; تونس: أضواء على الدستور الجديد | مجلة المجتمع

العنوان تونس: أضواء على الدستور الجديد

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013

مشاهدات 76

نشر في العدد 2051

نشر في الصفحة 34

السبت 04-مايو-2013

  • صلاحيات أوسع لمنصب الرئيس في الدستور التونسي الجديد.
  • أكد إسلامية تونس وعمقها الإسلامي والعربي.
  • حق الرغبة في التعديل للدستور يكون لرئيس الجمهورية وثلث نواب «مجلس الشعب» فيما لا يتعارض مع أحكام هذا الدستور.

تحتفل تونس هذه الأيام بميلاد أول دستور نابع من إرادة شعبية في تاريخها، إذ إن أغلب الدساتير التي عرفتها البلاد، كانت دساتير مسقَطة على الشعب، تماماً مثل القوانين التي سادت في البلاد ولم تكن نابعة من عقيدة الشعب وإيمانه الراسخ، وما يتبع ذلك من التزام بمقتضيات ذلك الإيمان الراسخ، والنزول عند حدوده أمراً ونهياً، عبادات ومعاملات، مبادئ وأسساً، ومقاصد.

ولذلك كانت توطئة الدستور التونسي الجديد واضحة في هذا السياق، فهي لم تغفل أهداف الثورة التي توجت ملحمة التحرر من الاستعمار والاستبداد، وحققت انتصاراً لإرادة الحرية، ووفاءً للشهداء وتضحيات الأجيال المتعاقبة، وفي سبيل القطع النهائي مع الظلم والفساد والحيف، كان لابد من تأسيس الدستور على ثوابت الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال، والتي لا تختلف مع القيم الإنسانية السامية، ولا المخزون الحضاري للشعب التونسي، وهو ما يؤكد تمسك البلاد بما حققته من المكاسب الوطنية، وكل ذلك من أجل بناء نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي تكون فيه الدولة مدنية تقوم على المؤسسات، وتتحقق فيها السلطة للشعب، على أساس التداول السلمي على الحكم، ومبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حق التنظيم القائم على التعددية والحياد الإداري والحوكمة الرشيدة، والانتخابات الحرة هي أساس التدافع السياسي، ويقوم فيه الحكم على احترام حقوق الإنسان وعلوية القانون واستقلالية القضاء.

ويحظى الإنسان الفرد والمجموعة وكذلك قضايا الأمة المعطلة في الدستور التونسي الجديد بأهمية بالغة وفق التصور الإسلامي، وبناء على منزلة الإنسان كائناً مكرماً؛ ﴿لّقّدً كّرَّمًنّا بّنٌي آدّمّ﴾ (الإسراء: 70)، وتوثيقاً للانتماء الثقافي والحضاري للأمة انطلاقاً من الوحدة القائمة على المواطنة والأخوة والتكافل الاجتماعي، وعملاً على إقامة الوحدة المغاربية خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية، ونحو التكامل مع الشعوب الإسلامية والشعوب الأفريقية والتعاون مع شعوب العالم، وانتصاراً للمظلومين في كل مكان، ولحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التحرر العادلة وعلى رأسها حركة التحرر الفلسطيني.

الحقوق الأساسية

وبناء عليه، كان الفصل الأول «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها ،» وقد تم الإبقاء في الفصل الثاني، على العلم والنشيد الرسمي للدولة، وشعار النظام والحرية والعدالة، ويشير الفصل الثالث إلى أن «الشعب هو مصدر السلطات، يمارسها عبر ممثليه المنتخبين انتخاباً حراً، وعبر الاستفتاء»، وفي الفصل الرابع تأكيد على أن «الدولة راعية للدين، وكافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وحامية للمقدسات، ضامنة لحياد دور العبادة عن الدعاية الحزبية »، كما يولي الفصل الخامس أهمية للحريات الفردية «الإنسان كائن مكرم، يحجر مطلقاً الاعتداء على حرمته الجسدية والمعنوية»، وهو ما أوضحه الفصل السادس «الدولة تضمن للمواطنين الحقوق الفردية والعامة، وتوفر لهم أسباب العيش الكريم، ويحجر عليها نزع الجنسية عنهم، وتسليمهم للجهات الأجنبية، وتغريبهم، ومنعهم من العودة إلى الوطن».

ويضمن الفصل الثامن «حرية الفكر والتعبير والإعلام والنشر وحق الاجتماع  والتظاهر»، ويشير الفصل التاسع لحقوق المرأة؛ إذ يؤكد أن «على الدولة حماية حقوق المرأة ورعاية كيان الأسرة والحفاظ على تماسكها، وضمان حقوق الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية».

وإن كان الفصل الثاني عشر يحمل المواطنين واجب الحفاظ على وحدة الوطن والدفاع عن حرمته والامتثال للقوانين وأداء الضرائب، فإن الفصل الذي يليه يؤكد أن «الخدمة الوطنية وجوبية على المواطنين حسب الصيغ والشروط التي يضبطها القانون »، ويعتمد الدستور في الفصل الرابع عشر «اللامركزية » فهي «أساس التنظيم الإداري الجهوي، والمحلي مع الحفاظ على الشكل الموحد للدولة »، إضافة إلى أن «الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، وتعمل وفق مبدأ الحياد وقواعد الشفافية والنزاهة»، وهو ما أشار إليه الفصل الخامس عشر.

