العنوان (عظماء منسيون) رائد الدعوة في اليمن.. عبده المخلافي (2-2) قوة في الحق
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013
مشاهدات 80
نشر في العدد 2040
نشر في الصفحة 46
السبت 16-فبراير-2013
في العدد الماضي، تحدثت عن رحلة حياة الأستاذ عبده المخلافي القصيرة، وبعض جلائل الأعمال التي عملها، وقد فاجأه الموت في حادث أليم حدث له في الطريق بين صنعاء وتعز.
وقد تحدث بعض الناس في ذلك الحادث ورأوا أنه قد كان مديرا للتخلص من الأستاذ عبده المخلافي وقدموا بعض الدلائل على هذا والله أعلم بما قد كان من ذلك، وما حصل هنالك، ولقي وجه ربه وهو لم يناهز الثالثة والثلاثين بعد! محققا كل الأعمال التي ذكرتها في الحلقة السابقة، وهذا يدل على أن الرجال العظماء ذوي الهمم العالية ينجزون في حياتهم أحسن الإنجاز وأعظمه، فإذا اقترن بتوفيق الله تعالى ومنه وفضله فلا تسأل حينذاك عن عظم النتائج وجلال الأعمال، وقد توفي يرحمه الله تعالى - سنة ١٣٨٩هـ ١٩٦٩م، وقد كان يوم حزن عم اليمن وبكاه الصالحون والدعاة والعاملون وحزنوا عليه حزناً عظيماً، يرحمه الله تعالى، وأعلنت الإذاعة الرسمية في صنعاء الخبر، وأعلن الحداد الرسمي في البلاد، وشيعه العلماء ورئيس المجلس الوطني، وأعضاؤه، وأعضاء مجلس الوزراء والأعيان والمشايخ من كل أنحاء اليمن، وصلي عليه في كل المساجد الكبيرة في اليمن صلاة الغائب وخلف ابنتين خديجة وسمية.
وأقام أعداء المشروع الإسلامي الأفراح والليالي الملاح لما وصلهم خبر وفاته، وذبحوا الذبائح فرحاً وسكروا وعربدوا طرياً، لكن فاتهم أن المخلافي لم يمت إلا وقد ترك وراءه إخوانه الذين أغاظوا العلمانيين واليساريين وأعداء المشروع الإسلامي طويلاً، وذلك إلى يوم الناس هذا ولله الحمد والمنة.
شخصيته
(1) قوته في الحق:
كان الأستاذ عبده - يرحمه الله تعالى - قوي الشخصية لا تؤثر فيه مؤامرات الأعداء وكيدهم، فقد حاربوه بوسائل عديدة، منها:
أ. الإشاعات التي كان لها سوق رائجة في اليمن آنذاك، وقد كانت إشاعات سخيفة، يعرف الناس كذبها وتهافتها.
ب. التهديد بالقتل.
ج. محاولات القتل، وقد تكررت عدة مرات لكن الله تعالى حماه بفضله.
د. السجن، وقد سجن في مصر عشرين ليلة في القلعة في القاهرة في زنزانة فردية، وسجن في. صنعاء بتحريض من المخابرات المصرية فظل ثلاثة أشهر في السجن في زنزانة انفرادية.
هـ. محاولة إخراجه من البلد بأن عرضوا عليه أن يكون سفيرا لليمن في إثيوبيا، لكنه رفض هذا العرض.
وكل هذه المحاولات لم تفت في عضده - يرحمه الله تعالى – ولم تجعله يتراجع عن دعوته، وغيره يتوقف عن الدعوة بأقل من هذا بكثير.
(2) زهده:
كان الأستاذ عبده - يرحمه الله تعالى - زاهدا في الدنيا غير متعلق بشيء منها، طعامه وشرابه ولباسه – على متخففًا في نظافة فيه - فكان ينفق أكثر المنحة التي كانت تصرف له في القاهرة على مواساة إخوانه وإعانة المحتاجين منهم، وفي اليمن كان له راتب كبير - نسبيا - يتقاضاه من إدارته للتربية والتعليم في تعز، فكان ينفقه في أوجه الخير والإحسان إلا قليلاً منه وتوفي ولم يخلف شيئاً من حطام الدنيا الفاني، يرحمه الله تعالى.
شجاعته وجرأته:
كان الأستاذ عبده المخلافي جريئاً شجاعاً مقداماً، وكان هذا معروفاً عنه وللتدليل على ذلك أذكر التالي:
(1) في مصر: جمع المسؤولون عن مدينة البعوث التابعة للأزهر الطلاب اليمنيين، ولما شاع عنهم أن فيهم إسلاميين متأثرين بفكر الإخوان المسلمين، وأنهم يجمعون الطلاب على الفكر الإسلامي، وجاء من حذرهم وهددهم، فخرج الطلاب وهم ممتلئون غضباً فحصلت مواجهة بينهم وجروح فجمعهم المصريون مرة أخرى واعتذروا لهم، فقام الأستاذ عبده الذي كان في العشرينيات من عمره القصير، وخاطب المسؤول المصري قائلا له: أنا أحملك كل نقطة دم سالت لأنك عالجت الموقف بأسلوب المخابرات وليس بأسلوب القائد الحكيم، فاعتذر له المسؤول المصري.
