; في كمبوديا.. مجاعة أم إبادة للمسلمين؟! | مجلة المجتمع

العنوان في كمبوديا.. مجاعة أم إبادة للمسلمين؟!

الكاتب سعيد الانصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

مشاهدات 92

نشر في العدد 587

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

كمبوديا، أو الأبدية في اللغة الكمبودية، تلقب بهبة نهر الميكونج، حيث المياه الوفيرة والسهول الخصبة التي تشتهر بزراعة الأرز، وبالأسماك التي يربيها المزارعون في مياه حقول الأرز. قبل عام ۱۹۷۰ كانت كمبوديا مملكة يحكمها الملك سوراميت وابنه الأمير نوردوم سيهانوك، الذي أراد أن تبقى المملكة بمعزل عن الصراع الدولي في المنطقة، بالرغم من الفساد في الدوائر الرسمية وبوذية الأمير سيهانوك التي تتضايق من المسلمين.
يبلغ عدد المسلمين في كمبوديا قرابة ٨٠٠ ألف نسمة، أي قرابة ۱۲ بالمئة من عدد سكان البلاد البالغ ٦٧٠١٠٠٠ نسمة. وأكبر تجمعاتهم في منطقة بنوم بنه العاصمة، ومقاطعة كامبونج سو، كان المسلمون يعقدون في كل سنة مؤتمرًا يضم أئمة المساجد البالغ عددها ۱۲۲ مسجدًا، ووجهاء المناطق الإسلامية، حيث يجري انتخاب الرئيس الأعلى للمسلمين، ومناقشة الأمور الدينية والحياتية للمسلمين. وانتخاب مسؤول لكل قرية إسلامية يمثل الرئيس الأعلى، ويرعى شؤون القرية الدينية.
بعد سقوط سيهانوك وقيام ديكتاتورية «لون نول» الموالي للولايات المتحدة سنة ۱۹۷۰، قاوم المسلمون زج بلادهم في حرب فيتنام، فتابع «نول» سياسة سلفة سيهانوك والسماح للخمير الحمر بالقضاء عليهم.
•التنظيمات الإسلامية 
انتظم المسلمون في تنظيمين إسلاميين في كمبوديا، «منظمة المسلمين المركزية» تحت رعاية الحاج محمد على هارون، وأهداف هذه الجمعية هي نشر الدين الإسلامي، والإشراف على النشاطات، وتنظيم الحج إلى مكة المكرمة. 
«ومنظمة الشباب المسلم الكمبودي» تحت قيادة عبد الله بن إدريس، وهدف هذه المنظمة توجيه الشباب المسلم لدراسة الإسلام وممارسته في الحياة، والدفاع عن حقوق المسلمين ضد السلطة المركزية في بنوم بنه التي تريد منذ عام ١٩٦٠ إذابتهم في المجتمع الكمبودي البوذي.
وفي محاولة لإقامة سلطة خاصة في المناطق الإسلامية ليدير المسلمون الشؤون الدينية، ويحافظوا على تراثهم ومعتقداتهم، حملوا السلاح ضد الإبادة التي يتعرضون لها تحت اسم تنظيم «فولرو» وهو اختصار للحروف الأولى من جبهة تحرير الأعراق المضطهدة. لكن ما لبث أن ظهر الخمير الحمر واستولوا على الحكم بزعامة بول بوت عام ١٩٧٥، وبعد أن سيطروا عسكريًّا على جميع أنحاء البلاد، بدأوا يحاولون نشر المبادئ الماركسية بين صفوف الشعب، لكنه لوحظ أن القوى الكمبودية المنظمة تنظيمًا جديدًا هي الطائفة الإسلامية.
•خطة سريعة لسحق المسلمين
ولنشر الشيوعية والقضاء على المسلمين، أمرت السلطة بتأسيس هيئة لبحث شؤون المسلمين الذين لا يتقبلون الشيوعية، فارتأت هذه الهيئة أن الحل هو مصادرة الأملاك الخاصة، ومعاقبة كل من يؤدي الصلاة، والتضييق على المسلمين في إقليم كامبونج سو ومنطقة بنوم بنه، وتدمير المساجد بعد إعدام رجال الدين المسلمين وخاصه عبد الله بن إدريس آخر زعيم للطائفة الإسلامية. ومن أجل تفكيك التجمعات الإسلامية عمدت السلطة الشيوعية إلى ترحيل مئات الآلاف من المسلمين من منطقة الشرق إلى الغرب، وتحويل القرى الإسلامية الكمبودية إلى دمار، وأجبرت القادرين على العمل داخل المعسكرات الشيوعية، ووضعت الأطفال والفتيات الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والرابعة عشرة في معسكرات تثقيفية، لتثقيفهم بالفكر الماركسي.
وتصف صحيفة الإسبوتو الإيطالية الحالة في المناطق الإسلامية فتقول: «قامت السلطات الخميرية بترحيل مئات الألوف من السكان من مناطق الشرق إلى الغرب، ولم تراع في ذلك الحين أية اعتبارات إنسانية، ففرقت الابن عن والده والمرأة عن زوجها، وبعد إسقاط «بول بوت» بدأ الكمبوديون بالعودة إلى قراهم الأصلية وتجميع شتات العائلات بعضها إلى بعض. ومما يزيد من صعوبة هذا الأمر أنه لم يعد في كمبوديا أي نظام إداري ينظم شؤون المواطنين، والناس فقدوا هويتهم وبطاقاتهم الشخصية، ونسِي العديد من الأطفال أسماء قراهم وأولياء أمورهم».

الأساليب المتبعة في إبادة المسلمين واحدة:
قامت عدة تحركات من قبل المسلمين لإحباط كل هذه المحاولات، ولكن غالبًا ما انتهت بإراقة دماء المسلمين في القرى الإسلامية، وخاصة في إقليم كامبونج سو. وعندما استولت قوات الخمير الاشتراكيين على السلطة بقيادة هنج سمرين المؤيد لفيتنام في مطلع عام ١٩٧٩ كان أول أهدافهم القضاء على المسلمين. وذكرت صحيفة «سايغون بوست» الفيتنامية: «في بداية هذا العام بدأت القوات الكمبودية بجهود مكثفة للقضاء على المسلمين في المناطق التي يسطر عليها الشيوعيون». 
وحوصرت المناطق الإسلامية في بنوم بنه وكامبونج سو، وقُطعت عنها المياه والمواد الغذائية بسبب تمسك هؤلاء بتقاليدهم الإسلامية وتراثهم الحضاري المميز كما أعلن أحد قادة الخمير الاشتراكيين، فانتشرت الأمراض السارية، والمجاعة التي اجتاحت سكان منطقة بنوم بنه، وأن ٦٠ إلى ٨٥ في المئة من النساء الكمبوديات المسلمات في تلك المنطقة أصبحن عقيمات نتيجة سوء التغذية والرعب، والأطفال الذين أعمارهم تحت سن الخامسة لا وجود لهم في تلك المنطقة بسبب الارتفاع الهائل في نسبة وفيات الأطفال، وفي القرى الإسلامية يهيم الناس كهياكل بشرية من المرض والجوع اللذين لم يلبثا أن عمَّا غالبية أراضي كمبوديا. وحسب مصادر اليونيسيف فإن ألفي شخص يتوفون شهريًّا جراء المرض والجوع.

•مسلم كمبودي يحكي قصته
ويروي مسلم كمبودي قصته لمراسل أجنبي فيقول: «كان عندي تسعة أولاد، بقي لي اثنان على قيد الحياة، أما الآخرون فقد قضوا جوعًا، الواحد تلو الآخر. لقد أخفيت حقيقة أمري فلم يعرف أحد أنني مسلم، ولولا هذا لما بقيت على قيد الحياة. كنت أعمل في أحد حقول الأرز، وكذلك زوجتي، وكان نصيب الواحد منا حفنةً من الأرز وقليلًا من الماء».

•الصراع على السلطة في كمبوديا:
يدور الصراع الآن على الساحة الكمبودية بين الخمير الحمر برئاسة بول بوت «رئيس الوزراء السابق الموالي للصين، والذي يحارب -كما تقول إذاعة صوت كمبوديا- الديمقراطية التابعة للخمير الحمر حتى يجلو الفيتناميون الدخلاء من كمبوديا...» وبين الخميريين الاشتراكيين برئاسة هنغ سمرين رئيس الوزراء الحالي المدعوم من قبل فيتنام، حتى تتحقق أهداف الشعب الكمبودي في العيش الحر الكريم. ثم جبهة من أجل تحرير كمبوديا كما جاء في تصريحه بتاريخ ۲۳- ۱۰- ۱۹۷۹ إلى صحيفة يابانية.
 
•متفقون على شيء واحد: إبادة المسلمين!
جميع هذه التنظيمات شيوعية تتقاتل في سبيل الوصول إلى السلطة، وتتفق في شيء واحد هو القضاء على المسلمين رغم المجاعة والإبادة التي تعرض لها المسلمون، والتي وصفها أحد اللاجئين المسلمين الذين هربوا من الحكم الشيوعي إلى تايلند بقوله: إن الإسلام لم يعد قائمًا في كمبوديا وأن الأقلية الاسلامية في كمبوديا قد اختفت تمامًا، ومع ذلك فإن مسلمي كمبوديا الذين بقوا على قيد الحياة يأملون أن تمتد إليهم يد المساعدة.
•كمبوديا في ساحة التنافس الدولي:
إن قضية كمبوديا تعرض في المحافل الدولية وخاصة في الدورة الأخيرة للأمم المتحدة من زاوية من يمثل كمبوديا: جمهورية كمبوديا الشعبية، أو نظام بول بوت والخمير الحمر، والاتحاد السوفياتي يقف بكل دقة وراء كمبوديا الشعبية المرتبطة بفيتنام، وتقف الصين بكل قوتها مع الولايات المتحدة وراء الخمير الحمر المرتبطين بيكين. وبكين استبعدت أي حل سياسي بشأن تسوية المسألة الكمبودية كما قالت وكالة الصين الجديدة، وأضافت أن كفاح الخمير الحمر ضد فيتنام له ما يبرره. وأعلن وزير الخارجية الصينية في أثناء زيارة رئيس وزراء الصين «هواكو فنغ» إلى فرنسا في مؤتمر صحفي في باريس، أن البحث عن حل سياسي لكمبوديا لا يشكل في الظروف الراهنة مبادرة واقعة، ويجب البدء بإيجاد الظروف الضرورية غير المتوفرة.

•المسلمون في أتون الصراعات
صراع النفوذ بين الحركات الشيوعية، وبالتالي الصراع الأمريكي- السوفيتي في كمبوديا انعكس بصورة مباشرة على المسلمين الذين يقفون الآن ضد الغزو الفيتنامي على الرغم من المذابح التي تعرضوا لها على أيدي الخمير الحمر. 
«وهدفنا الرئيسي ينصب الآن على إقامة سلطة خاصة فوق أرضنا لنتدبر شؤوننا الدينية، ونحافظ على تراثنا ومعتقداتنا بحرية...». بذلك صرح أحد القادة المسلمين الكمبوديين إلى صحيفة فرنسية. ويحاول المسلمون الذين بقوا على قيد الحياة في كمبوديا التنسيق مع مسلمي تايلند، ويحاولون الاتصال بالثوار المسلمين في الفيليبين لاستقدام بعض المساعدات والمواد الطبية.
يشرف على الإغاثة في كمبوديا «جمعية أطباء بلا حدود» الفرنسية التي تصف الحالة في كمبوديا نتيجة الحرب بين الأحزاب الشيوعية المتنازعة في البلاد: «إن من ضمن النصف المتبقي من سكان كمبوديا هناك نسبة تبلغ الربع لم يعد لها أمل في النجاة من الموت، والمطلوب الآن محاولة إنقاذ ثلاثة أرباع النصف المتبقي من الشعب الكمبودي قبل فوات الأوان». ويعاون جمعية «أطباء بلا حدود» الفرنسية في أعمال الإغاثة: اللجنة الفرنسية للمساعدة الطبية لصحة الشعب الكمبودي، واللجنة الكاثوليكية لمكافحة الجوع، والتعاون البروتستانتي السويسري، ومنظمة تروكسير الإيرلندية. وقد قال أحد المسلمين الكمبوديين الذين استطاعوا الخروج من البلاد «لمندوب الأمان» مصورًا وضع المسلمين في كمبوديا: «إن المسلمين في كمبوديا يعانون أشد العناء، وقد كتب الله لنا أن نخرج من وطننا العزيز هربًا بديننا وبأنفسنا ضمن المهاجرين الكمبوديين الذين يعيشون اليوم لاجئين في كل أنحاء العالم، وخصوصًا في ماليزيا أو في مخيمات اللاجئين في تايلند في ظل المجاعة والحرب الأهلية». تجري إبادة المسلمين وتشريدهم، ورغم ذلك قال أحد المسلمين: «رغم العناء والبؤس، فإن أملنا في الله تعالى وفي نصرته وتخفيفه للشقاء الذي يعيشه المسلمون في كمبوديا قوي وكبير». 
فهل يجد هؤلاء المسلمون من يمد لهم يد العون والإنقاذ؟

الرابط المختصر :