العنوان الحب والتفاهم.. مرتكزان رئيسان في بنيان الأسرة
الكاتب سولين عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 13-مايو-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1701
نشر في الصفحة 58
السبت 13-مايو-2006
مهمة الزوجين المحافظة على الحب وإدامته وتجديده
الإعلام ولد نظرة خاطئة عن الزواج بأنه بداية للمتاعب والمشاكل والبرود العاطفي
الأسرة التي لا تنجب.. لها دور كبير في صناعة الحياة من خلال عطائها الاجتماعي
نبدأ من حيث انتهينا في لقائنا السابق، عندما أجبنا عن التساؤل حول (لماذا الأسرة؟)، فكانت لصناعة الإنسان الذي يصنع الحياة، وبهذا يكون دور الأسرة كبيراً وجوهرياً فهي تشكل بذلك البنية التحتية للمجتمع، تماسكه وقوة إنتاجه مؤشر ومعيار الفاعلية وإنتاجية المجتمع.
إن مسألة صناعة الإنسان في الأسرة لا يقصد منها الاهتمام بالأطفال وتهيئتهم ككوادر اجتماعية فحسب، بل إننا- وبالتحديد في هذه السلسلة- نؤكد على ذات الأسرة وأصلها المتكون من الرجل والمرأة، وكيفية تأثير الأسس والروابط الأسرية على تكوين وصناعة الشخصية الأكثر نضوجاً وتكاملاً لكليهما، وبالتالي فإنهما تحت الظلال الأسري ينتجان ويرفدان المجتمع أكثر بكثير من الحياة خارج هذا الرباط الاجتماعي، ذلك أن الفطرة البشرية المكنونة في ذاتيهما بحاجة إلى الآخر فكرياً ونفسياً ومادياً.
ورحلة الحياة الإنسانية للوصول إلى أهدافها وطموحاتها تستلزم وجود الآخر المتوافق والداعم والسائد والمحب للتغلب على متاعب الطريق، فكيف لا وهما خلقا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (النساء : 1).
إذن فالأسرة هي مصنع الإنسان هي أولاً للرجل والمرأة بغض النظر إن أثمرت هذه الأسرة أطفالاً أم لم تثمر.
إن هذا المفهوم ضروري وينبغي على المجتمعات إدراكه، لأن الأسرة عند الجميع تعني- مباشرة– الأطفال.
صحيح إن هذا أحد مكتسبات هذه المنظومة- إنسان جديد- وهو فطرة مودعة غريزة الأمومة والأبوة، ولكن الرجل والمرأة في نفس الوقت مطلوبان كذات أولاً، ثم تأتي المسائل الأخرى، لذلك فإن حكمة الله واضحة في هذه الآية الكريمة: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) ﴾ (الشورى: 49-50).
فالعقم في المجتمعات يعد عيباً كبيراً، بل ويجعل الحياة الأسرية لا معنى لها، وكأن الأسرة التي لا تنجب الأطفال لا طائل لها ولا فائدة ترتجي منها، ويغيب عن المشهد هذان الإنسانان اللذان بإمكانهما صناعة حياة بأكملها وإعداد أجيال وأجيال، وتربية آلاف الأطفال من خلال عطائهما الاجتماعي.
إن الأسرة المنشودة تتطلب وجود أسس تقوم عليها وأرضية صلدة ومهيئة لبداية حياة فيها الكثير من المسرات ولكنها مليئة أيضاً بالعوائق والتحديات أثناء التفاعلات الحياتية اليومية، أسس يعتمد وجود الأسرة على مدى قوتها ومتانتها، والتي بها قد تتحمل أقوى الهزات دون خسائر، وبدونها تسقط أمام هبة ريح خفيفة.
مرتكزان رئيسان يبنيان الأسرة ويوثقان أواصرها: الحب والتفاهم. فالأساس الأول والأهم في المعادلات الأسرية هو الحب، الحب الذي سمعنا عنه الكثير من الأقوال والأشعار منذ قديم الزمان حصيلة هائلة من الأغاني والأفلام والمسلسلات الكل يروي فيها قصص الحب ويصف المشاعر والأحاسيس الملتهبة آلاف التخيلات والتصورات وقصور الأحلام، والفارس ذو الجواد الأبيض وأساطير الأميرة النائمة و....
والغريب في كل ذلك هو أن الحب المقصود هو الحب خارج الإطار الأسري فقط، وهنا أتساءل أين الحب بين الرجل والمرأة في الأسرة؟ إلى أين يتسرب ذلك الشوق والحنين وتلك المعزوفات التي طالما دقت على أوتار القلوب؟ أين يختفي سحر الكلمات؟ كيف يتحول كل ذلك الحب واللهفة والخيال إلى روتين ممل كاسر وأسر بل وغالباً إلى صراع وصراخ وتهديد وإهانات وتجريح، بل إلى زجر وضرب وأحياناً إلى فراق؟
هذا هو الواقع، الحب بعد الزواج يتسرب من منافذ سرية، وهذه قد أصبحت قناعات اجتماعية «تبرمج» عليها الناس وتحولت إلى اعتقادات ومنها جاءت مقولات إذا دخل الزواج من الباب خرج الحب من «الشباك»، والحب شيء جميل ما لم ينته بالزواج، والحب والزواج لا يجتمعان.
إن ثمة تناقضاً عجيباً بين المسلمات الفطرية والعقلية وبين ما يفرزه لنا الواقع من أفكار ومفاهيم وقيم.
إن المفروض والمسلم بداهة أن يكون الزواج تتويجاً للحب، وأكثر من ذلك هو بداية للحب الحقيقي، حيث يرتبط الرجل والمرأة برباط وثيق متين وميثاق قوي غليظ.. من الصعوبة البالغة فكه وهذا وصف إلهي للزواج الله الذي خلقهما ووهبهما مشاعر الحب، فكيف لا يقوى الحب ولا يزيد، وهما بالزواج يعيشان يوميات الحياة، ويحولان أحلام الأمس إلى حقائق إلى أفراح مستمرة إلى أحاسيس متجددة ودفاقة؟
قد يعد هذا الكلام ضرباً من الخيال نسبة إلى واقعنا، ولكنها الحقيقة وإن كانت مغايرة تماماً لواقع أسرنا، إلا أن ذلك لا يغير الحقائق بل إن على مجتمعاتنا أن تعيد برمجة معلوماتها وتتجه بمفاهيمها نحو المفهوم الصحيح.
ولا شك أن الإعلام خلال عدة عقود مضت كان يحمل- ولا يزال - على نشر هذه الأفكار، فصور لنا الحب المفعم قبل الزواج والذي سرعان ما يتبخر بعد الدخول في العش الزوجي الذي يتحول إلى قفص ذهبي، ثم سجن ذهبي، ثم إلى سجن يتمنى الزوجان الخروج منه!
ولا شك أيضاً أن للإعلام دوراً رئيساً في إعادة صياغة العقل الاجتماعي، بعد أن ولد لدى الزوجين نظرة مسبقة عن الزواج بأنه بداية للمتاعب والمشاكل والبرود العاطفي، وكثيراً ما يردد أغلب الأزواج من أن أجمل أيام العمر كانت قبل الزواج أو في بدايته و(يا ليت تلك الأيام تعود).
فالحب الأساس الأول للأسرة وهو جعل إلهي (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: ۲1). إنها ليست المودة فحسب بل هو الشغف الذي يمس القلب فيجعله رحيماً شفوقاً، فيخشى الزوجان كل منهما على مشاعر الآخر، ويحرص على إسعاده هذا الجزء فطرة إنسانية ولكن تبقى مهمة الزوجين في كيفية الحفاظ على هذا الحب وإدامته وتجديده بحيث تشيع في الأجواء الأسرية مناخ المودة والرحمة مناخ لا يعرف التقلب بل هو معتدل طوال العام وطوال الحياة.
والخطوة الأولى لإدامة الحب هي نظرتنا إلى الحب والهدف الذي خلق لأجله الحب، وهذا ما سنتطرق إليه في العدد القادم بإذن الله.