العنوان دور الدين في التربية (الجزء الأول)
الكاتب الأستاذ محمد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1977
مشاهدات 79
نشر في العدد 363
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-أغسطس-1977
حين نتحدث عن التربية الدينية، يتبادر إلى أذهاننا على التو درس الدين، وإذا ذهب خيالنا أبعد من ذلك، فقد نفكر في موعظة أو حديث ديني، بالإضافة إلى الدرس الرسمي، ثم لا يتعدى تفكيرنا ذلك على الإطلاق. ومن أجل ذلك فإننا في الحقيقة لا نقوم بالتربية في مدارسنا، وبصفة خاصة التربية الإسلامية.
وسواء كانت مدارسنا -في معظم أرجاء العالم الإسلامي- عازفة عن التربية الإسلامية عن قصد، أو كانت راغبة فيها ولكنها تجهل الطريق، فإن النتيجة النهائية واحدة في الحالتين، وهي إننا لا نقوم في الواقع بتربية أبنائنا تربية إسلامية حقيقية، ولا تتأثر مناهجنا بالروح الإسلامية إلا في القليل.
وينبغي أن ندرك بادئ ذي بدء أن درس الدين وحده -في حياتنا المعاصرة على الأخص- لا يمكن أن يفي بالمطلوب، وأن الموعظة أو الحديث الديني إذا زادت عن حدها، تحدث تأثيرًا عكسيًا بدلًا من التحبيب في الدين.
وينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونقر بالحقيقة الواقعة: أن الدين يعاني عزلة في حياتنا وفي وجداننا، لأننا لا نمارسه في واقع الحياة، فنحن - في معظم بلدان العالم الإسلامي- لا نحكم شريعة الله، ولا تسير حياتنا في جملتها حسب المنهج الرباني الذي يشمل العقيدة والشريعة والعبادة والعمل، الدنيا والآخرة في نظام.
ومن ثم فإن تصوراتنا، ومشاعرنا وأفكارنا، وأخلاقياتنا وأنماط سلوكنا لا يستمد من الإسلام إلا أقلها، بينما الكثرة الغالبة منها مجلوبة من هنا ومن هناك من فجاج الأرض التي لا تؤمن بالإسلام، والدين في حسنا وفي مفهومنا قد انحسر من شموله المتكامل الذي عرفته الأجيال الأولى من المسلمين، حتى أصبح شيئًا شديد الشبه بالمفهوم الغربي الكنسي للدين، علاقته بين العبد والرب محلها القلب، ولا شأن لها بواقع الحياة.
هذه الحقيقة التي ينبغي أن نصارح بها أنفسنا -إن كنا جادين في تناول موضوعنا- تلقي ظلها على حياتنا بأكملها، وتتصل من قريب بمناهج التربية والتعليم.
فحين كان المجتمع يمارس الإسلام بالفعل، أي أن شريعته هي المحكمة ونظامه هو المطبق، وأخلاقه هي السائدة، وأنماط سلوكه هي السارية في المجتمع، ونظمه وتنظيماته هي التي تحكم حياة الناس، فقد كانت التربية الإسلامية هي الأصل في ذلك المجتمع، يقوم بأدائها البيت والشارع، والمسجد والمدرسة، وكل وسيلة من وسائل التوجيه، وكان مستساغًا حينئذ أن يكون هناك درس رسمي للدين، يختصر بإعطاء المعلومات التي ينبغي أن يعرفها المسلم عن دينه، في العبادات والمعاملات، والأحكام والفرائض... إلخ، سواء كان ذلك في المدرسة أو المسجد، ولا يقوم -بالتربية- أساسًا، لأن التربية تتولاها الجهات نفسها- وغيرها معها، وبخاصة الأسرة والبيت في أوقات أخرى متصلة غير وقت ذلك الدرس.
إن تحكيم شريعة الله لون من التربية يتربى به المجتمع كله، صغيره وكبيره، وإقامة الصلوات في أوقاتها لون من التربية، وممارسة السلوك الإسلامي في نطاقه الواسع الشامل لون من التربية، ينطبع عليه الصغير، وتتشربه نفسه فيتخلق به، ورؤية المرأة الملتزمة بأمر ربها، والرجل الجاد في سيره وفي كلامه وفي علمه وفي عبادته كلها ألوان من التربية -عن طريق القدوة- تطبع الصغار بطابعها فيشبون عليها..
فإذا وجد هذا كله -وقد ضربنا نماذج منه لمجرد التمثيل- فلا مانع ولا غرابة في أن يوجد إلى جانبه درس رسمي للدين، يختصر بالمعلومات ولا يجعل باله إلى التربية أساسًا، اطمئنانًا إلى أن كل شيء خارج هذا الدرس يقوم بتلك التربية المطلوبة، وتكون مهمة الدرس الأساسية هي التفقيه في أمور الدين.
فأما حين ينحسر الدين من حياتنا كما هو واقع اليوم، ويتقلص ظله في الأفكار والمشاعر، ولا يقوم بالتربية الإسلامية البيت ولا الشارع، بل يقومان بعكس ذلك، فلم يبق في أيدينا إذن إلا التعليم ووسائل الإعلام، فهل يكفي في التعلم -والحالة هذه- درس في المدرسة أو في المسجد يختص بالمعلومات، على ذات الطريقة التي كانت قبل قرون؟ وهل يكفي في الإعلام موعظة أو حديث ديني؟
إن درس المعلومات الرسمي، والموعظة والحديث الديني، لتشبه بناء قد انهار، وبقيت منه ها هنا قطعة من جدار.. فهل يجدي ذلك شيئًا في البناء المنهار؟
على أن الصورة أسوأ من ذلك في الحقيقة.
فخلاصة ما تحدثنا عنه إلى هذه اللحظة، هو عدم كفاية درس الدين الرسمي المختص بالمعلومات، وعدم جدوى الموعظة والحديث الديني في مجال التربية الدينية، بعد أن تخلت والشعور والسلوك، والسياسة المؤسسات التربوية الأخرى كلها عن دورها، وأصبح الحمل كله واقعًا على مناهج التعليم ووسائل الإعلام.
فكيف إذا كان الجو المحيط بدرس الدين الرسمي في المدرسة، وبالموعظة والحديث الديني في وسائل الإعلام، بعيدًا كل البعد عن جو الدين، بل مجافيًا له في معظم الأحوال؟
وأترك الحديث عن وسائل الإعلام فليس مجالها هذا البحث، وأتكلم فقط عن مناهج التعليم.
إنك لا تستطيع أن تشعر -خارج درس الدين الرسمي- بأنك في مدرسة إسلامية أو في جامعة إسلامية، ذلك أنك ستجد جو المواد المدروسة وجو التدريس كذلك، هو ذات الجو الغربي المعادي للدين في الحقيقة الذي يتستر بالعلمانية، والذي يدعي أنه غير ديني فحسب وليس معاديًا للدين..
ونحن نعلم بطبيعة الحال الظروف التي أحاطت بأوروبا منذ بداية نهضتها، والتي أبعدت العلم فيها عن الدين، وفرقت بينهما، بل أقامت بينهما العداوة والبغضاء حتى أصبح مجرد ذكر اسم الله -جل جلاله- في بحث علمي، يعتبر إفسادًا لجو البحث العلمي، أو على حد تعبير دارون في أحد كتبه: بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي.
وقد تكون أوروبا معذورة في هذا الأمر أو غير معذورة، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 14 - 15).
أما نحن المسلمين فما عذرنا إذا قلدنا أوروبا، وفصلنا -مثلهم- بين العلم والدين؟!
إن العلم والدين كليهما أمران موجودان في الفطرة بلا تعارض ولا تنافر ولا خصام، فالتوجه إلى الخالق بالعبادة فطرة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: 172)، والرغبة في التعرف على الكون وسننه، وتسخير طاقاته لمنفعة الإنسان لتعينه على القيام بدور الخلافة في الأرض: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (سورة الجاثية: 13)، ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 3-5)، ولا تعارض بين هاتين النزعتين في الفطرة السليمة، لأن الأولى توجه إلى الله بالعبادة، والثانية توصل الإنسان إلى مزيد من المعرفة بأسماء الله وصفاته وأفعاله في هذا الكون، فتؤدي في النهاية إلى مزيد من الخشية لله، أي مزيد من العبادة لله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28).
إنما الجاهليات هي التي تفصل بين هاتين النزعتين المتكاملتين وتوجه كلًا منهما في طريق، والجاهلية الأوروبية المعاصرة بصفة خاصة هي التي توجد بينهما العداوة والبغضاء.
أما المدرسة الإسلامية، سواء الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية أو الجامعة، فليس لها أن تقع في هذه الخطيئة، خطيئة الفصل بين العلم والدين، فتدرس العلم منفصلًا عن الدين، والدين منفصلًا عن العلم.
وهذا الحد سيئ في ذاته، فكيف إذا كانت الخطيئة أكبر من ذلك في الحقيقة وكنا -في المدرسة الإسلامية- ندرس كثيرًا من المواد بطريقة تخالف التصورات والمفاهيم الإسلامية، أو تصادمها مصادمة صريحة في بعض الأحيان.
فنحن ندرس لأبنائنا وبناتنا نظرية دارون، ولا ندرسها على أنها فرض علمي كما هي في الحقيقة، ولا حتى على أنها مجرد نظرية علمية تحتمل الخطأ والصواب -وهذا أكبر من قدرها العلمي في الحقيقة- بل ندرسها بروح التوثيق، كأنها حقيقة علمية نهائية مفروغ من صحتها.
ونظرية دارون ما زالت منذ مولدها حتى اليوم لا ترتقي إلى درجة اليقين العلمي، بل إن الداروينية الحديثة ومن أبرز كتابها جوليان هكسلي- لتقرر تفرد الإنسان عقليًا ونفسيًا وحتى بيولوجيًا، وجوليان هكسلي ولو أنه دارويني، ومع أنه ملحد إلحادًا صريحًا، له كتاب يسمى «الإنسان في العالم الحديث».
صوره بفصل طويل سماه «تفرد الإنسان» قال فيه إن المسافة بين القرد والإنسان أكبر بكثير من المسافة بين النملة أو الصرصار وبين القرد، ويقول: وهكذا يضع العلم الحديث الإنسان في مكانة قريبة جدًا من المكانة التي يضعه فيها الدين، ولكن على قاعدة مختلفة تمام الاختلاف.
فإذا كانت هذه مقالة دارويني ملحد عن الداروينية، أفلا ينبغي لنا -نحن المسلمين- أن نكون أكثر تحرزًا، ونحن ندرس لأبنائنا الصغار نظرية دارون في المدارس الإعدادية أو الثانوية؟ وهل يجوز لنا أن نغفل أن اليهودية العالمية هي التي روجت لنظرية دارون، وأعطتها هذه المكانة في مناهج التعليم، لتستغلها في محاربة العقيدة الدينية ومحاربة القيم والمبادئ العليا؟
وحين ندرس لأبنائنا وبناتنا في الجغرافية البشرية امتدادًا لنظرية دارون، منقولًا نقلًا حرفيًا عن المراجع الأجنبية ولا شك، ما خلاصته أن الإنسان الأول كان قريب الشبه بالقردة، وكان يمشي على أربع، ثم استقام عوده حين شب على قدميه ليقطف ثمار الأشجار، فأتيحت الفرصة لدماغه أن يكبر حين صار رأسه معتمدًا على جذعه، فتعلم أن يصدر أصواتًا لغوية، وزاد ذكاؤه ففعل كذا وكذا من الأشياء.
وندرس لهم كذلك أن البيئة هي التي تشكل حياة الإنسان وعاداته سلوكه... إلخ.
والقول الأول هو امتداد مباشر لنظرية دارون، ولا يوجد دليل علمي عليه، والقول الثاني امتداد للنظرية كذلك قد يصدق على الإنسان في غيبة العقيدة- أي على الإنسان الجاهلي، فحين يكون الإنسان بلا عقيدة يكون عبدًا لأشياء كثيرة من بينها البيئة، تتسلط عليه وتشكل حياته، أما حين يكون صاحب عقيدة ربانية سليمة، والعقيدة هي ما تشتمل عليه من منهج رباني منظم للحياة والسلوك، فإن هذه العقيدة -وليست البيئة- هي التي تشكل حياته وعاداته وتقاليده ومشاعره وأفكاره وأنماط سلوكه، ونظرة واحدة إلى تاريخ الإسلام، ترينا كيف أن هذه العقيدة أنشأت أمة وصفها خالقها بقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، أمة تكاد تكون مبتوتة الصلة بماضيها الذي كان.
وليس معنى هذا أن البيئة ليست لها سيطرة على الإنسان على الإطلاق، وإنما الحقيقة أن الإسلام في كل أرض دخلها، أخذ أفضل ما في البيئة وأقره بعد وضعه على قاعدته الصحيحة، وهي الإيمان بالله وحده بلا شريك، ثم عدل انحرافات البيئة وقومها، لتستقيم مع تصورات الإسلام وقيمة مبادئه.
وحين ندرس نحن الجغرافية البشرية كما ندرسها اليوم، فإننا أولًا نغفل أثر العقيدة الصحيحة إغفالًا كاملًا على طريقة الغرب الذي ننقل عنه، وثانيًا: نعطي إيحاءً مغايرًا للتصور الإسلامي، إن لم نقل مصادمًا له، هي أن الإنسان ابن بيئته فحسب، وأن تاريخه في الأرض تقرره بيئته.
والإسلام يقول إن تاريخ الإنسان في الأرض تقرره عقيدته أولًا وقبل كل شيء.
وفي دراسة التاريخ نرتكب نفس الخطيئة.. فنحن ندرس التاريخ البشري على محورين خاطئين مغايرين للتصور الإسلامي أو مصادمين له: المحور الأول هو أن تاريخ الإنسان هو تاريخ تطور مستمر نحو الرقي. والمحور الثاني هو أن العمارة المادية للأرض هو مقياس التقدم البشري، وعلى هذا الأساس الأخير نشيد بالحضارات الوثنية أمثال الحضارة الفرعونية والإغريقية، والرومانية، والبابلية والآشورية... إلخ، وعلى الأساسين معًا نشيد بالجيل الحاضر من البشرية ونعتبره أرقى أجيالها وأفضلها.. أرقى من جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- وإن لم نقل ذلك صراحةً، ولكنا نتركه يفهم من خلال الروح التي ندرس بها التاريخ.
وكلا الأساسين خاطئ من وجهة النظر الإسلامية.
فوجهة النظر الإسلامية تقرر أن الإنسان له حالتان اثنتان مهما اختلفت أوضاعه العمرانية، هما أن يكون في أحسن تقويم، أو يكون أسفل سافلين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (التين: 4 - 5) حين يضل عن عبادة الله الواحد ويتبع مناهج غير منهج الله، وإن الناحية العمرانية -المادية- ليست هي مقياس الرقي البشري مهما بلغ شأنها، فالقرآن يتحدث عن كثير من الأقوام وأثاروا الأرض وعمروها، ولكنهم كانوا جاهلين لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالله، ولا يبتغون منهجه، وكان عندهم علم يفرحون به، لكنه لم يكن ينفعهم، لأنهم لا يتبعون العلم الرباني الذي يتحقق به خير الدنيا والآخرة، وعلى ذلك تقرر وجهة النظر الإسلامية أن الفرعونية كانت جاهلية، والإغريقية جاهلية والرومانية والبابلية والآشورية... إلخ، كما يقرر الإسلام أن جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- هو خير جيل أقلته الأرض، وأن الجاهلية المعاصرة هي أسوأ جاهليات التاريخ، بكل ما فيها من عمارة مادية وتقدم علمي وتكنولوجي، لأن الإنسان هبط فيها روحيًا ومعنويًا كما لم يهبط في التاريخ..
كما أن وجهة النظر الإسلامية ترفض أن تحصر التاريخ البشري في فترته الأرضية المحدودة، ثم تعطي أحكامها على البشر بقياس هذه الفترة وحدها، فتقرر أنهم راقون ومتقدمون أو رجعيون أو... بمقياس الإنجازات الأرضية المنقطعة عن الأخرى، وإنما هي تأخذ التاريخ من طرفيه، أوله وآخره، وتعطي أحكامها على البشر بقياس الأولى والآخرة معًا، وهو ذات المقياس: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (التغابن: 2)، أما العمارة المادية للأرض فهي من ضمن المقاييس نعم، فقد خلق الله الإنسان لهذه العمارة: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، ولكن المقياس فيها ليس هو الإنجازات المادية في ذاتها، ولكنه المنهج الذي تقوم عليه تلك الإنجازات، أهو المنهج الرباني أم المنهج الجاهلي.
والمؤمن والكافر كلاهما يمكن أن يعمر الأرض من الناحية المادية عمارة واحدة، ولكن المؤمن يستخدم هذه العمارة في عبادة الله، والكافر يستخدمها في عبادة الشيطان، وهنا يفترق الحكم على هذا وذاك، ولكن دراستنا الحالية تغفل ذلك كله، وتدرس التاريخ على ذات المنهج الجاهلي الذي تدرسه به أوروبا، لأننا نأخذ مراجعنا من هناك.
ثم نحن ندرس لأبنائنا في الاجتماع نظريات دور كايم اليهودي، التي تتعارض تعارضًا مباشرًا مع وجهة النظر الإسلامية إذ تلغي كل القيم الثابتة في الحياة البشرية، وتقول إن الدين والأخلاق والزواج والأسرة ليست من الفطرة وإنها من صنع العقل الجمعي، الذي يثبتها إذا شاء ويمحوها إذا شاء.
وندرس لهم في علم النفس نظريات فرويد الملتاثة بالجنس، ونظريات غيره التي لا تعترف بأن الدين جزء من الفطرة، ولا تعتبره أساسًا لتقويم الفطرة.
وندرس لهم العلوم، سواء الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء والفلك والرياضيات والهندسة والطب... إلخ بمعزل تمامًا عن الله، بل نرتكب خطيئة أكبر من ذلك حين نقول لهم الطبيعة هي التي خلقت وهي التي هدت، وهي التي تدبر الأمر بقوانينها، وحيث نحدثهم كذلك عن حتمية قوانين الطبيعة.
والطبيعة لفظة وثنية تستخدمها أوروبا بدلًا من الله، وتكتبها بحرف كبير تعظيمًا لها، لأن الناس هناك واجهوا مشاكل من كنيستهم، جعلتهم يكفرون بإله الكنيسة الذي تستعبد باسمه وتمارس معهم كل أنواع الطغيان، فابتدعوا إلهًا ليست له كنيسة وليست له التزامات سموه الطبيعية، ونسبوا إليه الخلق والهدى والتدبير، كما يقول دارون: الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق.
أما نحن المسلمين فكيف سمحنا أن تلوك ألسنتنا الكلمة الوثنية الجاهلية، ونسجلها في الكتب التي نقررها على التلاميذ؟
وحين نصنع ذلك كله.. حين ندرس لأبنائنا وبناتنا نظرية دارون على هذا النحو، وندرس لهم التاريخ والجغرافيا من وجهة نظر غير إسلامية، وندرس لهم علم الاجتماع وعلم النفس والتربية والاقتصاد والعلوم كلها من وجهة نظر غير إسلامية، وبروح غير إسلامية، فكيف تطمع بعد ذلك أن يتخرج من مدارسنا وجامعاتنا شباب مسلم، ونحن في كل منهج ندرسه وفي كل درس نعطيه نعطيهم توجيهًا مضادًا للإسلام؟ وما قيمة درس الدين المتوقع في وسط جو معارض له ومصادم لروحه، وما جدواه في هذا الخضم من التيارات المعادية لاتجاهه، فضلًا عن كونه هو ذات نفسه هزيل هزيل.. لا يزيد على بضعة نصوص تحفظ ليؤدى فيها اختبار في نهاية العام؟
إن الأمر في حاجة إلى إصلاح جذري يمتد إلى الأساس.
يتبع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل