; وتاجره يعلو على كل تاجر | مجلة المجتمع

العنوان وتاجره يعلو على كل تاجر

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

رغم قناعتنا بأهمية الرد على الاتهامات التي توجه ضد الدعوة والدعاة ودحض الشبهات التي تثار حولهم، وأن هذا هو الأصل في مواجهة الاتهامات، إلا أن ذلك لا يعني أن ننجرف وراء الردود، فيكون ذلك شغلنا الشاغل، وهل يريد المتربصون إلا أن يصلوا بنا إلى هذا الأمر؟

لذا نقول: إذا لم تكن الانتقادات والتهم مؤثرة على الدعوة أو الدعاة، أو إذا كان الرد يجر إلى منكر أشد أو كان يؤدي إلى مراء مذموم، أو كان يشغل «بوضوح» عن أهداف الدعوة الرئيسة وأعمال الدعاة المهمة، أو لم يكن منطلقًا على أساس من تقوى الله وطلب الحق، فإن السكوت هنا أولى وأجدى.

يقول الشافعي: 

وجدت سكوني متجرًا فلزمته                      إذا لم أجد ربحًا فلست بخاسر 

وما الصمت إلا في الرجال متاجر                  وتاجره يعلو على كل تاجر

حكي أن رجلًا من عامة الناس شتم الأحنف بن قيس مع عظم قدره، فلم يرد عليه، ومشى في طريقه، فمشى الرجل وراءه وهو يزيد في شتمه، فلما قرب الأحنف من قبيلته، وقف وقال للرجل: إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا يسمعك أحد في الحي فيؤذيك.

وشتم رجل أبا حنيفة وهو في درسه وأكثر، فما التفت إليه، ولا قطع كلامه، ونهى أصحابه عن مخاطبته، فلما فرغ وقام، تبعه الرجل إلى باب داره، فقام على بابه وقال للرجل: هذه داري، إن كان بقي معك شيء فأتمه؛ حتى لا يبقى في نفسك شيء، فاستحيا الرجل وانصرف مخذولًا.

يخاطبني السفيه بكل قبح                            فأكره أن أكون له مجيبًا

يزيد سفاهة فأزيد حلمًا                                كعود زاده الإحراق طيبا

***

إذا نطق السفيه فلا تجبه                             فخير من إجابته السكوت 

فإن كلمته فرجت عنه                                   وان خليته كمدًا يموت

يقول صاحب «العوائق»: «ولقد أسرف بعضهم في الابتعاد عن هذه النظرة- أي قبول أحسن ما عملنا، والتجاوز عن سيئاتنا- فأحصى ما يظنه من أخطائنا مما صدر عن آحاد الدعاة حاولوا الاجتهاد، فبعض أصاب وبعض أخطأ، ولو أردنا الاستقصاء في الرد على الشبهات التي يوردها المحصون، لوقعنا في المتاهة النفسية التي تراد لنا، ويكون ثمة انشغال عن وجوه النفع التي نحن ماضون في جلبها وتحصيلها كل يوم. 

ولسنا نضيق بنقد يوجه لنا، ولا ندعي أن الله قد حكر لنا الصواب، لكننا ننكر الخلفية المتوترة لمثل هذا النقد الشبيهة بالفتنة.

والأساس في ردنا لكل ملاحظة وجهت وتوجه لنا أن الناقدين يغفلون مناقبنا وجمالنا وحسننا، ويجردون الأخطاء تجريدًا عما صاحبها من الإصابة، وقارنها من البذل». 

تحاور داعية يعمل مدرسًا مع زميل له شيوعي يهاجم حجاب المرأة بشدة، ويثير حوله العديد من الشبهات، ولما أحس الداعية أن التباين في وجهات النظر أبعد من قضية الحجاب؛ لأنه خلاف في الأسس والمنطلقات، رأى قفل المناقشة بطريقة حكيمة.

قال له الداعية: أنت مدرس رياضيات، فأرجو أن تجيبني عن السؤال التالي: هل يمكن دراسة معادلة من الدرجة الثالثة، أو حل مسألة رياضية معقدة دون الاتفاق على الأساسيات الأولى في الرياضيات؟ قال له: بالطبع لا.

قال الداعية: كذلك حالنا مع الإسلام، لا يمكن أن نناقش قضية الحجاب في الإسلام إلا إذا اتفقنا على الأساسيات الأولى، وهي الإقرار أن الله موجود، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق أمين، وأنه بعث إلينا بالإسلام، وكتابه القرآن، فإذا أقررت معي بذلك كله، كان بوسعي أن أناقش معك بقية الأمور، ومنها الحجاب.

إن للرد على الشبهات هدفًا، كما أن للسكوت هدفًا، وهدف الرد أو السكوت هو تبیان الحق وإظهاره، ودحض الشبهات وطمس آثارها، ولذلك ينبغي للمصلحين أن ينظروا في أي الأمرين- الرد أو السكوت- يحقق لهم هذه الأهداف، وعندها يقررون ما يرونه مناسبًا لهم ولدينهم ولدعوتهم. 

وصدق الإمام الشافعي حينما قال: 

قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم               إن الجواب لباب الشر مفتاح

والصمت عن جاهل أو أحمق شرف                 وفيه أيضًا لصون العرض إصلاح

أما ترى الأسد تُخشَى وهي صامتة                 والكلب يخسى لعمري وهو نباح.

الرابط المختصر :