العنوان أخلاق المجتمع الروسي بين الماضي والحاضر
الكاتب محمد علاء الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
في أوائل الثمانينيات قامت إحدى الصحف السوفييتية باستطلاع للرأي العام حول النواحي الأخلاقية في المجتمع الروسي خاصة، والسوفييتي عامة وكانت الأسئلة تدور حول علاقة الرجل بالمرأة والحياة الزوجية ومشاكل الأولاد، والتربية والتعليم، ولم يطرح الاستطلاع أي سؤال حول العلاقة المحرمة بين الذكور والإناث، لأنه في ذلك الحين لم يكن أحد يجرؤ على طرح مثل هذه الأسئلة، لأن النظام الشيوعي السابق كان يقوم بمحاربة البرجوازية ومن مظاهرها الجنس أو ما يكون بريدًا له، لأن ذلك يعتبر تقليدًا لأمريكا «أيام الحرب الباردة»، هذا من حيث العلن، أما في الخفاء–وحسب رواية شهود عيان– كان الزوج غالبًا ما يخون زوجته والزوجة تخون زوجها، لكن على نطاق ضيق من خلال الجوار والأصحاب، فما كانت توجد محلات عامة أو متنزهات تسمح بالفجور بشكل علني، لذلك كانت العلاقة المحرمة محصورة في أماكن محدودة، وكانت نسبة الأولاد الذين ولدوا بغير زواج نظامي لا تزيد على ١٠٪ من الأولاد النظاميين، والمقصود بالنظاميين أن لديهم أب وأم يعترفان بولدهما سواء كان الزواج شرعيًّا كزواج المسلمين، أو حسب العرف المحلي هذا ما كان عليه الحال في الماضي.
أما في الحاضر فقد جرى انقلاب على كل المستويات منه السلبي، ومنه الإيجابي، وما يخصنا فيه النواحي الأخلاقية، والتغيير الأخلاقي والاجتماعي مرتبط بشكل أو بأخر بالتطورات السياسية والاقتصادية والجغرافية التي جرى فيها الانقلاب وتغيير النظام وتقسيم البلاد، ووصول روسيا لوضعها الحالي غير المتوازن وغير المنضبط، مما انعكس وينعكس سلبيًّا على النواحي الأخلاقية، وأصبح الإعلام والمرئي منه خاصة ينشر بالصوت والصورة معًا ما كان يعتبر في الماضي من الممنوعات التي يحاكم عليها مرتكبها علنًا، وقد أصبح في موسكو وحدها أكثر من عشر محطات مرئية منها المحلي ومنها الخارجي، ومعظمها يبث موادًا أقل ما يقال عنها أنها غير أخلاقية ومضرة بالنشء والتربية عمومًا، عدا الأفلام التي تعلم الإجرام بأشكال وطرق حديثة فضلًا عن أفلام الرعب التي أصبحت في بلد المنشأ مرفوضة، وتوضع عليها قيود وشروط، وبالإضافة إلى ذلك فإن معظم الأفلام التي تبث عبر شاشات التليفزيون الروسي مستوردة، أما الإعلام المقروء فيكفي الإشارة إلى أنه توجد كتب ومجلات تتحدث عن الفجور دون أدنى حياء ودون أي مراعاة لمشاعر الأمومة والطفولة.
وعندما تجري مقابلة صحفية أو استطلاع للرأي حول النواحي الأخلاقية في المجتمع الروسي يكون أحد الأسئلة وبشكل عادي عن مرات الفجور خارج الإطار القانوني.
إن هذا السؤال وحده يكشف مدى التردي الأخلاقي الذي وصل إليه جزء كبير من المجتمع الروسي الذي ترسم خطى المجتمع الأمريكي والأوروبي المنحل أخلاقيًّا خطوة خطوة، وعليه فقد أصبح هناك تناقص المواليد، وأغلقت بعض المشافي الخاصة بالولادة، وزادت نسبة الأولاد غير الشرعيين بشكل ملموس حتى بلغت ۲۰٪ «حسب ما أوردته نشرة نوفوستي ١٩٩٦م» وزادت حوادث السرقة والنهب والاغتصاب، واقتسمت المافيات هذا المجتمع وقسمته إلى مقاطعات لكل مافيا نفوذ محدد ومتفق عليه مع المافيا الأخرى، والدولة عاجزة تمامًا عن درء هذه المخاطر مجتمعة لاعتبارات أهمها أن بعض أفراد الدولة نفسها شركاء للمافيات.
هناك فئة قليلة في المجتمع الروسي تسمى الشريحة المحافظة أو المتدينة، ونسبتها قليلة بالنسبة لمائة وأربعين مليون نسمة عدد سكان روسيا الاتحادية هذه الفئة القليلة تعاني معاناة شديدة من تردي الأوضاع، وتتحسس الآلام طالبة العون من مجتمع الإنسانية، والخلاص من هذا الوضع المؤلم، وقد بدأت صحوة دينية للأديان الثلاثة الإسلام الدين الحق، والنصرانية، واليهودية.
أما الإسلام وهو الدين الثاني من حيث عدد أتباعه في روسيا فإنه يشق طريقه وسط زحام من الأفكار والمعوقات الداخلية والخارجية، ويسعى المسلمون في روسيا كغيرهم من المصلحين لإصلاح المجتمع الروسي لأنهم جزء منه، فقد بلغ عدد المسلمين ۲۰ مليون مسلم من أصل ١٤٠ مليون نسمة ولكن عملية إصلاح المجتمع مهمة عظيمة تحتاج إلى جهود جبارة وإلى تعاون وتكاتف بين كل المؤسسات الإنسانية التي تعمل لخير البشرية بغض النظر عن الانتماء المذهبي أو العرقي، وقد سمحت الحكومة الروسية أخيرًا بإنشاء مؤسسات خيرية إنسانية وبعضها جاء من الخارج ليشارك في عملية الإصلاح.
إن سماح الحكومة الروسية بالعمل لمؤسسات إنسانية وإسلامية ومساعدة أصحاب الأديان الثلاثة في روسيا يبقى أملًا بالنفوس يدفع المصلحين داخليًّا وخارجيًّا لمواصلة الجهد والدعم «وقليل دائم، خير من كثير متقطع».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل