العنوان دراسة مقارنة.. الاستيطان في إسرائيل وجنوب إفريقيا
الكاتب عبد الوهاب المسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 51
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
يأخذ الاستعمار الاستيطاني شكل هجرة جماعية منظمة لكتلة سكانية من العالم الغربي لأرض خارج أوروبا، وتتم هذه الهجرة تحت الإشراف الكامل لدولة غربية لها مشروع استعماري تُسمى «الدولة الأم» أو بدعم مالي وعسكري منها، ويوجد نوعان من الاستعمار الاستيطاني:
۱- الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف لاستغلال كل من الأرض ومن عليها من البشر وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية «التي يقال لها الأبارتهايد»، وجنوب إفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار، كما يمكن القول بأن الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى لهذا النمط.
2- الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي، حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة، والولايات المتحدة في السنين الأولى للاستيطان هي أكثر الأمثلة تبلورًا على هذا النوع من الاستعمار، والدولة الصهيونية مثل آخر «وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما نجد أن الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية»، وكما تحولت الولايات المتحدة من النظام الاستيطاني الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد تحولت الدولة الصهيونية هي الأخرى بعد عام ١٩٦٧م من النظام الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد.
وهكذا يمكن القول بأنه رغم الاختلاف العميق بين إسرائيل وجنوب إفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، إلا أن التطورات التاريخية جعلت نقط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين أكثر أهمية من نقط الاختلاف بينهما، ولها مقدرة تفسيرية أعلى ولنحاول الآن أن نتناول بعض نقط الالتقاء هذه:
١- كلا الدولتين بدأ كجيب استيطاني يخدم المصالح الغربية على عدة مستويات «قاعدة إستراتيجية وعسكرية -استيعاب الفائض البشري- عمالة رخيصة- مصدر للمواد الخام».
نظير الدعم والحماية الغربيين، وليس من قبيل الصدفة أن الشخصيات الأساسية وراء إصدار وعد بلفور هي ذاتها نفس الشخصيات وراء إصدار إعلان أتحاد جنوب إفريقيا وهم «أرثر بلفور»، «ولويد جورج»، «واللورد ملتر»، «وإيان سمطس».
٢- كانت الدولة الإمبريالية الأم عادة ما تعطي لإحدى الشركات حق استغلال رقعة من الأرض ثم تتحول هذه الشركة ذاتها إلى حكومة المستوطن وقد قامت المنظمة الصهيونية «الوكالة اليهودية» بهذا الدور في حالة المشروع الصهيوني.
٣- تستمر العلاقة بين الدولة الأم والجيب الاستيطاني حتى بعد إعلان «استقلال» الدولة، إذ إن الدولة الاستيطانية ترى نفسها أنها جزء لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي.
ومع هذا لا تتسم العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية بالمودة دائمًا، فرغم ادعاء الرابطة الحضارية، إلا أن العلاقة مع الوطن الأم هي علاقة نفعية، فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فقدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فقدت وجودها «كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية بما في ذلك جنوب إفريقيا»، وعادة ما يحدث الصدام بين الوطن الأم والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح، فالوطن الأم له مصالح عالمية إمبريالية عريضة، أما الجيب الاستيطاني فمصالحة محلية ضيقة، وأحيانًا ما يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة «حرب بريطانيا مع البوير- المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية- المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر» أو مواجهة سياسية «موقف الدول الغربية من نظام الأبارتهايد- التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان حرب ١٩٦٥».
٤- يلاحظ أن الخطاب الاستعماري الاستيطاني خطاب توراتي، فالمستوطنون سواء في جنوب إفريقيا أو إسرائيل هم «عبرانيون» أو «شعب مختار»، أو «جماعة يسرائيل»، واعتذارات المستوطنين عادة اعتذارات توراتية، فالأرض التي يستولون عليها هي صهيون أرض وعد الإله بها أعضاء هذا الشعب دون غيرهم، والسكان الأصليون إن هم إلا «كنعانيون» أو «عماليق» وجودهم عرضي في هذه الأرض «أو غير موجودين أساسًا»، ولذا فمصيرهم الإبادة أو الطرد أو أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة.
٥- عادة ما ترى الجيوب الاستيطانية نفسها باعتبارها موجودة عرضًا في المكان الذي توجد فيه «إفريقيا أو العالم العربي» ولكنها في واقع الأمر ليست منه، وذلك لأنها جزء من التاريخ الأوروبي «وإن كان الصهاينة يرون أنفسهم على أنهم جزء من التاريخ اليهودي».
ومع هذا يمكن القول بأن الكتل الاستيطانية عادة كتل معادية للتاريخ، فقد جاء المستوطنون من أوروبا التي لفظتهم إلى أرض عذراء «صهيون الجديدة» لا تاريخ لها -حسب تصورهم- يمكنهم أن يبدؤوا فيها من نقطة الصفر «وإنكار تاريخ البلد الجديد مسألة أساسية من الناحية المعرفية والنفسية، لأنه لو أعترف المستوطنون بوجود تاريخ لسكانه الأصليين لفقدوا شرعية وجودهم».
٦- عادة ما يتبنى الجيب الاستيطاني رؤية قومية عضوية، إذ يرى المستوطنون أن ثمة وحدة عضوية تضمهم كلهم وتربطهم بأرضهم، هذا على مستوى الإدراك والرؤية، أما على المستوى العلمي فالأمر جد مختلف، ففي جنوب إفريقيا- على سبيل المثال- نجد أن المستوطنين هناك قد انقسموا إلى شيع وجماعات، ولكن يظل أهم الانقسامات هو الانقسام بين العنصر الهولندي والبريطاني، وفي إسرائيل نجد أيضًا انقسامات حادة بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي هاجرت إلى إسرائيل، ولكن مع هذا يظل الانقسام الأساسي هو الانقسام بين السفارد والأشكناز.
٧- يتفرع من هذا كله خطاب عنصري يؤكد التفاوت بين الكتلة الوافدة «التي ينسب لها التفوق العرقي والحضاري»، والسكان الأصليين «الذين ينسب لهم التخلف العرقي والحضاري».
٨- ويترجم هذا نفسه إلى نظرية في الحقوق فحقوق الكتلة الاستيطانية حقوق مطلقة، أما السكان الأصليون فلا حقوق لهم، وإن كان ثمة حقوق فهي عرضية «كنعانية» تجبها حقوق المستوطنين «العبرانيين».
٩- انطلاقًا من كل هذا يتحدد مفهوم المواطنة في البلدين، فالمواطن ليس من يعيش في الجيب الاستيطاني وإنما هو صاحب الحقوق المطلقة أي اليهودي في الدولة الصهيونية، والأبيض في جنوب إفريقيا، ويتضح هذا في قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح حق العودة لليهود وحسب كما يتضح في قوانين الهجرة في جنوب إفريقيا التي تمنع هجرة غير البيض، هذا يعني أن التمييز العنصري في الجيوب الاستيطانية لا يشكل انحرافًا عن القانون أو خرقًا له «كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة»، وإنما هو من صميم القانون ذاته، فمقولة «يهودي»، و«أبيض» هي مقولات قانونية تمنح صاحبها حقوقًا قانونية وسياسية ومزايا اقتصادية تنكرها على من هو غير يهودي في إسرائيل، ومن هو غير أبيض في جنوب إفريقيا.
١٠- نظرية الحقوق «والتفاوت» نفسها إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية، فعلى المستوى السياسي ينشأ نظامان سياسيان: واحد ديمقراطي حديث مقصور على المستوطنين والآخر شمولي يحكم علاقة الجماعة الاستيطانية بأصحاب الأرض الأصليين، وبينما يسمح لأعضاء الكتلة الوافدة بالتنظيم السياسي والمهني يحرم هذا على السكان الأصليين «لم تعترف حكومة المستوطنين في جنوب إفريقيا بالأحزاب السياسية الإفريقية، كما منعت الحكومة الإسرائيلية حظر إنشاء أحزاب عربية مستقلة»، ويلاحظ أنه رغم أن النظام الاستيطاني نظام غربي حديث، إلا أنه يشكل عنصرًا أساسيًا في محاولات إعاقة تحديث السكان الأصليين.
۱۱- أما في المجال الاقتصادي فنجد أن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على الأرض إما عن طريق الاستيلاء المباشر، أو عن طريق شرائها، أو عن طريق إصدار قوانين تسهل عملية الاستيلاء هذه ونقل الأرض من السكان الأصليين للمستوطنين، وهذه عملية مستمرة لا تتوقف، إذ إن الجيب الاستيطاني بسبب إحساسه بالعزلة ويسبب خوفه من المشكلة الديموغرافية يسمح المزيد من المهاجرين بالاستيطان، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأرض، مما يزيد الصراع، وقد قام المستوطنون البيض في جنوب إفريقيا بالتوسع على حساب السكان الأصليين البوشمان والهوتنتوت والبانتو، تمامًا مثلما قام المستوطنون الصهاينة بالتوسع على حساب الفلسطينيين.
