العنوان منهج القرآن الكريم في تربية الأمّة
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984
مشاهدات 77
نشر في العدد 681
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-أغسطس-1984
إن القرآن الكريم إنما جاء لتنشئة هذه الأمة الإسلامية لتحمل رسالته إلى الناس كافة، فهو كتاب الهداية للبشرية كلها، ومن هنا نستطيع أن نقول: إن تلاوة القرآن الكريم بتدبر من أوله إلى آخره، هي التي تكشف لنا دوره في بناء هذه الأمة وتنشئتها، وجعلها الشهيدة على الأمم باعتبارها الأمة الوسط، ودينها الدين الخاتم، ورسولها الرسول الخاتم، وكتابها الكاب الخاتم، فلا دين بعد الإسلام ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ولا كتاب بعد القرآن.
كيف تنشأ الأمة على المنهج القرآني
وإن تلاوة كل آية من آيات هذا القرآن العظيم بتدبر وخشوع، توضح لنا كيف تنشأ الأمة على المنهج القرآني، وكيف يستقيم فهمها وسلوكها وكيف تتربى في أحضانه وعلى مائدته وكيف تنهل من معينه الذي لا ينضب لأن فيه كل مقومات التربية التي تصنع رجال العقيدة، وتنشئ طاقات الخير في النفوس، فالقرآن هو الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزله الله على رسوله ليحكم به بين الناس يقول الله عز وجل عنه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة:2)، ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (آل عمران: 3)، ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20)، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 138)، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 83)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 57)، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15-16)، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: 155)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).
لقد تناول القرآن الكريم مواضيع شتى، حيث عالجت الآيات المكية –في الغالب- قضية العقيدة في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأنشأت التصور المنبثق عن هذه العقيدة لهذا الوجود وعلاقته بخالقه عز وجل، كما عالجت الآيات المدنية –في الغالب- تطبيق هذه العقيدة والتصور في الحياة الواقعية، وحمل النفوس على الاضطلاع بتبعاتها وتكاليفها وإقامة دولة الإسلام وتطبيق أحكامه.
كل هذا بأسلوب يخاطب العقل ويرشد إلى التدبر والتفكر والتذكر حتى جاء ذكر «العقل» في القرآن الكريم في أكثر من أربعين موضعًا.
ولن نستطيع أن نلم بكل الجوانب التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والتي من أهدافها تنشئة الأمة الإسلامية، ولكن حسبنا أن نقتطف بعض الأزاهير من رياض القرآن الكريم، لنستشهد بها فيما نحن بصدده، ونتدبرها وإياكم تدبر المؤمنين، المفتحة قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، والمهيأة نفوسهم لحمل أمانة هذه الرسالة وتبعاتها والالتزام بها وتحقيق أهدافها ودعوة الناس إليها.
جيل قرآني فريد
لقد عني القرآن الكريم بتربية الجيل الأول من سلفكم الصالح فكان جيلًا قرآنيًا فريدًا متميزًا بخصائصه وسماته، أعطى للدنيا كلها أروع المثل في الإيمان والجهاد، والصبر والتضحية، والحب والإخاء، والكرم والإيثار، والرجولة والشجاعة والصدق والأمانة، والنجدة والمروءة، والبر والوفاء، والتواضع وخفض الجناح للمؤمنين، والأمل بالله وحده والاعتماد عليه والسؤال منه دون سواه.
لقد نشأهم القرآن على أن الرزق بيد الله عز وجل، فهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يرزق كل دابة، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وكل شيء عنده بمقدار واستمع معي أخي المسلم إلى نداء القرآن:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، (هود:٦) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد: ٨) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، (الحجر: ٢١) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، (الإسراء: ٣٠) ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، (طه: ١٣٢) ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، (النور: ٣٨) ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، (العنكبوت: ١٧) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في القرآن.
كما علمهم القرآن أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، (فاطر: ٤٤) ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾، (الأنفال: ٥٩) ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾.(التوبة: ٢)
كما بين لهم القرآن سعة رحمة الله وعدم اليأس والقنوط منها، فإنها رحمة واسعة ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾، (الأنعام: ١٤٧) ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، (الأعراف: ١٥٦) ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، (الزمر: ٥٣) إلى آخر الآيات الكريمة الأخرى.
كما وضح لهم القرآن الكريم بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، (الأنفال: ٥٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، (الرعد: ١١) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. (النحل: ١١٢)
ونبههم القرآن على سعة حلم الله وأنه بالمرصاد لكل ظالم أو طاغية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، (النحل: ٦١) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. (الفجر: ١٤)
وأرشدهم القرآن إلى صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والاقتداء به، والاستقامة على منهجه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (المجادلة: ٢٢) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، (آل عمران: ٣٢) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، (آل عمران: ١٣٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، (النساء: ٦٤) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، (النساء: ٨٠) ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، (النور: ٥٦) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، (الحشر: ٧) ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، (هود: ١١٢) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.(الأحزاب: ٢١)
وأخبرهم القرآن بأن الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، (آل عمران: ١٩) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، (آل عمران: ٨٥) ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، (الأنعام: ١٢٥) ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، (يونس: ٧٢) ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. (آل عمران: ١٠٢)
الإعداد للجهاد
كما حثهم القرآن على الجهاد والإعداد، والتصدي للأعداء والطواغيت والحرص على السيادة أو الشهادة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، (الأنفال: ٦٠) ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، (النساء: ٧٤-٧٧) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، (التوبة: ٣٨، ٣٩) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، (الأنفال: ١٥، ١٦) ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، (البقرة: ١٥٤) وقال ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، (آل عمران: ١٦٩) ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. (الأحزاب: ٢٣)
وصبرهم القرآن على البلاء والمحن باعتبارها من سنن الله عز وجل ليميز الله الخبيث من الطيب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، (البقرة: ١٥٥) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، (البقرة: ٢١٤) ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، (آل عمران: ١٥٤) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، (العنكبوت: ٢) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. (محمد: ٣١)
كما بشرهم القرآن بأن العزة والغلبة والعلو والسيادة، هي لله ولرسوله وللمؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (المنافقون: ٨) ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، (النساء: ١٤١) ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، (يونس: ٦٥) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. (فاطر: ١٠)
وأمرهم القرآن بشهادة الحق والعدل وقول الصدق والالتزام به في كل الأحوال والظروف ومع كل الناس: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. (المائدة: ٨)
وأوصاهم القرآن بالأخوة والحب في الله والاعتصام بحبله وعدم التفرق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، (الحجرات: ١٠) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. (آل عمران: ١٠٣)
وذكرهم القرآن بالوفاء لأهل السابقة بالإيمان، والدعاء لهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. (الحشر: ١٠)
وأرشدهم إلى الصفح والتجاوز عن المسيئين والإعراض عنهم وعدم الرد عليهم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، (الفرقان: ٦٣) ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. (آل عمران: ١٣٤)
وأشعرهم بالمسؤولية وتبعاتها ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، (المدثر: ٣٨) ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. (الإسراء: ١٤)
ورغبهم بالبذل والإيثار على النفس ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. (الحشر: ٩)
وحلاهم وزينهم بالتواضع، وخفض الجناح للمؤمنين ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. (المائدة: ٥٤)
ورباهم على حسن التوكل على الله في كل شأن وعدم الاعتداد بما سواه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. (الطلاق: ٣)
وأمرهم بعبادة الله وحذرهم من الإشراك به ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. (النساء: ٣٦)
وبين لهم أن الغاية من خلقهم هي عبادة الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. (الذاريات: ٥٦)
وألقى على عاتقهم واجب هداية البشر إلى الحق وإرشاد الناس جميعًا إلى الخير وإنارة العالم بشمس الإسلام حيث قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. (الحج: ٧٧، ٧٨)
وأمرهم بالشورى وحثهم عليها ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، (الشورى: ٣٨) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. (آل عمران: ١٥٩)
وجعل التعارف أساس العلاقات البشرية ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. (الحجرات: ١٣)
وليس هذا فحسب بل ثمة حشد ضخم من الآيات يزخر بها القرآن الكريم وكلها تؤدي دورها في تنشئة الأمة الإسلامية، لا يتسع المجال إلى استعراضها لأن معنى هذا أن نتلو القرآن كله في هذه المحاضرة، فليكن وردنا اليومي من القرآن الكريم، فيه الوقوف على معاني الآيات ودلالاتها في كيفية تنشئة الأمة، فردًا وأسرة ومجتمعًا ودولة، حتى نأخذ أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا بالتربية القرآنية التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان خلقه القرآن وبها نشأ الجيل القرآني الفريد من صحابة الرسول ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الرسول هو القدوة
لقد تربى المسلمون الأوائل على مائدة القرآن الكريم وفي مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت الفتوحات الإسلامية وكان النور الذي أشرق فبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وقامت دولة الإسلام المباركة على أيدي هؤلاء الرجال الذين انتصروا على أنفسهم فانتصروا على الدنيا بأسرها، عظموا القرآن الكريم وتدبروا معانيه، وعملوا بأوامره وانتهوا عن نواهيه ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (النور: ٥١) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، (الأحزاب: ٣٦) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. (النساء: ٦٥)
وبهذا المنهج القرآني كان سلفنا الصالح قرآنا حيا يمشي على الأرض، يتفاعلون مع الدنيا على منهج القرآن الذي يؤمنون به، فقلوبهم وجلة بذكر الله، وإيمانهم يزداد بسماعهم لآيات كتاب الله، وهم متوكلون على الله في كل أمورهم
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، (الأنفال: ٢) تخشع قلوبهم وتقشعر جلودهم عند تلاوته أو سماع آياته خوفًا من الله وطمعًا بما عنده ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. (الزمر: ٢٣)
هكذا كانوا يقرؤون القرآن الكريم بغاية التدبر، متأسين بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، الذي قام ليلة بآية يرددها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، (المائدة: ١١٨) فليكن الرسول قدوتنا في تدبرنا لكتاب الله ولنقرأ القرآن بكل خشوع وتفكر وتدبر ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. (آل عمران: ١٩٠، ١٩١)
البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل