; بين سقوط يلماظ وسجن أردوغان | مجلة المجتمع

العنوان بين سقوط يلماظ وسجن أردوغان

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1330

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

سقطت حكومة مسعود يلماظ رئيس حزب الوطن الأم في تركيا بسبب علاقتها مع المافيا، ودعت المذكرات التي قدمتها أحزاب الطريق القويم والفضيلة والشعب الجمهوري إلى حجب الثقة عن الحكومة بسبب سوء استخدام السلطة والعلاقات السرية مع أوساط المافيا. 

ولا بأس أن نلقي نظرة سريعة على أهم منجزات يلماظ التي أدت إلى سقوطه:

 1- يوم ١٦ من يونيو ۱۹۹۸م ترأس يلماظ اجتماع مجلس الأمن القومي.. واتخذ قراره بتسريح ١٥٠ ضابطًا من الجيش باعتبارهم رجعيين يؤدون الصلاة.. أو يرسلون أبناءهم إلى مدارس الأئمة والخطباء.. أو أن زوجاتهم محجبات إلى آخر هذه الجرائم... ولقد اندفعت قيادة الجيش في تسريح الضباط بعد أن تأكدت أن نسبة عالية منهم انتخبوا حزب الرفاه في انتخابات ديسمبر ١٩٩٥م.

2- بدأت المحاكم تتعقب المعارضة فبعد أن نال الإسلاميون حصتهم من الإرهاب بحل حزب الرفاه، وتقديم أربكان إلى المحاكمة عشرات المرات، وتقديم عدد من رؤساء البلديات (قيصري - قونیه - إسطنبول – أنقرة) للمحاكمة.. دارت رحى العدالة المنحازة لتنال من مواقع الأحزاب الأخرى. فحاصرت قيادة الطريق القويم.. وقدمت رشاوی ضخمة لشراء ذمم نواب الحزب.. وتعقبت الحزب الكردي الرسمي الوحيد فاعتقلت معظم قياداته.. ولم يسلم من شر هذه الحكومة رجال حقوق الإنسان الذين اعتدي على بعضهم وصفي البعض الآخر.. أما رجال الأعمال (الموسياد) فقد ضُيق عليهم.. وزُج ببعض قياداتهم في السجن...

بذلت الحكومة كل جهدها في الاعتداء على الحريات وحقوق الإنسان، والطرد من الوظائف ومن الجامعات والزج في السجون، وشراء الذمم وإرهاب رجال الفكر والسياسة.. ومع ذلك سقطت.

3- وبالرغم من وعد حكومة يلماظ منذ تسلمها السلطة صيف عام ١٩٩٧م بتوفير حرية الرأي، إلا أن الوقائع أثبتت أن الإعلام في تركيا زاد سوءًا عما كان عليه، فقد أصدرت جمعية «مراسلون بلا حدود» تقريرًا حول الانتهاكات المتزايدة التي تتعرض لها الصحافة في تركيا.. يقول التقرير:

بين «يناير» و«أغسطس» من هذه السنة (۱۹۹۸م) قتل صحافيان وجرى تعذيب ثمانية واعتدي على خمسين صحافيًّا أو لاقوا تهديدات واعتقل أربعة وخمسون وحقق معهم، كذلك فإن عدد النشرات والصحف التي صودرت كان ضعفي ما كان عليه الوضع خلال عام ١٩٩٧م، ويشير التقرير إلى أن مكافحة الإرهاب لا يمكنها تبرير سياسة القمع هذه.

والتقرير إذ يشير إلى مسؤولية جميع أطراف الصراع في انتهاك حقوق الإعلام، يؤكد أن ٧٥% من العنف ضد الصحافة إنما صدر عن البوليس التركي.

سياسة القمع هذه يرافقها التغاضي عن العدالة، فخلافًا لما هو متوقع في دولة «ديمقراطية» لا تلعب العدالة في تركيا دورها كسلطة تحمي المواطن والمجتمع الأهلي: إدانة العنف البوليسي قلما تصدر عن المحاكم، والثقة في القضاة غدت أمرًا مفقودًا، وهناك عدد من الصحافيين لم يحق لهم حتى تقديم شكوى ضد دوائر الأمن. 

4- وأفظع مواقف حكومة يلماظ كانت الحكم على الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول الرجل المهذب العامل النشيط الذي قدّم لإسطنبول العاصمة الحضارية لتركيا.. ما لم يقدمه أحد غيره خلال خمسين سنة.

محكمة ديار بكر

وكانت محكمة أمن الدولة في ديار بكر أصدرت حكمًا بالسجن على أردوغان في وقت سابق من هذا العام لإلقائه خطابًا في مدينة سیرت شرق البلاد، قال فيه: «إن المساجد هي ثكنات المؤمنين، وقبابها خوذهم، ومآذنها حرابهم»، ورغم أنه أوضح في وقت لاحق أنه كان يردد أبياتًا من قصيدة وطنية فإن كلماته اعتبرت استفزازية في الجو المشحون الذي أعقب إزاحة حكومة أربكان من السلطة إثر حملة علمانية قادتها المؤسسة العسكرية.

وجاء في قرار المحكمة في ذلك الحين أن أردوغان انتهك مادة في قانون العقوبات تحظر التلاعب بالتمايزات الدينية أو العرقية أو الطبقية لإثارة انقسامات اجتماعية، واعتبر العلمانيون خطابه دعوة مبطنة إلى الإسلاميين للقيام بأعمال عنف.

حتى زعيم حزب علماني مناوئ لـ «الفضيلة» هو نائب رئيس الوزراء السابق دنيز بيقال «تألم لما يتعرض له أردوغان»، فقال في تصريح تلفزيوني: «نتألم أن يحكم على سياسي ناجح قد يكون له مستقبل كبير، بمصادرة حقوقه طيلة حياته». 

وأعلنت النمسا التي ترأس دورة الاتحاد الأوروبي، في بيان أصدرته سفارتها في أنقرة أن الاتحاد يشجب قرار محكمة الاستئناف بتأييد حكم بسجن رجب الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول الذي أدانه القضاء بـ «إثارة الكراهية» لترديده قصيدة خلال كلمة ألقاها في حشد من أنصاره.

وجاء في البيان أن الاتحاد الأوروبي: «يبدي قلقه حيال ما قد يسفر عن محاكمة سياسيين منتخبين ديموقراطيًّا بسبب التعبير عن وجهات نظرهم بشكل سلمي من عواقب على التعددية الديموقراطية وحرية التعبير»، وأضاف البيان: «يؤكد الاتحاد الأوروبي على الأهمية التي يوليها لاحترام كل الدول حقوق الإنسان، خصوصًا الدول المعنية باتفاق كوبنهاجن». 

وأبدت دبلوماسية أمريكية قلقها إزاء الحكم ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن كارولين هاغينش القنصل الأمريكي في إسطنبول قولها عقب زيارة قصيرة لأردوغان: «هذا النوع من الأحكام يقوض الثقة في ديموقراطية تركيا».

يوم حكم على أردوغان.. وقف العالم مشدوهًا في تركيا وخارجها.. وخرجت الجماهير في مظاهرة مليونية تؤيده، ومع ذلك قال لهم باختصار: «إنها مأساة وعار في سجل القضاء التركي»، وأضاف: «أنا لم أدن بالفساد أو السرقة أو القتل ولكن لتلاوتي قصيدة» حكم على أردوغان بالسجن بتهمة الرأي المعارض ولكن رئيس الحكومة سقط بتهمة الفساد.. وشتان بين الحالتين.

5- وآخر هذه الإنجازات المهمة التي حققتها حكومة يلماظ التي لبست ثياب النزاهة يوم جاءت إلى السلطة، هو الإنجاز الذي يتعلق بألمافيا.. فقد اعترف وزير الدولة التركي أيوب عاشق المقرب من رئيس الوزراء والذي يتولى شؤون الجمارك والشركات المملوكة للدولة، بإجراء اتصالات هاتفية مع مشتبه بانتمائه إلى رجال العصابات وهي الفضيحة التي أدت إلى استقالته من البرلمان والحكومة.

وكانت وسائل الإعلام كشفت تورطه في اتصالات مع زعيم المافيا علاء الدين جاكيجي وأذيعت تسجيلات لمكالمات هاتفية تلقاها الوزير أبلغ خلالها محادثه أن رجال الاستخبارات التركية حددوا مكانه في الولايات المتحدة وانتقلوا إلى هناك لاعتقاله، ما مكنه من الفرار إلى كندا ثم إلى فرنسا ولكن اعتقل هناك وكشفت وسائل الإعلام بعد أيام عن علاقة علاء الدين هذا مع رئيس الوزراء نفسه.. وعن الصفقة التي أبرمت ببيع بنك تملكه الدولة لرجال المافيا.

هناك سقوط نتيجة الضغوط.. أو بسبب الفكر الحر.. ولكن السقوط المريع هو بسبب الفساد وحماية المافيا.

الرابط المختصر :