العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة.. الشاعر عمر بهاء الدين الأميري
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
مشاهدات 105
نشر في العدد 1074
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
المستشار عبدالله العقيل
___________________
عرفته حين زار مصر أوائل الخمسينيات وكان وقتها سفيرًا لسوريا في
باكستان، وكنا آنذاك طلبة بمصر، وقد اجتمعنا به أكثر من مرة مع مجموعة من طلبة
البعوث الإسلامية حيث استمعنا إلى توجيهاته ونصائحه فيما يتعلق بالعمل الإسلامي
وكان يركز في حديثه على أن المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين كبيرة جدًّا.
وهي محكمة الخطط ماكرة التدبير تشارك فيها كل القوى المناوئة للإسلام
من الصليبية والصهيونية والشيوعية والإلحاد بكل فرقه، والتغريب بكل جيوشه وفروخه،
والاستعمار بكل ألوانه وأعوانه. وإن ضياع دولة الخلافة الإسلامية وضياع فلسطين
إنما هو بتكالب أمم الكفر وتفرق كلمة المسلمين وانقسامهم على أنفسهم واحترابهم
فيما بينهم والاستعانة بأعدائهم على إخوانهم.
بالإضافة إلى تأخر الأمة الإسلامية في ميدان العلم وتأخرها عن ركب
الحضارة ومجاراتها لأهواء الحكام وشهواتهم وانغماس شبابها في الملذات والشهوات
وتقليد الغرب في رذائله الخلقية وقشور حضارته وترك النافع من علومه. وكان يحملنا
المسؤولية ويقول: أنتم شباب اليوم ورجال الغد وحملة الإسلام إلى الناس جميعًا
فعليكم بالتزود بالعلم النافع والالتزام بالخلق الفاضل والارتباط بالعمل الإسلامي
الجاد الذي يسعى إلى إعادة الأمة إلى إسلامها وعودتها إلى أمجادها وتمسكها
بعقيدتها وتطبيق شريعتها في واقع الحياة المعاصر.
وكان يثني الثناء الحسن على حركة الإخوان المسلمين ومؤسسها الإمام
الشهيد حسن البنا ويرى أنها الحركة الإسلامية التي تتوفر فيها المواصفات المطلوبة
للنهوض بالأمة الإسلامية من كبوتها وتحررها من ربقة الاستعمار وأنها استطاعت بفضل
الله أن تربي الشباب على منهج الإسلام وأن تعرض الإسلام على الجماهير كما جاء في
كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأن تضع المفاهيم الأصيلة والقواعد الشرعية موضع العلم والعمل حيث
جاءت (رسالة التعاليم) للإمام البنا لتعطي خلاصة الإسلام التي يجب أن يفهمها
المسلمون ويتدبروها ويعملوا بها ويدعوا الناس إليها، كما أن حركة الإخوان المسلمين
عُنيت بالشباب عناية تامة وأعدت البرامج الكفيلة بتنشئته النشأة الصالحة.
وأضاف الأستاذ الأميري أن الإسلام الحق هو ما فهمه الإخوان المسلمون
وليست هذه البدع والخرافات وأن المستقبل لهذه الحركة الإسلامية التي توفر لها
الفهم الصحيح للإسلام والقيادة الحكيمة الرشيدة والعاملون المخلصون، فعليكم يا
طلبة البعوث الإسلامية بالارتباط بها والاستفادة من مناهجها وبرامجها وخبراتها
وتجاربها وانقلوا ذلك إلى أقطاركم حين تتخرجون وادعوا شعوبكم للعمل من أجل الإسلام
والتحرر من مناهج الجاهلية والبرامج الوضعية.
وكان الأستاذ الأميري يتميز بإشراقة الديباجة في حديثه ومحاضراته مع
البسمة التي لا تفارقه والبشاشة التي يلقي بها الناس فضلًا عن النكتة والدعابة
الظريفة حين يقتضي المقام ذلك. ثم باعدت الأيام بيننا بعد التخرج لسنين حتى التقيت
به في سوريا ولبنان والكويت والسعودية.. وشرفت بتقديمه في محاضرات عديدة عن
الحضارة الإسلامية وقصائد شعرية وأكرمني أكثر من مرة بزيارتي في البيت وأهداني
معظم مؤلفاته ودواوين شعره الذي كان يتدفق بالعاطفة الإسلامية الجياشة والسلاسة
والرقة والشفافية والمناجاة الصادقة.
مما لا يتسع المجال لبسطه في هذا المقام لأن خير من ينهض بذلك هي
رابطة الأدب الإسلامي التي يرأسها السيد أبو الحسن الندوي وتضم كوكبة من الأدباء
والشعراء الإسلاميين الذين يعرفون الأميري وعطاءه الشعري الإسلامي. إن الأستاذ عمر
بهاء الأميري كان من أوائل من التحقوا بحركة الإخوان المسلمين مع الأستاذ د. مصطفى
السباعي والأستاذ محمد المبارك والأستاذ الشيخ محمد الحامد والشيخ عبد الفتاح أبو
غدة وغيرهم من رجالات بلاد الشام.
وقد بذل جهودًا طيبة ترفد الحركة ودعمها وأسهم في توجيه شبابها وكان
وثيق الصلة بالأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام البنا
يكثر من زيارته والتردد عليه ومشاورته في الكثير من الأمور. وللأستاذ الأميري
أسلوبه في علاج المشكلات ومواجهة التحديات فهو يؤثر الحكمة واللين والمهادنة مع
أصحاب السلطة لاستلال السخائم من نفوسهم وعدم استثارة حفائظهم وترغيبهم في الإحسان
إلى شعوبهم وكسب عواطفهم لأن محبة الشعب للحكام من أهم عوامل الاستقرار.
وكان يوصي الشباب المتحمس بعدم التعجل لأن الزمن جزء من العلاج وأن
طول فترة التربية هو الأسلوب الأمثل لإعداد الرجال لأن الحمل ثقيل والمسؤولية
كبيرة وتحتاج إلى نوعية من الرجال الأشداء أصحاب العزائم الذين يصبرون على البلاء
ويتحملون المشاق ويصاولون الأعداء في كل ميدان مستعينين بالله عز وجل آخذين
بالأسباب المستطاعة لتحقيق مرضاة الله بإبلاغ دعوته.
إن الأستاذ الأميري كان محبوبًا من كل من عرفه عن قرب حيث كان زينة
المجالس بحديثه الشيق وأدبه الجم ومداعباته اللطيفة فالشيوخ والشباب على حد سواء
يتسابقون للاستمتاع بحديثه ومسامراته النافعة وتوجيهاته السديدة وآرائه الحكيمة.
والأستاذ الأميري لم يكن شاعرًا وأديبًا فحسب بل كان من زعماء الحركة الإسلامية
والعاملين في الحقل الإسلامي الذين لهم إسهاماتهم الكثيرة في أكثر من قطر ومع أكثر
من زعيم وقائد.