مبادئ ثابتة

يشير الدستور إلى أن حق الرغبة في التعديل للدستور يكون لرئيس الجمهورية، وثلث نواب «مجلس الشعب » فيما لا يتعارض مع أحكام هذا الدستور، وهو يشرحه البند الثالث «لرئيس الجمهورية كما لثلث نواب مجلس الشعب، حق المبادرة بطلب تعديل الدستور»، إلا أنه «لا يقبل أي مقترح لتعديل الدستور إلا بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية، يثبت أن المقترح لا يتعلق بالمواد التي ينص الدستور على منع تعديلها، وبعد موافقة مجلس الشعب بالأغلبية المطلقة على مبدأ التعديل »، و «لا يتم التعديل إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب، وبحصوله على الأغلبية المطلقة إثر عرضه على الاستفتاء الشعبي»، ولا يتم التعديل إلا بعد مرور خمس سنوات، كما «لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من الطابع الجمهوري للنظام والصفة المدنية للدولة ومن الإسلام باعتباره دين الدولة واللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية ومن مكتسبات حقوق الإنسان وحريته المضمونة في هذا الدستور .

ويؤكد الدستور أن «جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم »، و «منع كل أشكال التعذيب المادي والمعنوي ،» و «لا يعفى من المسؤولية كل من أمر به أو نفذه »، و «تجريم كل اعتداء على المقدسات الدينية »، كما يؤكد أن تكوين الأحزاب والجمعيات متاح وبشكل مطلق، على أن تلتزم الأحزاب والجمعيات بأحكام الدستور، أما الإضراب فهو مكفول بشرط أن «لا يعرِّض حياة الناس وصحتهم أو أمنهم للخطر. .»

كما اعتبر الدستور الجديد أن «الصحة حق أساسي لكل مواطن و «تكفل الدولة بالرعاية الصحية للمواطنين، وضمان العلاج المجاني لذوي الدخول المحدودة، وحق الأسرة والرعاية الأسرية، وحقوق إضافية لذوي الاحتياجات الخاصة »، والحق الثقافي لكل مواطن، و «على الدولة تشجيع الإبداع الثقافي إنتاجاً واستهلاكاً بما يدعم الهوية الثقافية في تنوعها وتجددها ويكرس قيم التسامح ونبذ العنف »، وهناك فصول حول الرياضة والحوار الحضاري، وحماية الموروث الثقافي والترفيه والسياحة، وحق الانتخاب والترشح لعضوية «مجلس الشعب»، وهو حق كل تونسي بلغ سن 23 عاماً، وحددت الفترة النيابية بخمس سنوات.

صلاحيات واسعة للرئيس

وكشفت النسخة المعدلة من الدستور التونسي الجديد الذي يتوقع أن يصادق عليه قريباً عن صلاحيات واسعة للرئيس الذي حددت مدة ولايته بخمس سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة، ويشير الفصل 66 من الدستور إلى أن «الرئيس يُنتخب مباشرة من الشعب ولمدة خمسة أعوام قابلة للتجديد مرة واحدة خلال الستين يوماً الأخيرة من المدة الرئاسية الولاية انتخاباً عاماً حراً مباشرا، سرياً وبالأغلبية المطلقة للأصوات المصرح بها »، وفي صورة عدم حصول أي من المترشحين على الأغلبية المطلقة في الدورة الأولى، ويشير الفصل المذكور إلى «تنظيم دورة ثانية يوم الأحد الموالي ليوم الاقتراع، ولا يمكن أن يتقدم للدورة الثانية إلا المترشحان الحاصلان على أكثر عدد الأصوات في الدورة الأولى، وذلك طبق الشروط المنصوص عليها بالقانون الانتخابي، وإذا تعذر إجراء الانتخابات في ميعادها بسبب حالة حرب أو خطر داهم، فإن المدة الرئاسية تمدد بقانون يصادق عليه مجلس الشعب وذلك إلى أن يتسنى إجراء الانتخابات.

ورغم الصياغة التي تحتاج لمراجعة، إلا أن المادة 67 من الدستور تشير بوضوح إلى تحديد سن المترشح لرئاسة الجمهورية، وعدم إمكانية تجاوزه لسن ال 75 عاماً، إضافة لمنع من لديهم جنسية أخرى من الترشح؛ «الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخب أو ناخبة حامل للجنسية التونسية بالولادة دون سواها ودينه الإسلام»، كما يجب أن يكون المترشح يوم تقديم ترشحه بالغاً من العمر أربعين سنة على الأقل، وخمساً وسبعين سنة على الأكثر، ومتمتعاً بجميع حقوقه المدنية والسياسية.

ويعطي الدستور التونسي صلاحيات واسعة للرئيس، منها تمثيله لوحدة البلاد واستقلالها واستمرارها والسهر على احترام الدستور والمعاهدات وحقوق الإنسان، وتمثيل الدولة، وتعيين مفتي البلاد، والقيادة العليا للقوات المسلحة والأمن الوطني، وإعلان الحرب، وإبرام السلم بعد موافقة «مجلس الشعب»، وإعلان الطوارئ، وإرسال قوات مسلحة للخارج، والتعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية والأمنية العليا، وتعيين جهاز المخابرات، واعتماد ممثلي الدول الأجنبية السفراء، ورسم السياسة الخارجية بالاتفاق مع البرلمان، وختم القوانين، وغيرها من الصلاحيات.


الرابط المختصر :