(2) في اليمن: كان يخطب في مسجد المظفر بتعز، وفي خطبة من خطبه الليلية في المسجد والناس مصفون له انطلقت رصاصة من بندقية تشيكية لها صوت مدو، واضطرب الناس ولاذ بعضهم بالفرار، لكن الأستاذ عبده - يرحمه الله تعالى - أكمل خطبته وكأن شيئاً لم يكن، ولم يتوقف في حديثه، ولم يشر للحادثة بعد ذلك.
ومن أعظم الدلائل على شجاعته وإقدامه أنه وقف شامخاً أمام كل المؤامرات التي حيكت ضده والدسائس والتهديدات ومحاولات القتل، وكان كل ذلك وهو في أواخر العشرينيات من عمره إلى ما قبل الثالثة والثلاثين، وهي سنه حين وفاته يرحمه الله تعالى.
وكان كثيراً ما يتمثل ببيت من الشعر:
أنا إن رضيت فكالماء صفاء *** وإن غضبت فكالنار اشتعالاً
وشخصية الأستاذ عبده تجمع عدة صفات جليلة فهو جريء مقدام، وخطيب مصقع، يحب الوضوح، ويكره النفاق والرياء والتمتمة، ومحب للنظام، ومتواضع، وله أثر بالغ على من معه حتى لقب بـــ «البنا الثاني» و«الزبيري الصغير».
ويتميز الأستاذ عبده بالصبر والثبات، والهمة العالية والذكاء والفطنة صاحب ثقافة واسعة واطلاع، حسن، وكل هذه الصفات جعلت منه قائداً متميزا له آثار كبيرة في اليمن، على صغر سنه.
عمله في صياغة الدستور اليمني
عين الأستاذ - يرحمه الله تعالى - عضوا في «المجلس الوطني»، سنة ١٣٨٨هـ ١٩٦٨م، وذلك لكتابة الدستور، فاستقال من إدارة التربية والتعليم في تعز، وخلفه عليها الأستاذ ياسين عبد العزيز القباطي وفي بداية الجلسة تكلم الأستاذ عبده وبين للمجتمعين أهمية المجلس والمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه، وعين عضوا في لجنة الشريعة والقوانين والشؤون الدستورية ورئيساً لعدة لجان أخرى، وجاهد الأستاذ عبده - يرحمه الله تعالى - ليقر المجتمعون مادة في الدستور تنص على أن «الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا».
من أقواله
للأستاذ عبده المخلافي - يرحمه الله تعالى - أقوال جليلة منها: «إننا لا نعادي أشخاصاً، ولا نعادي جهات، ولا نعادي حكومات، وإنما نعادي الألوهية لغير الله تعالى ونعادي التقديس لغير الله سبحانه... لسنا ضد أشخاص، ولا ضد ثقافة معينة، إنما نحن ضد انحراف في الفكر، ضد انحراف في الرأي، ضد انحراف في العقل ضد انحراف في المفاهيم، ضد انحراف في فهم واقعنا وحياتنا التي نعيشها على أساس من الإسلام والتي قالت عنها ثورتنا في أول يوم من أيامها: إن من أهدافها الأولى العودة إلى شريعة الإسلام الحقة».
وقال أيضا:
«هل نحن بحاجة إلى القرآن؟
بالقرآن ساد المسلمون
بالقرآن توحد العرب وأصبحوا هداة مصلحين.
بالقرآن بنيت حضارة الخير والفضيلة والأخوة الإنسانية.
بالقرآن انتشر العلم وساد العدل والسلام.
ونحن اليوم أشد ما نكون حاجة إلى الأخوة الصادقة لنستعيد سيادتنا المفقودة ونحمل إلى البشرية رسالتنا الهادية، ولن يتم ذلك إلا يوم نتخذ من كتاب الله تعالى منهجا لحياتنا، ومشعلا يضيء طريقنا، وإذن نحن بحاجة إلى القرآن».
وهكذا عاش الأستاذ في هذه الدنيا أقل من ثلث قرن، كان له فيها من الآثار ما يعجز عنه جماعة من الرجال ومرّ في هذه الدار كما يمر الحلم الجميل الجليل في ذهن الإنسان، فيظل يتذكره على مرور الأعوام على أنه مكث بضع دقائق أو ربما عدة ثوان يرحمه الله تعالى، وتقبله في الصالحين.
من صفاته: جريء مقدام.. خطيب مَصقع.. يحب الوضوح والنظام والتواضع.. ويكره النفاق والرياء.. وله أثر بالغ على من معه حتى لُقب بــــ «البنا الثاني».
عُين عضوًا في «المجلس الوطني لكتابة الدستور» عام 1968م وجاهد ليقر المجتمعون مادة نصها: «الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا».
من أقواله: إننا لا نعادي أشخاصًا ولا جهات ولا حكومات.. وإنما نعادي الألوهية لغير الله تعالى والتقديس لغيره سبحانه.
(*) داعية سعودي – المشرف على موقع التاريخ