العنوان المعرفة والثقافة في المفهوم الإسلامي
الكاتب محمود الكسواني
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999
مشاهدات 79
نشر في العدد 1336
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 02-فبراير-1999
فرق الإسلام بين المعرفة والثقافة فقوله تعالى: (لَا ٱلشَّمسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدرِكَ ٱلقَمَرَ وَلَا ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَك يَسبَحُونَ) (يس:40) هي تعريف لسنة كونية يجمع على قبولها الناس جميعًا سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وهي بهذا عالمية لا تخص شعبًا دون شعب ولا ثقافة دون ثقافة بل هي معرفة عامة يشترك في إدراكها والاستسلام لحقيقتها والاستفادة من معطياتها جميع البشر فيرسمون من خلالها طرق معيشتهم ووسائل تسخير الطبيعة لصالحهم.
أما الثقافة فهي مفهوم خاص، فلكل أمة أو جماعة ثقافتها الخاصة بها، فمفهوم الجهاد خاص بالمسلمين والديمقراطية كمنهج لا كوسيلة، خاصة بالعلمانية، أما وسائلها مطرق الانتخاب والصناديق والسرية في التصويت والممارسة الفنية لها، فهي تدخل ضمن المعارف المشتركة بين الناس.
ويعد الاقتصاد القائدي بصفته ثقافة اقتصاد ربوي لا يمت لثقافة الإسلام بصلة، لأن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام بيع وشراء وزكاة لا نظام استغلال حتى لو قنع المتعاقدون بممارسته ذلك أن نتائج النظام الربوي في النهاية يؤثر على النظام العام وعلى مجموع أفراد المجتمع الإسلامي، كما نص القرآن وبينت السنة، وكشفت الوقائع.
وعليه فإن المعرفة في إطار الإسلام مقصودة لخدمة المجتمع والاستفادة من تلك المعارف البشرية الهائلة لتوفير الرفاه والأمن للإنسان عامة، أما الثقافة فقد تبني وقد تهدم حسب تبني المجتمع لها، فالدولة التي تتبنى مشروع الضمان الاجتماعي والصحي والتعليمي للمرأة والشيخ الكبير وتعليم الأبناء، إنما تهدف لبناء مجتمع سلیم خال من الجهل والتخلف والمرض والبطالة، أما المجتمع الذي يتبنى ثقافة الغابة والتسلط والمحسوبية والتمييز الطبقي والفكري بين المواطنين، إنما يهدف لزرع بذور الفرقة والحروب الأهلية والأنانية بين أبناء المجتمع.
لقد بني اليونانيون القدماء «أفلاطون وأرسطو كذلك» ثقافة مجتمعاتهم على أسس طبقية بحتة، فأخضعوا طبقة الفلاحين لطبقة التجار، وطبقة المالكين لطبقة المستأجرين وأخضعوا الجميع لطبقة الفلاسفة والحكام، فكان مجتمعهم طبقيًا، بالرغم من أن علومهم ومعارفهم عن الطبيعة تكاد تلمس بعض الحقائق الثابتة كإقرارهم بأن للكون محركًا أي خالقًا، لكنهم ضلوا في وصفه، فكانت معارفهم وبالًا عليهم. لأنهم تثقفوا من خلالها، وأسسوا عليها ثقافات عديدة جاءت صورة مطابقة لتلك المعارف الخاطئة المبنية على التأمل النظري والافتراض التصوري لا على أساس العلم التجريبي الذي أنشئ على يد علماء الإسلام فيما بعد.
أما العصر الحديث، فبالرغم من انتسابه للعلم التجريبي، إلا أنه مازال يتخبط في وصف الخالق، فبالرغم من أن العلم الطبيعي التجريبي يدفعهم ... للإقرار بوحدانية الله ما زالوا - بحكم عصبيتهم ورضوخهم لقداسة كنائسهم يعددون الآلهة، ويقللون من شأن الخالق، ويحصرونه ضمن صليب أو تمثال أو صورة يلقون عليها تحية أسبوعية هي نصيبها الوحيد، وباقي الأسبوع نصيبهم ونصيب شهواتهم، فيميلون ميلًا عظيمًا، ذلك لأنهم يظنون بالله ظن الجاهلية، فنسبوا إليه . سبحانه الأبوة والبنوة والمعاون والشريك.
مغالطات باسم العلم
يعرف قاموس أكسفورد الثقافة بأنها الاتجاهات والقيم السائدة في مجتمع معين وتشمل اللغات وأساليب الحياة ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية... إلخ.
وأصل مادة ثقف عند العرب بمعنى هذب وصقل وأعد أي أنها لا تخرج عن معناها اللغوي اللاتيني، ذلك أن الإنجليزية بصفتها لغة لاتينية تعرف الثقافة Culture بأنها تعهد النبات وحركه ورعايته حتى يثمر ومنها جاءت أي زراعة Agriculture .
حتى أن ما يسمون بعلماء الاجتماع يعرفونها بأنها قدرات وعادات الفرد داخل المجتمع «معرفة، اعتقاد، فن، قانون، أخلاق أعراف».
وعلى الرغم من خلط الاجتماعيين بين المعارف والثقافات، إلا أن الجميع متفق على أن الثقافة هي الرعاية والإعداد، أي أنها وجهة نظر المجتمع للحياة والكون والإنسان، وهذا محمل الحمل في شأن الثقافة، فهل بعد هذا التعريف من يشكك بحقيقة أن المعرفة شيء والثقافة شيء آخر؟
إن المعارف في المعلومات الهائلة عن الأشياء. وهي غير الثقافات لأن الثقافة هي نتيجة التفاعل بين الإنسان والمعارف، فإن كان التفاعل مبنيًا على معلومات صحيحة، كانت وجهة النظر «الثقافة» سليمة، وإلا فستبقى الثقافات جاهلية التصور مهما كانت مدنية المظهر والهيئة، فالتقدم المدني الذي شهدته اليابان شيء، ووجهة نظر اليابانيين تجاه بوذا شيء آخر، فلا بوذا هو الذي أرشدهم للتمدن، ولا تمثاله يوحي إليهم، بل إن معارفهم العامة ومثابرتهم المميزة وحرصهم على مصالحهم ومستقبل أبنائهم المعيشي هي التي أوصلتهم إلى التقدم المدني، وبقيت ثقافتهم وتصوراتهم تجاه الخالق بدائية ظنية وليست بشيء.
فالطب والهندسة والزراعة والعمران المدني والمعلوماتية والاتصالات والصناعات والتقنيات الفنية، كل ذلك معارف يشترك الناس جميعًا بتوحيد وجهات النظر إزاءها، لأنها علوم طبيعية وبيوفيزيائية، لا تملك أمة احتكارها لنفسها، ومن حق وواجب الجميع الاستفادة منها لصالح البشرية، بل إن الجميع مجبر على التفاعل مع معطياتها، أما الثقافة فهي خاصة بكل أمة.
والثقافة من جهة أخرى ثابتة لا تتبدل، فلا اليهودي بتارك جزء من معتقداته وتصوراته، ولا المسلم بمبدل لوجهات نظره في الخالق وصفاته وبالرسول وبصدق رسالته، وبالقرآن وبأحقية هيمنته على غيره من الكتب والمراجع والآراء والقرارات.
وعليه فليس صحيحًا ما يسمى بالانفتاح الثقافي والصحيح أن يسمى الانفتاح المعارفي أو المعلوماتي، لأن الثقافة ثابتة لا تتبدل فكيف يمكن لليهودي أن ينفتح على المسلم ثقافيًا وهما يحملان وجهات نظر متناقضة إنما يمكن للمسلمين بيسر أن ينفتحوا على الغرب والشرق معارفيًا ومعلوماتيًا لأن المعارف كما أشير ملك وحق وواجب لكل الناس.
وعندما نصف دولة الكويت بأنها دولة منفتحة ثقافيًا على كل الثقافات لا ينبغي أن يفهم من هذا أحد غير الانفتاح المعارفي المعلوماتي وإمكانية التبادل المدني والتقني لا كما يتصور البعض أنه انفتاح حضاري بمعنى ذوبان الذات الكويتية ضمن الذات الغربية غير المسلمة.
ولا يظن القارئ أنني ضربت الكويت مثلًا اعتباطيًا، بل إن السمات المعارفية والمعلوماتية في دولة الكويت قد أفسحت مجالًا كبيرًا للحرية العلمية والأدبية والاطلاع الثقافي لا تكاد تلمسه معظم الدول العربية وغير العربية، فقد تمكنت دولة الكويت من استغلال طاقاتها المالية والبشرية استغلالًا علميًا مدروسًا؛ بحيث أصبحت مشعلًا للمعارف والعلوم من خلال أنشطة المؤسسات الفكرية والمعرفية سواء الرسمية منها أو غير الرسمية، بل إن حرية التعبير المكتوب يكاد يتجاوز حرية التعبير في معظم الدول الليبرالية. شهادة الحركة الإعلامية ودور النشر وتحقيق التراث بهدف نشر المعرفة لا الربح، وبالرغم من ذلك مازال البعض يغالط ويخلط بين الثقافة والمعرفة. يحاول أن يظهرهما بمظهر واحد مع أنهما على طرفي نقيض، فتختلط المفاهيم ويعتقد خطأ بأن كويتيين منفتحون ثقافيًا، أي متعددي الثقافات والحضارات مع أنهم مسلمون ثقافيًا وحضاريًا بمعنى أن وجهة نظرهم منبثقة عن الإسلام والصحيح أن يقال إن الكويتيين معارفيون ومطلعون بتوسع على مختلف ثقافات الشعوب الأمم، وأن الكويت مركز إشعاع معارفي ليست مركز إشعاع ثقافي، وهكذا يكون الواصف قد مدح الكويتيين لأن المنفتح ثقافيًا ينتمي إلى كل شيء، ومن انتمى إلى الكل فهو لا شيء أما المنفتح معارفيًا ومعلوماتيًا فهو المنتمي إلي شيء ويمتلك معارف ومعلومات هائلة، دون أن تتبدل ثقافته وتتنوع وجهات نظره، وهذا هو الحال بالنسبة لحركة المعرفة الكويتية.
من هنا يخطئ من ينسب الثقافة لفلان على أنه مثقف بمعنى أنه مطلع وقارئ لثقافات معارف متنوعة، والأصح أن يسمى معارفي أو معلوماتي أو حافظ أو متخصص بعلم كذا مؤرخ، كاتب صحفي، محرر، شاعر، جغرافي معلوماتي... إلخ، أما أن يوصف إنسان بأنه مثقف فهو وصف يحمل كثيرًا من المغالطات لأن المثقف اصطلاحًا هو صاحب وجهة نظر معينة في الحياة، فعندما يقال فلا مثقف وجب أن يتبع المضاف بمضاف إليه، وهو نوع الثقافة التي ينتمي إليها، فيقال مثقف إسلامي، أي أن وجهة نظره إسلامية، ومثقف أمريكي أي أن تصوراته أمريكية أو غربية، وهكذا، أما إذا أريد وصف أحد بالمعرفة بثقافات الآخرين، فيقال عنه مطلع على ثقافة الأوروبيين أو مختص بالثقافة الأمريكية، مع أن وجهة نظره في الحياة إسلامية .
والمغالطة الأخيرة التي نود تكرار الحديث عنها والإشارة إلى تهافتها، أنه لا يصح القول إن هناك غزوًا معارفيًا أو معلوماتيًا، ذلك أن الغزو انحصر بالثقافة والحضارة، وهو الغزو الذي يجب أن يحذره المسلمون أما العلوم والمعلوماتية التمدن والمعرفة بشكل عام، فهي حق لجميع الناس، فلا يمكن إضافتها لمصطلح الغزو بأي شكل من الأشكال.