه، ومع أمه، وكيف يراك في المعاملة معه، ومع الناس. ويقول: «يولد الولد معه طباعه، فأبواه لا يستطيعان تبديلها، ولكن يستطيعان تهذيبها، وأما أخلاقه فهي بنت البيئة والتربية، وهنا يؤدي الوالدان دورهما الكبير في سعادته أو شقائه». ومن أسس التربية الصحيحة -كما يراها السباعي- أن يعود الولد على الاعتماد على الذات، وألا تكون محبة الولد عائقًا في تحقيق ذلك؛ إذ ليس من المحبة في شيء أن يعيش عالة على غيره، وأن يظل عبئا على سواه، ولو كانوا أقرب المقربين، فإنه لا بد أن يواجه الحياة عاجلًا أم آجلًا، ولأن يواجهها وهو متسلح بشيء من الخبرة، وبالاعتماد على النفس، خير له من أن يلقى به في ميدانها، ويطلب منه أن يحمل همومها، وهو لا يحسن السير فيها «عود ولدك على الاعتماد على نفسه ولو كنت غنيًا، فإذا أصبح قادرًا على الكسب وهو غير طالب علم، فحذار أن تطعمه على مائدتك أو تسكنه في بيتك، أو تسدد نفقاته من جيبك، فإنك تقتل فيه روح الكفاح في سبيل العيش، وقد رأيت من هؤلاء كثيرين»، ويقول: «لإن ترى ولدك يقاسي متاعب الحياة وهو يعمل لها خير من أن تراه غارقًا في النعيم وهو يعتمد عليك»، وأشد ما في الأمر أن يترك الأب من بعده ثروة لأبناء فاسدين، فهم كما لم يكونوا في حياته قرة عين لا يتوقع منهم أن يكونوا له ذخرًا بعد موته «إياك أن تترك لأولادك ثروة إذا كانوا فاسدين، فإنهم يتلفون ما جمعته في أعوام، ثم هم يشوهون سمعتك، ويثلمون شرفك، ويسلمونك إلى من هو سريع الحساب».

     إن التربية الصالحة والتوجيه الحسن والتنشئة القويمة لا تأتي إلا بالخير للوالد والولد، ومع انقطاع عمل الإنسان في الدنيا يبقى الولد الصالح سببًا في استمراره، ولا يحرص على ذلك إلا العاقلون، يقول السباعي: «ولد صالح يدعو لك، ويذكرك الناس به بكل خير، أبقى لك من ولد ينساك ويسيء إليك بما يسيء في الحياة من سلوك أولادك قطع من كبدك، أتراك تريد أن تصاب بكبدك بما يسبب لك الأسقام والآلآم، أم تريده صحيحًا معافی؟» ولكي يبقى للمرء ذكر في الآخرين عليه أن يحرص على تربية أبنائه، وأن يجعل منهم الأفراد الصالحين، وكثيرون يستمر ذكرهم بسبب أبنائهم، وكثيرون يطمس ذكرهم، أو يساء إليهم بعد موتهم حين يخلفك ولد صالح تولد عند موتك، وحين يخلفك ولد سيئ تموت ميتتين، يرحم الله مصطفى السباعي مربيًّا، وأديبًا، ومفكرًا، وداعية، ومصلحًا.

الرابط المختصر :