ويتقاضى العمال من السكان الأصليين أجورًا أقل بكثير من التي يتقاضاها العمال الاستيطانيين، كما أن معظم العمال من السكان الأصليين عليهم الانتقال من أماكن انتقالهم إلى أماكن عملهم، مما يعني جهدًا إضافيًا شاقًا يتجشمه العامل دون مقابل، كما يقوم النظام الاستيطاني بإعاقة تطور اقتصاد محلي للسكان الأصليين أو أي شكل من أشكال التراكم الرأسمالي.
۱۲- ويلاحظ على المستوى الثقافي ظهور نظامان قوميان: القومية الأولى هي قومية أصحاب الأرض الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة في كلتا الدولتين، أما القومية الثانية فهي قومية اصطناعية، وهي قومية المستوطنين الذين لا تتوافر لهم في مجموعهم من البداية غالبية خصائص القومية الواحدة، ومع هذا يحتفل «بالقومية» الاصطناعية الواحدة وتصبح رموزها هي الرموز السائدة في الدول الاستيطانية، وفي مجال التعليم لا يتاح لأبناء السكان الأصليين فرصًا تعليمية متميزة، خشية أن يحققوا حراكًا اجتماعيًا وثقافيًا، وتظهر بينهم نخبة متعلمة تقود كفاحهم الوطني.
۱۳- تواجه الجيوب الاستيطانية مشكلة ديموغرافية دائمة، إذ إن السكان الأصليين يأخذون في التكاثر، ولذا لابد وأن يضمن الجيب الاستيطاني تدفق الهجرة من الغرب وتستصدر التشريعات المختلفة لهذا الهدف «كما أسلفنا» وتعد الهجرة قضية أمنية عسكرية.
١٤- لابد وأن يساند نظرية الحقوق هذه ومحاولة ترجمتها إلى بنية اجتماعية وسياسية قدر كبير من العنف الفكري والإرهاب الفعلي والقمع المستمر بهدف إبادة السكان أو طردهم أو استرقاقهم، وآليات الإرهاب تبدأ من عمليات المذابح المباشرة «دير ياسين، وشاريفيل» والطرد الجماعي، والعقاب الجماعي، ووضع السكان في معازل جماعية «البانتوستان في جنوب إفريقيا، المناطق العسكرية من الضفة في فلسطين المحتلة»، وفرض شبكة أمنية ضخمة، وشبكة مواصلات ومجموعة من القوانين «مثل ضرورة استصدار تصريح من السلطات» بهدف تقييد حرية انتقال السكان الأصليين من مكان لآخر، وتقليل الاحتكاك بين السكان الأصليين والمستوطنين.
١٥- رغم كل عمليات القمع هذه يظهر ما يمكن تسميته شرعية الوجود، أي إحساس المستوطنين الوافدين أن السكان الأصليين لا يزالون هناك يطالبون بحقوقهم ويحاربون من أجلها، وتأكيد هذا الوجود يعني في واقع الأمر غياب- اختفاء المستوطنين، ولذا يصر المستوطنون على أن وجودهم مهدد دائمًا، ولذا فهدف الأمن القومي في النظم الاستيطانية هو البقاء «وأهم مقومات البقاء هي القوة العسكرية والتدفق الدائم للمادة البشرية».
وهذا التوافق والإدراك المتبادل الوحدة المصير أدى إلى خلق درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل بين الدولتين في عدة مجالات، ففي المجال التجاري كانت العلاقات بين الجيبين الاستيطانيين- من القوة بحيث نجد أن جنوب إفريقيا- قبل زوال النظام العنصري- كانت شريكة إسرائيل الأولى في التجارة، ولم يكن التعاون العسكري بين الدولتين أقل قوة، فقد أرسلت الدولة الصهيونية بمتطوعين إسرائيليين ليحاربوا جنبًا إلى جنب مع قوات جنوب إفريقيا في حربها ضد قوى التحرر الوطني، وشاركت جنوب إفريقيا بدورها في إمداد إسرائيل بالسلاح في حرب إسرائيل ضد العرب وبعد التعاون في مجال صناعة الأسلحة من أهم أشكال التعاون، وكانت الدولتان تحاولان تنسيق جهودهما لتحقيق الاستقلال في مجال إنتاج المعدات العسكرية وفي مجال السلاح النووي.
ومع بداية التسعينيات كان قد تم تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم، ولم يكن متبقيًا غير إسرائيل وجنوب إفريقيا، الأولى تقبع على بوابة إفريقيا «تفصل بينها وبين آسيا»، والثانية تقبع في أطرافها، فكأنهما كان يشكلان ما يشبه الكماشة التي تطبق على إفريقيا، وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب إفريقيا لم يبق سوى إسرائيل الحفرية الأخيرة في نظام قضى وانتهى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل