العنوان كشمير الملتهبة اختبار جاد للفتيل النووي
الكاتب أحمد على
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1448
نشر في الصفحة 20
السبت 28-أبريل-2001
أطفال مظفر آباد عاصمة إقليم كشمير الحرة.. مدينة تحتضنها الجبال ويشقها نهرا فيلم وجلهم.. تمتاز بالحيوية والنشاط والعمل التجاري والسياسي، حيث يوجد معظم القيادات الكشميرية السياسية والبرلمانية.. بعد استراحة قصيرة ننطلق إلى المناطق الحدودية قاصدين أنا مقام التي تعد أكثر المناطق تعرضاً للقصف الهندي. الوصول إليها يستغرق أربع ساعات عبر طريق وعر جداً وجبال شاهقة، إذا علونها رأيت - من شاهق - الحافلات في أسفل الوادي وكآنها دمى صغيرة.. خلال السير كان المرافقون يشيرون إلى بعض المناطق الواقعة تحت مرمى المدفعية والرشاشات الهندية، فالشارع العام على طرف الجبل، وأسفله هاوية سحيقة، توصل إلى نهر «فيلم» المتدفق والعميق، وقد أخبرونا بقصة حافلة، قتل جميع ركابها الخمسين نتيجة انحرافها وانزلاقها إلى قاع ذلك النهر عند إطلاق القوات الهندية النار عليها.. وصلنا إلى أنا مقام الحدودية، حيث استقبلنا الأهالي ورحبوا بي عرفوا إنني عربي، فهم يحبون العرب ويقدرونهم بشكل كبير، ويعتبرونهم أحفاد الصحابة.. أغلبيتهم يتشوق لتعلم اللغة العربية، ويحاول بعضهم ذلك في المعاهد المتواضعة الموجودة هناك.
صور من المعاناة:
المنطقة تأسرك بجمال طبيعتها .. فالمياه صافية عذبة والخضرة خلابة إنها جنة كما يصفها أهلها، وتصلح لتكون منتجعات سياحية تنافس أجمل المنتجعات الأوروبية.. ولكنها الحرب.
انتقلنا إلى المواقع الأمامية، حيث شاهدنا مواقع القوات الهندية المرابطة على الجبال المقابلة له انا مقام سألنا الأهالي عن الاشتباكات وتراشق النيران.. وكيف يعيشون؟
أجاب جان محمد، وهو رجل مسن أصيبت ساقه برصاص القوات الهندية: لا وقت محدد الإطلاق النار، لكنه يشتد أثناء الحصاد وقد قتل ما لا يقل عن سبعين شخصاً من هذه المنطقة. نتيجة القصف الهندي أثناء أزمة كارجيل، ودمرت مئات البيوت، وهاجر الاف السكان فراراً بحياتهم.. إننا نعيش حياة صعبة والقوات الهندية تسعى لتكبيد المدنيين أكبر قدر من الخسائر، وعادة ما تختار الأوقات التي يتجمع فيها الناس مثل موسم الحصاد، وعند ذهابهم لمزارعهم، ليصيب القصف أكبر عدد من الناس، وفي الوقت نفسه، تحرق المزروعات، وبذلك تكون قد أصابت المدنيين، ودمرت مصدر رزقهم كثيراً ما يلزم الأهالي بيوتهم، وكثيراً ما تعطل المدارس خشية على الأطفال أما الأسواق فتفتح في أوقات متفاوتة.. لقد أصبحت عمليات القصف شبه يومية وإذا مكثتم ثلاثة أيام - يواصل - يوم فستسمعون بأنفسكم.
أضاف: كنت متجهاً العام الماضي إلى الحقول لرعاية الزرع، وكان معي ابني وعمره خمسة عشر عاماً ليساعدني. وأثناء سيرنا، وفيما الجو صاف، والسكون يرافقنا إذا لهيب من الجحيم ينفتح علينا من القوات الهندية القصف العشوائي دمر عشرات المنازل ومدرسة، ومستوصفا، وقتل معهم. خمسة أفراد منهم طفلان وامرأتان وكان ابني دفنته في المكان الذي قتل فيه، وأتمنى أن تأتي اللحظة التي انتقم فيها لابني، ولأبناء الشعب الكشميري.
كان يتكلم والدموع تنهمر من عينيه.. سألته عن سبب قصف القوات الهندية للمدنيين في «آتا مقام، وهل تقومون بإثارتهم أو التحرش بهم قال: أنا رجل في الستين من عمري أمي لا أقرأ ولا أكتب ولكني فهمت وعرفت لماذا تقوم القوات الهندية بقصف المدنيين. إنها تهدف إلى إذلالنا لأننا أصحاب حق، وقد رأيتم المخيمات الكشميرية قبل دخولكم «آتا مقام حيث ينتظر المهاجرون العودة إلى بيوتهم في كشمير المحتلة، ولكن لن نستسلم وسندافع عن أرضنا وديننا، والحمد لله قواتنا المسلحة الباكستانية دائماً ترد لهم الصاع صاعين، وترد على مصادر نيرانهم وتسكتهم.
ويستدرك قائلاً: للأسف، فإن الثلوج تغطي هذه المنطقة في الشتاء بكثافة عالية، مما يؤدي لإغلاق الطرق بين بقية مدن كشمير وأنا مقام لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، فنصيح تحت حصار القصف الهندي، وحصار الشتاء والثلوج، والبرد القارس، مما يؤدي إلى نقص شديد في المواد التموينية.
مجزرة مدرسة آتا مقام:
زرنا مدرسة المدينة الابتدائية وقابلنا مديرها «نوركل»، وحدثنا عن مأساة المدرسة حضر الأطفال صباحاً. ثم دخلوا إلى الصفوف لبدء الدراسة، وفجأة بدأ القصف العشوائي على المدينة، فبدأ الأطفال يصرخون وأصبحنا في حيرة وخوف، فإن تركنا الأولاد يذهبون إلى بيوتهم تعرضوا للقصف العشوائي قررنا إبقاءهم في المدرسة كالعادة، حيث لم يسبق أن وصلنا القصف، ولكن للأسف الشديد سقطت علينا عشرات القذائف، ودمرت جزءاً كبيراً من اثنا المدرسة، واستشهد خمسة تلاميذ وجرح عشر آخرون اختلطت دماؤهم بالمقاعد، وجدران الصفوف، وكما ترى مازال بعض دمار المدرسة لم يرمم بعد، وهو شاهد عيان على جرائمهم، وبعد ترميم جزء كبير من المدرسة وبداية الدراسة من جديد، لاحظنا اختلافاً في مستوى تفكير الطلاب وحديثهم، حيث لم يعودوا يخافون من القصف الهندي، ويقسمون أنهم سينتقمون عندما يكبرون أصبحت رسوماتهم، وحفلاتهم، وبرامجهم العملية والثقافية كلها تعبر عن رغبتهم في مواجهة الجيش الهندي حتى الألعاب التي يلعبونها، تمثل لعبة الجندي الهندي الظالم، والجندي الباكستاني المدافع عن كشمير.
بعد قليل تحققت توقعات الشيخ الباكستاني . بدأت القوات الهندية إطلاق النار الرشاشات تضرب عشوائياً.. استمر القصف خمس دقائق بعدها عاد الهدوء، وخرجنا لنرى آثار القصف الحمد لله لم تكن هناك خسائر بشرية ولامادية تذكر.
رأيت اثنين من رجال الجيش الباكستانيين خارجين من ثكناتهم، متوجهين إلى خارج المنطقة في إجازة استوقفناهما وسألناهما عن الأوضاع في المنطقة.. قال أحدهم وهو برتبة رائد: إن هذه المنطقة معرضة للقصف والأهالي يعانون كثيراً. ونحن نبذل ما بوسعنا لحمايتهم، ولم نكن في يوم من الأيام البادئين بالقصف فنحن ندافع عن أرضنا، وأهالينا وشرفنا، وعرضنا، ولن نبالي بالصعوبات.. نحن هنا في الخطوط الأمامية منذ سته أشهر ولم نر أهالينا وأولادنا.. ومع ذلك فنحن سعداء، لأننا في رباط، وكل أفراد الجيش يتمنون الخدمة في الخطوط الأمامية، والحمد الله في كل مرة نسكت مصادر النيران وكل فترة ندمر لهم مواقع وخنادق، ونقتل، ونجرح عدداً كبيراً منهم، وفي بعض الأحيان يرفعون رايات بيضاً، لكي نوقف القصف.
أتينا طائعين للقتال، بينما لو سنحت الفرصة لقوات الجيش الهندي لفرت جميعها من مواقعها. لدينا قناعة لو أن الهند تعطي الشعب الكشميري حقه في تقرير المصير، فإنها تستطيع نزع فتيل الحرب، ولن تحتاج إلى كل هذه المعارك اليومية والقصف اليومي.
مخيمات الموت:
توجهنا إلى منطقة «بونش» واستمعنا من الأهالي قصصاً مماثلة للقصف الهندي ! للقـري الكشميرية ألحوا علينا بزيارة موقع عين الماء أو النبع الذي يعد الأهالي بمياه الشرب، وهو يقع على مرمى القوات الهندية حيث قتل العشرات من النساء أثناء إحضارهم الماء مما اضطر الأهالي إلى مد أنابيب من النبع إلى خزان ماء بعيداً عن مرمى القوات الهندية توجهنا بعدها إلى المخيمات، حيث يعيش المهاجرون ظروفاً قاسية، وهناك تحدث إلينا بشير أحمد وهو مهاجر من سرينجار.. عاصمة كشمير المحتلة قال: كما ترون، فإننا نعيش حياة قاسية جداً، خاصة في الشتاء الذي يداهمنا ببرده القارس، وتمضي علينا الأيام دون الحصول على طعام لأطفالنا، والجو هنا كما ترى - غير صحي، فمجاري الصرف مفتوحة، ويسكن في الخيمة الواحدة عائلة لا يقل عدد أفرادها عن سبعة أما التعليم هنا فيتم في العراء.
يضيف بشير: لقد طردت من بيتي في سري نجار بعد أن داهمته قوات الأمن الهندية وقامت بتفتيشه والاعتداء بالضرب علينا جميعاً، حتى النساء والأطفال لم يسلموا من اعتداءاتهم. وكل ذلك لأننا خرجنا في مظاهرة شارك فيها أهل الحي، احتجاجاً على اغتصاب فتاة في الثامنة من عمرها، وقد ماتت بعد اغتصابها، وأصبح بيتنا وبيوت جيراننا، هدفاً للمداهمة اليومية من قبل القوات الهندية، وشعرنا بخطر محدق بعد أن وصلتنا تهديدات بالقتل، فقررنا الهرب عبر الحدود. كانت رحلة شاقة حتى استطعنا – بفضل الله - اجتياز الحدود، ولكني أحلم كل يوم بالعودة إلى منزلي وأقاربي في سرينجار.
قصة من عشرات القصص التي سردها أهالي المخيم وكلها مشبعة بالألم مما حدث من قوات الجيش الهندي والأمل في العودة للوطن وتحريره من الاحتلال.
تجولنا في إحدى المدارس، حيث بدأ الطلاب بقراءة القرآن الكريم. هناك برامج لتحفيظ القرآن الكريم للطلاب والطالبات خلال ثلاث سنوات على الأكثر بعضهم حفظه في سنتين. ثم النشيد الذي يؤكد على العزم على العودة إلى كشمير المحتلة وتحريرها. حقيقة لا يعرف المرء كيف يدرسون في ظل هذه الظروف الصعبة، ولكن تلمس في عيون الأطفال الإصرار على التعليم.
موقف القيادات السياسية الكشميرية:
عدنا إلى مظفر آباد عاصمة كشمير الحرة، والتقينا عضو البرلمان الكشميري عبد الرشيد الترابي، وهو قائد هاجر من كشمير المحتلة. وفي حوارنا معه قال: لقد زرتم المخيمات والمواقع الحدودية، ووجدتم الحقائق التي ذكرتموها لي، وهذا غيض من فيض فحجم المعاناة أكبر من ذلك، حيث يعاني الأهالي في كل مناطق كشمير الحدودية، ومع ذلك فهم صابرون تضامناً مع إخوانهم في كشمير المحتلة.
سألته عن فرصة حل القضية الكشميرية بالطرق السلمية فقال لقد بذل الشعب الكشميري كل جهده لنيل حقه بالطرق السلمية، وعلى أساس قرارات الأمم المتحدة، ومنذ عام ١٩٤٩م وحتى عام ١٩٨٩م، والشعب الكشميري ينتظر تطبيق قرارات الأمم المتحدة ولكن دون جدوى، مما دفعه للقيام بانتفاضته لنيل حقه وحريته في تقرير المصير وأحب أن أوضح أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتما ما لم تحل القضية الكشميرية حلاً عادلاً فالشعب في كشمير المحتلة سيستمر في جهاده وسيبقي الشعب في كشمير الحرة يدعم إخوانه سياسياً واقتصادياً.
وحول مبدأ المفاوضات الذي تدعو إليه باكستان مع الهند قال:
نحن نؤيد أي مفاوضات قائمة على أساس قرارات الأمم المتحدة القاضية بإعطاء الشعب الكشميري حقه في تقرير المصير، ويجب إشراك الجانب الكشميري في المفاوضات. لكن الهند غير جادة في المفاوضات حيث ترفض إدراج القضية وتزعم أن كشمير جزء من الهند.
التقينا القائد صلاح الدين القائد العام لحزب المجاهدين الذي أكد أن الأوضاع في كشمير المحتلة تسير لصالح المجاهدين، حيث تعيش القوات الهندية حالة من الإحباط بعد ازدياد معدل قتلاهم يوماً بعد يوم، وقد قتل ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين ألف جندي هندي بينهم ثلاثة جنرالات وسبعة عمداء، وتسعة عشر عقيداً، ومائتان وخمسون ضابطاً، وهذه الخسائر الفادحة أدت إلى انهيار معنويات الجيش، وبدأ عدد كبير في الفرار من ثكناتهم، مطالبين بتسريحهم من الخدمة، وإحالتهم للتقاعد والاحتياط فضلاً عن أن الهند تخسر يومياً من خزينتها ملايين الدولارات، وقد بلغ إجمالي ما خسرته خمسة. وثلاثين مليار دولار منذ بداية الانتفاضة، بينما المجاهدون يتحسن وضعهم العسكري والسياسي.
وحول مصادر سلاح المجاهدين قال: إن سلاحنا غنيمة من أعدائنا، وفي بعض الأحيان نشتريه من الجنود الهنود المهزومين نفسياً.
وحول التعاون الصهيوني الهندي قال: إنه متين، وهناك اتفاقيات عسكرية بين الجانبين وقد تم الاتفاق على تحديث الطائرات الهندية العسكرية الروسية الصنع، وقطاع الدبابات والمدرعات بخيرة صهيونية، وهناك تعاون عسكري نووي أيضاً، وقد قدم الصهاينة العديد من المساعدات العسكرية للهند أثناء معاركها قبل عامين في كرجيل وقدموا مساعدات في مجال تدريب ضباطها على حرب العصابات، حيث خصصت معسكرات خاصة للصهاينة داخل كشمير لتحقيق هذا الهدف، ولايزالون موجودين في مناطق (جشما شاهي وبتني توب)، وقد قتل المجاهدون ثلاثة منهم عام ١٩٨٩م.
ولا ننسى أن الجانبين يمتلكان قدرات نووية وأن كشمير كالشريان لباكستان، فمنابع الأنهار التي تجري في باكستان جميعاً موجودة في كشمير المحتلة، ولن تسمح باكستان للهند بالسيطرة على تلك المنابع، لأن ذلك يعني أن تبقى تحت التهديد وتتحول أراضيها إلى صحراء.
القضية إذن حيوية من أكثر من جانب وعلى الهند العمل على قبول قرارات الأمم المتحدة لإنقاذ المنطقة من حرب شاملة وللأسف الشديد، تسعى الهند في هذه الأيام إلى الحصول على عضوية مجلس الأمن الدائمة، وفي ذلك مغالطة واضحة فكيف يسمح لها بعضوية مجلس الأمن، وهي تخالف قراراته منذ أكثر من نصف قرن، وتنتهك مواثيق الأمم المتحدة الخاصة باحترام حقوق الإنسان وتحرم شعباً بأكمله من تقرير مصيره؟!
ويؤكد: عملياتنا ستستمر حتى نحقق هدفنا وهو تحرير كشمير.
مسيرات ومظاهرات احتجاجية:
في اليوم التالي تجولنا في مدينة مظفر آباد وشاهدنا مسيرات ومظاهرات احتجاجية ضد الاعتداءات الهندية المستمرة. كانت مظاهرات ضخمة تظهر مدى تعاطف الشعب الكشميري والباكستاني مع إخوانهم المقيمين على الجانب الآخر من الحدود داخل كشمير المحتلة، تحدثت مع سيدتين طاعنتين في السن، قالت إحداهما: نحن قدمنا من مدينة لاهور، وجمعنا تبرعات لإخواننا المقيمين على الحدود، حيث نسعى لتوفير المواد الغذائية والأغطية والحليب للأطفال، وهذا واجب علينا لدعم إخواننا.
كل الشواهد تشير إلى تزايد قوة الشعب الكشميري، وتزايد فرص تحقيق حريته، وهذا ما لمسته أيضاً في عيون أطفال كشمير المهاجرين الذين يصرون على الحرية والعودة إلى بلادهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل