العنوان سلسلة النجاح (۱۲).. المنهج الأمين لتقييم أعمال الآخرين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
مشاهدات 56
نشر في العدد 1332
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
تقييم أعمال الآخرين يحتاج إلى نوع من التجرد يجعل صاحبه بمنأى عن الهوى... غير واقع تحت تأثير الترغيب أو الترهيب
كثير من أصحاب الآراء يصعب عليه أن يتلقى نقدًا من أحد، أو تقييمًا من الآخرين… يزيدهم خبرة وبصيرة
من عوامل النجاح في أي عمل فردي المحاسبة المستمرة لرصد الإيجابيات أو السلبيات، حتى نتخلص مما يسوء، ونزيد ما يسر، ومن عوامل النجاح في أي عمل جماعي الخضوع للتقييم الرشيد، وقبول ما يجود به الآخرون من تسديد أو تصويب، ولن نتناول في حديثنا هذا المحاسبة.
فكثيرًا ما تعرض لها المريون، وقتلوها بحثًا.
وإنما حديثنا اليوم عن تقييم الأعمال وما يلزم لهذا التقييم حتى تكون له ثمرة إيجابية سليمة من العطب والفساد.
وليس تقييم أعمال الآخرين أمرًا ميسورًا لكل من أحب؛ لأنه يحتاج -أول ما يحتاج- إلى المعرفة التامة المحيطة بهؤلاء الناس، وإلى معرفة توجهاتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية، ومدى تمسكهم بمبادئ الدين أو تخليهم عنها، ومدى تأثيرهم فيمن يحيطون بهم، ومدى تأثرهم بالتيارات الحديثة والرياح الغربية أو الشرقية التي تهب في كل موسم، وتحمل من الخير أو الشر الكثير.
ويحتاج التقييم إلى نوع من التجرد يجعل صاحبه بمنأى عن الهوى، غير واقع تحت تأثير الترغيب أو الترهيب، بل يجعل الحق دليله، والعدل ميزانه، والقول الهادئ أداة التوصيل، بغية الوصول إلى الهدف من غير الدخول في جدل لا يفيد وقد يضر، فهل يملك كل واحد هذه المقومات اللازمة للحكم على أعمال الآخرين؟
وإذا ما توافرت هذه المقومات فإن الكلمات المختارة، والمصطلحات الخالية من الرنين المبالغ فيه، لا غنى عنها إن أردنا أن نصل إلى الحق، ونقنع به غيرنا دون أن تشتبك الأقلام، أو تشتجر الآراء أو تضطرب الأمزجة، وتتعكر النفوس، غير غافلين عن الخلفية التي أثرت في صاحب رأي، أو صاحب فكر، ليتخذ فكرًا معينًا، أو منهجًا في الحياة خاصًا، ثم يأتي التحليل الصحيح للأمور في ضوء ملابساتها ومقتضياتها لنحصل من ذلك على المعرفة اللازمة التي نقيم عليها الحجة في التقييم والحكم على أعمال الآخرين.
وكثير من أصحاب الآراء -إلا من رحم ربي- يصعب عليه أن يتلقى نقدًا من أحد، أو تقييمًا من الآخرين، ولو أنصف لاعتبر ذلك عونًا، ساقه الله إليه، ليقف على جلية أمره، ويراجع نفسه.
هناك تقصير، ويزداد خبرة وبصيرة إن كان من المحسنين، وقد نبهنا الرسول ﷺ إلى ذلك حين قال: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ. »(مسلم:55). وكان عمر -رضي الله عنه- يعتبر كل من دله على عيب أو نقص، أو اختيار غير موفق لأمر من الأمور، كان يعتبر ذلك هدية تستحق منه أن يدعو لصاحبها، فيقول: «رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي»، على أن كل تقييم لأعمال الناس لا يستدعي بالضرورة أن تكون في أعمالهم عيوب تذكر، أو نقص يكمل، فإننا لو ركزنا على أمثال هذه الأشياء وحدها لجرى علينا قول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولأصبح حكمنا قائمًا على الهوى، غير ملتزم بالحق والإنصاف، وهيهات لمثل هذا الحكم أن يقبل.
ولكي يكون التقييم مقبولًا لابد من أن تُذكر المحاسن قبل المساوئ، والمنافع قبل المضار، وأن يراعى فيه حسن القصد، وجمال العرض، وأن يأخذ شيئًا من الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يعتبر صاحبه عملية التشهير والتشنيع منطقة محظورة، لا يضع فيها قدمه، ولا يغمس في مدادها قلمه حتى يخلو تقييمه من كل عيب.
إننا حين نقيم رأيًا أو فكرًا لا ينبغي أن نخرج عن نطاق الفكر إلى الطعن في ذات صاحبه، فلا يعنينا إن كان أسود أو أبيض جميلًا أو دميمًا، فذلك لا شأن لنا به ولا دخل لصاحبه فيه، إننا نقيم ما يمكن للإنسان إصلاحه، فإصلاح الفكر، وإصلاح الرأي، وإحسان العمل، كلها أمور يمكن اكتسابها، ويمكن التخلي عن مضاداتها لكل إنسان يؤمن أن كل بني آدم خطاء، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، «وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، على أننا إن استطعنا عند التقييم أن نرد الفروع إلى أصلها، والأسباب إلى مسبباتها، نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا نحو الوصول إلى الهدف، ووفرنا على أنفسنا وعلى الآخرين وقتًا وجهدًا، وقاربنا أن نلتقي على الحق، وأن نرتضيه، ونسير على هديه.
أيستطيع كل واحد أن يقيم أعمال الآخرين وفق هذا المنهج؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل