; الزينة في الشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الزينة في الشريعة الإسلامية

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979

مشاهدات 80

نشر في العدد 445

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-مايو-1979

العالِم بالشريعة الإسلامية يعلم مقدار رحمة الله بعباده؛ إذ أحل لهم كل ما فيه خيرهم، ونهاهم عن كل ما فيه ضرر وشر لهم.

ومما أباحه لهم الزينة، والزينة في اللغة ما يتزين به، والزين ضد الشين، وقد أنكر الله على الذين يتجاوزون حدهم ويحرمون ما أحل الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ الَّتِيْ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(الأعراف: 32)

وفي الوقت نفسه حرم الله أمورًا يعدها الناس من الزينة وهي ليست كذلك، وهذه الأمور التي حرمها الله تعالى تعتبر ضوابط كي لا يصير الناس إلى الفوضى في مجال الزينة.

والذي يعرف عادات الأمــم والشعوب في الأمور التي يتزين بها يدرك مدى الفوضى التي يقع فيها الناس، فقد وصل الحال ببعض الناس الى أن يغيروا معالم أجسادهم تزينًا وتجملًا، مما يعده أصحاب الفطر السليمة من أشد الأمور قبحًا.

وقد كان من دين العرب الطواف بالبيت وهم عراة إذا لم يجد الطائف من يعيره من أهل مكة ثوبًا يطوف به، فنهاهم الله عن هذه الفعلة الجاهلية وأمر المؤمنين بأن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.

  • اتباع أهواء الناس وأعرافهم :

فالواجب على الباحث في هذا ألا يطوِّع الدين لأهواء البشر، ومطالب أهل العصر، بل الواجب أن يوضح الحق ويبينه، رضي الناس أم أبوا؛ ذلك لأن الله هو الحق وقوله الحق، والحق أحق أن يتبع، وعلى الناس أن يرضوا بالله حكمًا، وبقوله دينًا.

  • من الزينة المحرمة تغيير خلق الله:

سأكتفي هنا بالإشارة إلى شيء واحد حرم الله على عباده التزين به وهو تغيير خلق الله، قال تعالى حاكيًا قول الشيطان لرب العزة :

﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا۞وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا(النساء: 119،118).

وأنا لا أريد هنا أن أوضح المحرمات التي تدخل تحت قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ(النساء: 119)، وإنما أحب أن أبين الزينة التي هي تغيير لخلق الله تعالى دون سواها مما هو تغيير وليس بزينة.

  • وصل الشعر والوشم والتنمص والتفلج

من الزينة التي تدخل في تغيير خلق الله تعالى وصل الشعر والوشم والتنمص والتفلج، وقد جاءت النصوص النبوية مبينة أن هذه من الأمور المحرمة، وقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة التي تفعل هذا بجسدها، وإن فعله غيرها بها فهي ملعونة أيضًا، وعلل ذلك بأنه تغییر لخلق الله تعالى. 

وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، نسوق منها ما ذكره صدیق حسن خان في كتابه[1]:

1- عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنها- أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله.. إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمزق شعرها، وإني زوجتها، أفأصل فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلة والمستوصلة».

وفي رواية قالت أسماء: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة». رواه البخاري ومسلم وابن ماجه.

2- وعن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة». رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

3- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، فقالت امرأة في ذلك، فقال: «وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟» قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. من الأسوة ٢-٣٦٨.

4- عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حجٍّ خطب على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسه «الحرس: واحد الحرس، وهم خدم الخليفة المرتبون لحفظه وحراسته»، فقال: «يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم». رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

وفي رواية للبخاري ومسلم عن ابن المسيب قال: «قدم معاوية المدينة فخطب وأخرج كُبَّة من شعر. فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه ذلك فسماه الزور».

وفي أخرى لهما: أن معاوية قال ذات يوم: «إنكم أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور».

قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق.

تعريف هذه المحرمات

الواصلة: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى لتكثر به شعر المرأة.

المستوصلة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، ويقال لها الموصولة كما في رواية.

النامصة: هي المزيلة للشعر من نفسها أو غيرها، وذلك بنتف الحاجب وترقيقه. وقد قصر أبو داود ذلك على ترقيق الحاجب، أما الخطابي فقد جعل النمص هو نتف الشعر عن الوجه.

المتنمصة: هي المعمول بها ذلك بناء على طلبها.

الواشمة: فاعلة الوشم، ويكون الوشم بغرز اليد أو الوجه أو أي جزء من الجسد بالإبر، ثم تحشو ذلك المكان بكحل أو مداد فيخضر، وقد يجعل على أشكال الحيوانات أو النباتات والأشجار.

المستوشمة: هي المعمول بها ذلك.

المتفلجات: جمع متفلجة، وهي التي تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات، مأخوذ من الفلج بفتح الفاء واللام وهو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهارًا للصغر وحسن الأسنان، لأن هذه الفرجة بين الأسنان تكون للنساء الصغيرات في السن، فإذا عجزت المرأة أو كبرت سنها، فتبرد بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المظهر وتوهم أنها صغيرة.

تحريم هذه الأمور:

هذه الأمور الأربعة من الزينة المحرمة.

دلالة النصوص على التحريم:

  1. اللعن: لعن الرسول صلى الله عليه وسلم

تصحيح النص بدون تغيير المضمون:

النساء اللواتي يقمن بهذا العمل، كما لعن النساء اللواتي يطلبن أن يفعل بهن ذلك، واللعن من أقوى الأدلة على التحريم.

يقول القرطبي في تفسيره (5/293): «هذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر». ويقول الصفاني في سبل السلام (1/142): «الأحاديث قاضية بالتحريم مطلقًا لوصل الشعر واستيصاله، كما هي قاضية بتحريم الوشم وسؤاله، ودل اللعن أن هذه المعاصي من الكبائر».

ويقول ابن حجر العسقلاني في «الفتح» (10/377): «وفي هذه الأحاديث حجة لمن قال يحرم الوصل في الشعر والوشم والنمص على الفاعل والمفعول به، وهي حجة على من حمل النهي على التنزيه، لأن دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة».

هل هذه الأمور من الكبائر؟

وأحب أن ألفت نظر القارئ الكريم أن هؤلاء العلماء الأجلاء عدوا فعل هذه الأمور من الكبائر بدلالة اللعن من الرسول صلى الله عليه وسلم لفاعلها، ذلك أن أصح التعريفات للكبيرة: بأنها ما كان عليه حد أو عقوبة في الدنيا، أو توعد فاعله بغضب أو لعنة أو نار، وهذه الذنوب من الأمور التي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلها.

٢- تعليل التحريم بأنه تغيير لخلق الله:

ورد في حديث ابن مسعود أن مرتكبات هذه الأمور مغيرات لخلق الله، وهذه هي العلة الرئيسية في هذا الموضوع، والتغيير لخلق الله كائن سواء أرضي الزوج أم لم يرض، يقول الصنعاني في السبيل (1/142): «وقد علل الوشم في بعض الأحاديث بأنه تغيير لخلق الله».

ويقول ابن حجر: فورد النهي عن ذلك لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية.[2] 

ويقول القرطبي: «واختلف في المعنى الذي نُهي لأجلها فقيل إنها من باب التدليس، وقيل هو من باب تغيير خلق الله تعالى، كما قال ابن مسعود، وهو أصح وهو يتضمن المعنى الأول»[3].

ويقول الطبري في هذه الأمور :«في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة ولا نقصان التماس الحسن لزوج أو غيره»، ومثل ذلك قال القاضي عياض.[4] 

نعم في الأمر تزوير وهذه علة أخرى تدخل في العلة الأولى كما يقول القرطبي وتزيدها قوة، بل قد نص عليها في حديث معاوية، إذ سماها في حديث معاوية «الزور»، ويقول العلامة الخطابي في هذا: «إنما ورد الوعيد الشديد لما فيها من الغش والخداع ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله «المغيرات خلق الله».[5]

  • رضا الزوج لا يرفع التحريم :

هب الزوج رضي بأن تفعل زوجته هذه الأمور فهل لهذا من تأثير؟

الجواب: لا.. ليس له تأثير؛ لأن من فعلته فقد دخلت في اللعنة، ولأن من فعلته فقد غيرت خلق الله، ولأن الغش والخداع في هذا وغيره باطل وزور، وقد نص الشوكاني وابن حجر وغيرهما على أن رضا الزوج أو عدم رضاه لا يبيح هذه الأمور.

  • العلة لا تلغي التحريم :

معرفة العلة لا تكون سبيلًا لإبطال العمل بالنص، بل لا يجوز الاجتهاد هنا في الأمور المنصوص عليها، وفي ذلك يقول العلماء: لا اجتهاد مع النص، ومعرفة العلة يُحتاج إليها لمعرفة حكم ما لم ينص على حكمه لإلحاقه بما نص على حكمه، أما إبطال النصوص بعلة النص فهو منهج غیر سدید.

3-مثل هذه الذنوب كان سببًا في هلاك الأمم :

في حديث معاوية أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن بني اسرائيل عندما فعلت ذلك هلكت، يقول الشوكاني[6]:« هذا تهدید شدید، لأن كون مثل هذا الذنب كان سببًا لهلاك مثل تلك الأمة يدل على أنه من أشد الذنوب».

  • القائلون بالتحريم :

لقد قال بالتحريم كما رأينا أكابر علماء هذه الأمة الذين يُقتدى ويتأسى بهم، إمام المفسرين أبو جعفر الطبري وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، وصاحب التفسير الذي قل نظيره القرطبي، وقال به علماء بارزون لهم باع طويل في الفقه والأصول كالخطابي والشوكاني و الصنعاني والقاضي عياض وغيرهم، وممن قال بذلك علاوة على من تقدم النووي الفقيه الشافعي[7] وممن نص على هذا من المعاصرين من المفكرين البارزين أبو الأعلى المودودي في تفسير سور النور ص (١٧٥)، والمحدث ذائع الصيت الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه آداب الزفاف.

  • موقف المسلم من هذه الأمور :

لا مناص للمسلمة العاملة بدينها من أن تلتزم بما ألزمتها به الشريعة الإسلامية عملًا وتركًا، وبذلك تزكي نفسها وتطهرها، وعلى المسلم أن يرعى زوجه وأهل بيته كي يخلصهم من هذه الموبقات التي تدخل فاعلها في اللعنة، فإن كانت المسلمة متبعة لهواها في هذا الأمر، وإن كان صاحب المنزل لا يستطيع أن يردع أهله عن فعل هذه الأمور أو بعضها لضعف في نفسه، فعلى هؤلاء أن يعترفوا بالذنب على الأقل، ولا يحاولوا التمحك في تأويلات فاسدة يعللون بها مسلكهم، ويسوغون بها خطأهم، وعلى الدعاة للإسلام ألّا يبرروا للناس أخطاءهم؛ فالحق أحق أن يتبع، ولن ينفعنا مجاملة الذين يرموننا بالتأخر والجمود، فإنهم لن يرضوا منا إلّا بالانسلاخ عن ديننا، ونحن لا نرضى بأن نترك حكم ربنا كي نوافق أهواء البشر.. معاذ الله.

  • خلافات جزئية

يرى بعض العلماء كالطبري رحمه الله[8] أنه لا يجوز للمرأة تغيير أي شيء في جسدها حتى لو ظهر لها لحية أو عضو زائد أو أسنان بارزة، ويرى آخرون أن أخذ المرأة الشعر غير الطبيعي من وجهها بالذات ليس فيه مخالفة للنصوص؛ لأن هذا أمر غير طبيعي، ولكنهم يتفقون على تحريم أخذ الشعر الخفيف من الوجه وكذلك ترقيق الحاجب ونتفه محرم لا شك في ذلك، وقد يقال في الأسنان البارزة التي تؤلم صاحبها بأنه يجوز لها أن تزيلها، ودليلهم أن اللعن منصب على من فعل ذلك للحسن أما مداواة و علاجًا فلا بأس في ذلك، وهذا منهج واضح لمن تأمل فيه.

  • الحلق كالنتف

قد يقال إذا كان النتف حرامًا أفيجوز الحلق؟ وهنا يقال إن العلة واحدة سواء كانت نتفًا أم حلقًا، بل العلة متحققة في الحلق في صورة أوضح، ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نص على النمص دون سواه لأنها الطريقة التي تفعلها المرأة.

  • الرجل داخل في النهي :

إنما نص الرسول صلى الله عليه وسلم على النساء لأنهن اللواتي كن يفعلن ذلك، فلو فعله الرجال لكان هذا أبشع، والنهي عنه يكون من باب أولى.

﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1639

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1443

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1