العنوان (فلسطين المحتلة) د. أحمد صدقي الدجاني: نحتاج لقراءة جديدة للقدس ترشدنا إلى تحريرها
الكاتب جهاد الكردي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1309
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 21-يوليو-1998
إسرائيل لن تعترف لنا بشبر واحد في القدس، والمسيرة السلمية أثبتت فشلها، ونعول على الجهاد لتحرير أراضينا.
أدعو كل المعنيين بالمسار السياسي أن يرفضوا أي تفاوض حول القدس إلا على أساس استعادتنا لها بالكامل.
الحلف التركي الإسرائيلي يقع ضمن المخطط الأمريكي للسيطرة على العالم... ويمثل إحدى الإدارات الأمريكية لفرض النظام الشرق أوسطي علينا.
المفكر الفلسطيني المعروف الدكتور أحمد صدقي الدجاني يكرس حياته للقضية الفلسطينية، ويمتاز بطرح آراء صريحة وجريئة جرت عليه غضب القيادة الفلسطينية، رغم أنه يعد أحد مستشاريها المخلصين، وقد التقت المجتمع الدجاني وحاورته حول الدعوة التي أطلقها في كتبه ومقالاته الأخيرة لقراءة جديدة لقضية القدس، وتصوره لمستقبل عملية السلام، وأسباب تفاؤله لصحوة العرب المقبلة ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على منطقة الشرق الأوسط.
تطالب في أبحاثك ودراساتك الأخيرة بقراءة جديدة لقضية القدس، فما أسباب دعوتك تلك؟ وماذا تهدف إليه من ورائها؟
- نعم، لقد طالبت وما أزال أطالب بقراءة جديدة وصحيحة للقدس، والسبب في ذلك أننا نحن العرب والمسلمين ننساق بدون وعي إلى قراءات الصهاينة والغربيين المتطرفين للقدس، بسبب القصور الشديد في إعلامنا، وفي كتابي الجديد «أزمة الحل العنصري» طرحت هذه القراءة الصحيحة، وقلت: لا بد من أن نبدأها بقراءة جغرافية القدس، ونستخلص منها أن القدس في موقع إذا مست تمس كل الحواضر والعواصم العربية والإسلامية، والله قدس موقعها، وأعطى له بركة، ونقرأ التاريخ فنراها منذ كانت وستبقى عربية إسلامية، ونخلص إلى نتيجة وهي أن القدس- منذ كانت- وطن لشعبها الذي هو شعب فلسطين العربي المسلم، والويل لنا إذا انجررنا وقلنا إنها وطن لشعبين، فاليهود بها كانوا دائمًا ضيوفًا للحج، وفرق شاسع بين يهودي جاء حاجًا وزائرًا، وصهيوني أتى ليغتصب ويسفك الدماء، ولذا فإن فكرة أن فلسطين أرض لشعبين عربي وصهيوني خطأ كبير وشنيع، وقراءة تاريخ القدس يدلنا على أن القدس كانت قبلة للمؤمنين، فنزلت بها الشرائع السماوية، ويا مرحبًا بالحجيج من إخواننا النصارى من أنحاء الأرض، ومن المؤمنين اليهود الذين جاؤوا مستأمنين، أما هؤلاء الصهاينة فلا سبيل إلا مواجهتهم، فهم أخرجونا من ديارنا، وظاهروا على إخراجنا، وقاتلونا في ديننا، ولا سبيل معهم إلا الجهاد، كما تدلنا قراءة تاريخ القدس على أن تلك المدينة المقدسة كانت مطمعًا للغزاة، ولكن ما من غاز بقي فيها، والأيام دول، والصحوة حدثت من قبل وطردت الفرنجة، والصحوة اليوم حادثة، وستطرد هؤلاء الصهاينة، والقراءة الصحيحة للقدس تبين لنا كيف حدثت الصحوة لكي نكررها، فالصحوة بدأت وتبدأ دائمًا بالفكر والتربية والتعليم، وبالمدارس التي انتشرت من القاهرة إلى أقاصي بلاد الشام في عهد نور الدين العظيم قبل صلاح الدين، وبوحدة المسلمين والنصارى في فلسطين، وبالقلاع التي قامت، وبإرادة التحرير التي حدثت، وبالفكر الإسلامي الذي جاء إلى جوار السيف، ورحم الله صلاح الدين الأيوبي وهو يقول عن القاضي عبد الرحيم البيساوي العسقلاني المصري أكبر شخصية إسلامية في عهده: «والله لقد نصرني الله بعلم القاضي الفاضل عبد الرحيم أكثر مما نصرني بسيوف جندي».
الاستعمار الاستيطاني
نقرأ القدس فتركز على الاستعمار الاستيطاني، ونرى كيف برزت الصهيونية فكرًا، وكيف تحولت إلى حركة مع الاستعمار الأوروبي، وكيف فلسطين وما حولها، ثم نقرأ مراحل هذا الاستيطان، ونقف أمام الإجرام البريطاني والطغيان الأمريكي، ومطلوب منا أن نقرأ هذا كله وبدقة، وصولًا إلى أن نعرف طريقنا لاسترجاع الثقة بأنفسنا، فنعد العدة، ونستنزل الطاقات التحرير فلسطين كلها، والحقيقة أن من عرف من أين..؟ يعرف إلى أين؟ ودارس التاريخ الحصيف يقول ذلك دائمًا، وإن من يستشرف الغد يكون أقدر على التعامل مع الحاضر، وأنا حينما أركز على دراسة علم المستقبل، أستذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الأيام الأولى من مكة، حينما جاء المؤمنون الأوائل إليه يشكون من عنت وقسوة الكفار، فكان أن حكى لهم عن المعاناة كاملة ثم قال.. «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).
ولقد عشنا بشريات النصر بعد بدايات عام ١٩٨٥م، حينما قامت الانتفاضة المباركة، وقطعت طريقها بيدها، ولكن تمت محاولات لاحتواء ما حققته الانتفاضة باتفاق أوسلو المملي الذي لم يقلع كل ما زرعته الانتفاضة من مقاومة واستبسال، وجاءت الرؤية الصحيحة لتقول إن هذا الاتفاق لن يستمر، وسيفشل؛ لأن في داخله مقومات فشله، وهو ما حدث بالفعل، وإن شاء الله سيهتز النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، وتسخره لصالح الصهاينة، والدلائل تقول إن قبضة أمريكا تضعف وتهتز، وسيحدث تغيير حاسم وجذري في العالم قريبًا، وسينعكس كل هذا على أوضاعنا وقدسنا.
ما أسباب تخوفاتك من وضع القدس في مرحلة التفاوض النهائي بين القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية؟
- تخوفاتي قائمة على حقائق، فالمنطق الذي حكم عملية التفاوض منذ عام ١٩٩٣م بل منذ عام ١٩٩١م يفضي لضياع القدس كلها، والولايات المتحدة الأمريكية عمدت إلى أن تخفض سقف التفاوض بشأن القدس حتى وصلت به إلى ما يقارب الأرض، وفي صيغة السلام التي فرضتها أمريكا لا مجال للمفاوض العربي إلا أن يوقع، ولذا فالقلق شديد، ويجب أن تكون هناك مراجعة، ولقد شرحت في أبحاثي الورقة الإسرائيلية التي أعدها حزب العمل، وسماها «إطار عمل القدس»، وما كتبه نتنياهو عن القدس وورقة العمل المشتركة بين العمل والليكود والمفاوضات التجريبية غير الرسمية التي حدثت، ولم يعد كافيًا القول بأن إسرائيل ستعترف لنا بشير واحد، فالعدو الصهيوني يريد أن يفرض علينا في الحل النهائي أن نعترف بأورشليم كاملة عاصمة أبدية له، وأن يكون لنا فقط ثلاث قرى عربية تعطي أحدها اسم القدس، ويكون بينها وبين المسجد الأقصى ممر، ولذا فإنني عارضت وحذرت، وأدعو كل المعنيين بالمسار السياسي أن يرفضوا أي تفاوض حول القدس، إلا على أساس قضية القدس كلها وحقوقنا فيها، والتي ينبغي أن نحرص على الحفاظ عليها واستعادتها كاملة.
* تعول الحكومات العربية على الدور الأوروبي للضغط على إسرائيل للتنازل عن الأراضي المحتلة، بينما تعول الشعوب العربية والإسلامية على المقاطعة والجهاد ضد إسرائيل.. ما موقفكم من هذين الاتجاهين؟
- الأول ينتسب إلى قوة خارجية، والثاني ينتسب إلى قوة داخلية، والتحرير لن يكون إلا بقوتنا الذاتية، والذين يعولون على الموقف الأوروبي ندعوهم إلى أن يدرسوا أوروبا بعمق، ولقد كنت مسؤولًا عن الحوار العربي الأوروبي لعقد من السنين، ومازلت أرى أن هذا الحوار ضرورة، ولكننا من خلال حوارنا خبرنا حقيقة أوروبا، وأعتقد أن أوروبا ما زالت أسيرة إلى حد كبير للسياسة الأمريكية، وبعض دولها سائر إلى آخر مدى في التبعية لأمريكا، مثل بريطانيا، وبعض دولها يتململ قليلًا من مواقف أمريكا، لكن عندما تظهر أمريكا عصًا ما ترضخ وتستجيب، وأنا لا اغالي حين أتحدث عن العصا الأمريكية، لكن كل هذا لا ينبغي أن يحول دون أن نستمر في التفاؤل في الحوار مع الأوروبيين، لكي يصلوا إلى يوم يستطيعون فيه الوقوف معنا، والتعبير عن مصالحنا، ويكون موقفهم من قضيتنا تفسيرًا للتعبير عن مصالحهم عندنا.
أما من يعولون على موقف الشعوب العربية والإسلامية تجاه القدس، فهم المنتصرون بإذن الله، وفي أمتنا اليوم التيار الإسلامي والقومي وغيرهما من التيارات، وكلها تراهن والحكومات العربية والإسلامية تعلم جيدًا من خلال خوضها للمهمة، أنها بدون قوة شعوبها الذاتية لن تستطيع حماية أبسط مصالحها، ولا بد من أن ترفع الشعوب سلاح المقاومة بمفهومها الواسع روحيًا وفكريًا وسياسيًّا وثقافيًا واقتصاديًا وعسكريًّا، وتعلم أن المقاومة حق، وأن الجهاد مستمر فهو فرض لازم، فأراضينا محتلة، والحمد لله الجهاد لم يتوقف، وها نحن نراه في صورة متألقة بجنوب لبنان، ورأيناه في فلسطين بصورة نعتز بها، سواء كان انتفاضةً أم أعمالًا استشهادية فدائية، ويجب أن يستمر الجهاد وفق قدراتنا وظروفنا، ولا ينبغي أن تنطفئ جذوته أبدًا، والأيام دول، وسنعمل إلى هدفنا لا محالة.
ما تقييمكم للتحالف العسكري الإسرائيلي- التركي الذي ترعاه أمريكا؟ وما ملاحظاتك على الموقف العربي تجاهه؟
- ينبغي أن نعلم أن جوهر المشروع الصهيوني هو استعمار واستيطان عنصري، تبنته بريطانيا، ثم ورثته الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد امتدادًا للنظرية الاستعمارية البريطانية، وقوى الطغيان في عالمنا وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا تمارس اليوم شكلًا جديدًا من أشكال الاستعمار، دخل الآن مرحلة يقرنها البعض بعصر العولمة، ونحن نؤرخ لها مع عام ١٩٩١م، حيث شهد العالم في سنوات معدودة زلزالين متعاقبين، الأول: زلزال أوروبا الشرقية، والثاني: زلزال الخليج، وتلاهما مباشرة محاولة إقامة نظام عالمي جديد بقطب واحد تفرضه أمريكا، أعلن عنه الرئيس جورج بوش، والحلف التركي الإسرائيلي يقع ضمن المخطط الأمريكي للسيطرة على العالم، وهو إحدى أدوات أمريكا لفرض النظام الشرق أوسطي بطريقتها علينا، وأمريكا في نظرتها للبعد الأمني في هذا النظام الشرق أوسطي ربطت بين الكيان الصهيوني وتركيا، وتحاول بعد ذلك أن تجد محطات له هنا وهناك في وطننا العربي، ومحاولاتها لذلك ستستمر، ولن تيأس، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن تستمر مقاومتنا.
* ما تقييمكم المسيرة التسوية السلمية؟ وهل تعتقد أن سبب توقفها مجيء نتنياهو رئيسًا للحكومة الإسرائيلية؟ أم أن الخلل كان بها منذ بدئها؟
- الخلل ليس في بنيامين نتنياهو، فهو لا يحسب له حساب، بل الخلل بنيوي في عملية السلام، وهذا الخلل هو الذي أجمع عليه العالم، وسمى عملية السلام بأنها عملية هشة، حتى أمريكا تراوحت بين الاعتراف بهشاشتها وبين التمسك بها وفرضها، وتلك العملية عندما فرضتها أمريكا حرصت على أن تجردنا من كل الأوراق التي بين أيدينا، حتى جرأت بيريز للقول «بيريز يفاوض بيريز»، فالعرب ليس لديهم أوراق، وكنت أحار فيما أعطيهم، هذا وضع انتهى الآن، وعلينا بعد الفشل الذريع الذي أصاب عملية التسوية أن نراجع انفسنا، ونأخذ مواقف جادة، والسلطة الفلسطينية مطالبة بأن تأخذ مواقف قوية وحاسمة للحفاظ على حقوقنا، وأقول لقادتها بيدنا نحن لا بيد غيرنا ألا نوقع على اتفاقات لیست معبرة عن حقوقنا، ولا تعترف لنا بحقوقنا كاملة في القدس، وأي اتفاق عكس ذلك أو ينقص منه شيئًا فهو اتفاق إملاء، وعلى شعوبنا أن تضربه وتقضي عليه والمناخ الدولي الآن مناسب لذلك.
* لوحظ في أحاديثكم الأخيرة تفاؤلًا كبيرًا بتحسن الوضع العربي، ما مبررات هذا التفاؤل؟ وهل تعتقد أن الصحوة العربية والإسلامية التي بشرت بها قادرة على مواجهة الكيان الصهيوني؟
- هناك علامات بشرى عديدة، فالمقاومة اللبنانية تقوى، والموساد يفشل، والعرب والمسلمون يتقاربون، وأعتقد أن الأمة تعيش بدايات الصحوة التي عرفتها في كتابي «الصحوة العربية في مواجهة القردة الصهيونية» بأنها حالة تجد الأمة فيها نفسها وقد وعت ذاتها، وعرفت جوانب قوتها وضعفها، وحزمت أمرها على مواجهة عدوها، واعتمدت صراع النفس الطويل، والويل لأولئك الذين يريدون أن يسلموا؛ لأنهم يشكون في الأجيال القادمة، لا... هذه هي أمة المواجهة التي خبرتها طوال تاريخها، وفي الشارقة وخلال ساعات تجاوبت الأمة مع نداء القدس، وجمعنا أكثر من ٣٠ مليون دولار، وفي عواصم عربية عديدة يخرج الشباب في انتفاضات للمطالبة بتحرير القدس، كما نرى أهل الفكر يراجعون أنفسهم، ويعلمون حقيقة العدو الأمريكي، وآخرهم الدكتور وليد خالدي الذي قضى أغلب حياته بأمريكا يبرئها من العدوان على فلسطين، ولكنه انتهي مؤخرًا إلى أن أمريكا عدو مثل إسرائيل تمامًا، والصحوة التي نعيشها هي التي أفشلت مؤتمر الدوحة، كما أفشلت عزل إيران عن العالم، وأصابت جهود أمريكا لضرب العراق مؤخرًا بالفشل، هذه سنن ينبغي أن نلاحظها، وهدفنا أن نحصل على حقوقنا كاملة، ورؤيتي المستقبلية تقول إن أمريكا سينتابها جيشان كثير لمنع هؤلاء الطغاة المتكبرين الذين يحكمونها من محاربتنا، والتسليم بحقوقنا كاملة في القدس وفلسطين، وهذا لن يتم إلا إذا عرفت الصحوة العربية والإسلامية طريقها الصحيح، وإن شاء الله ستعرفه بعد أن اهتدت إلى بدايته.