; أنا أحبك يا بلادي | مجلة المجتمع

العنوان أنا أحبك يا بلادي

الكاتب أحمد مصطفي

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011

مشاهدات 85

نشر في العدد 1955

نشر في الصفحة 38

السبت 04-يونيو-2011

«يا بلادي، يا بلادي، أنا بحبك يا بلادي، يا بلادي، يا بلادي، أنا بحبك يا بلادي»، لم تفارق كلمات هذه الأغنية رأسي منذ سمعتها لأول مرة، ربما لأنها الكلمات التي غنيتها داخلي طوال عمري، أو ربما لارتباط هذه الأغنية بالشهداء الذين سقطوا في «ثورة ٢٥ يناير» المباركة، هؤلاء الشهداء الذين لم أتمالك نفسي من البكاء كلما رأيت صورة لأحد منهم أو شاهدت أحدًا من أهلهم.

كنت مع أول موجة من الثوار الذين وصلوا إلى مطلع «كوبري فيصل»، وما كدنا نصل حتى امتلأت السماء بسحب الغازات المسيلة للدموع، ولم يعد يسمع سوى أصوات إطلاق هذه الغازات، ثم بدأ الاشتباك مع قوات الأمن بالحجارة، مضت ساعتان تقريبا من الكر والفر، حتى انطلق فجأة أذان العصر، فسكت الجميع وخفتت الأصوات ثم انتهى كل شيء. 

كانت هذه إحدى لوحات الثورة يوم «جمعة الغضب» «٢٨/ ١/ ٢٠١١م»، وهو اليوم الذي حوّل ٢٥ يناير من مظاهرة كبيرة في ميدان التحرير إلى ثورة شعبية هادرة لم يستطع جند فرعون قمعها أو وقفها، وظلت تسير بقوة وعنفوان حتى وصلت أو كادت تصل إلى محطتها الأخيرة، لكن السؤال الحقيقي الذي لم يسأله سوى القليلين: متى بدأت هذه الثورة بالفعل؟ هل هو يوم ٢٥ يناير ۲۰۱۱م، أم هو يوم آخر؟ وللإجابة عن هذا السؤال، اسمحوا لي بالرجوع للوراء قليلًا، قليلًا.

المكان: كلية الهندسة.

الزمان: أحد أيام سنة ١٩٩٦م. 

«اتنين اتشطبوا من القائمة الابتدائية يا مغير إنت واحد منهم».

هكذا قال لي أحد زملائي في الكلية بعد ظهور القائمة الابتدائية لمرشحي اتحاد طلاب الكلية، صحيح أن كل مرشحي التيار الإسلامي لانتخابات اتحاد طلاب الكلية تم شطبهم في القائمة النهائية، ولم يبق سوى مرشحين أو ثلاثة منهم «أو «أسرة المنار» كما يعرفها طلاب الكلية، وهم بالإضافة إلى الطلاب المحسوبين على أمن الدولة كانوا هم فقط الذين يترشحون للانتخابات»؛ إلا أنني كنت أشعر بالفخر والاعتزاز أمام زملائي، حيث إنني كنت من أوائل المغضوب عليهم من إدارة الكلية وأمن الدولة، فكنت في صدارة من تم شطبهم، برغم أنها كانت السنة الأولى لي بالجامعة، ولم يتعرف علي أمن الكلية بعد، لكنني اعتبرتها إشارة على «توصية خارجية» تستدعي أن أفتخر كوني في القائمة السوداء لأمن الدولة منذ اللحظة الأولى!

وسام الشرف:

لا تستغربوا، فقد كان معيارنا نحن في هذا الوقت أن أي شخص مغضوب عليه من هذا النظام ويدخل في قائمته السوداء يستحق وسام الشرف والوطنية؛ لأنه قال لهذا النظام: «لا»، لم يكن الكثيرون في الكلية وقتها يقولون هذه الكلمة أو حتى يعرفون معناها، فقد كانت مصطلحات أخرى مثل «نعم»، «اللي تأمر بيه»، «امش جنب الحيط»، هي الأكثر شهرة ورواجا وكانت الأكثر شعبية، رغم أننا -أصحاب كلمة «لا»- لم نخسر أي انتخابات حقيقية في الكلية أو الجامعة «جامعة القاهرة»، ولم نفقد الأغلبية في الاتحادات إلا عندما صارت إدارات الكليات تتجاهل الأحكام القضائية بإدراجنا في كشوف الترشيح، حيث كانت هذه الإدارات في البداية تعمد إلى شطب أسماء مرشحينا من كشوف الترشيح الرسمية، فنعمد إلى رفع قضية مستعجلة في مجلس الدولة، يتم الفصل فيها في العادة خلال يومين على الأكثر برجوع كل مرشحينا إلى الكشوف الرسمية، وظلت هذه السياسة متبعة حتى قرر النظام إطفاء آخر شعلة للحرية والقضاء على آخر معقل لانتخابات نزيهة داخل الجامعات بعد أن قضى عليها في النقابات، وكان هذا عام ۱۹۹۸م، وهي آخر سنة أقيمت فيها انتخابات نزيهة لاتحادات الطلاب في جامعات مصر، ثم بدأت سياسة جديدة وهي تجاهل تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بإلزام الكليات إدراج طلاب التيار الإسلامي في كشوف المرشحين، وأصبحت الانتخابات عبارة عن مسرحية هزلية، ولم تعد كشوف الانتخابات تحتوي على غير أسماء الطلاب التابعين لأمن الدولة، واختفى صندوق الاقتراع من الجامعة، ولم يعد يراه أحد، وتم تشييعه نهائيًا إلى إحدى حجرات التخزين، وأصبح ما يطلق عليه انتخاب يتم بالتزكية، أو بمعنى آخر «التعيين».

تحد وإصرار:

كانت فترات عصيبة في تاريخ الحريات، لكنها كانت الفترة الأكثر بهجة وإمتاعًا في حياتنا، فلقد ملات روحنا بالتحدي والإصرار، كنا نخرج في مظاهرات للاعتراض على قرارات الإدارة المجحفة والظالمة، وكنا نتظاهر للأحداث المحلية والإقليمية وحتى العالمية، حولنا إلى لجان تحقيق وإلى لجان تأديبية، وعوقبنا واعتقل منا العشرات وضربوا وعذبوا -وأنا منهم- وحبسوا بالأيام والشهور والسنين، وقتل من قتل تحت وطأة التعذيب «أحد زملائنا قتل في مقر أمن الدولة بجابر بن حيان بسبب التعذيب في شهر رمضان المبارك»، لكن ذلك لم يزدنا إلا إصرارًا وعزيمة.

إن هؤلاء الشباب في جامعات مصر هم الشرارة الأولى الحقيقية للثورة العظيمة التي حدثت في الخامس والعشرين من يناير، لقد شاركت معهم في المظاهرات وتعرضت معهم للضرب والتنكيل والغازات المسيلة للدموع وللرصاص المطاطي، وحتى مشهد دهس المتظاهرين لم يكن غريبًا على فقد شاهدته في عام ٢٠٠٠م وقت المظاهرات الداعمة لانتفاضة الأقصى، فقد دهست مدرعة للأمن المركزي أمام عيني العشرات من المعتصمين أمام كليتي «كلية الهندسة»، وأصابتهم إصابات مختلفة، ولم يكن المعتصمون يشكلون أي خطر، خاصة أنهم كانوا جالسين على الأرض.

ثورة تونس:

لن يكون مستغربًا الآن أن أقول: إن محمد القصاص، وإسلام لطفي، ومصطفى محمود، وغيرهم من الموجودين في الساحة السياسية كانوا أصدقاء لي فترة الجامعة، وكانوا من نشطاء التيار الإسلامي كل في كليته، وظللت أنا وهم وكل أطياف النشاط الإسلامي والوطني نقول كلمة: «لا»، حتى بدأ يفهمها المجتمع رويدًا رويدًا، فتأسست بعدها حركة «كفاية»، ثم حركة «6 أبريل»، وبدأت الحياة تدب في المجتمع من جديد حتى قام المارد وحطم الأغلال وثار ثورته التاريخية في الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١م، والتي كانت شرارة انطلاقها وملهم تفجرها هي الثورة المباركة التي حدثت في تونس، التي كانت مفاجأة للجميع، للأنظمة والشعوب.

إن القمع والإرهاب والدكتاتورية تفرض ستارًا حديديًا على الحقائق، وتعمل بشكل حثيث على تشويه الحقيقة تدريجيًا، حتى أنها تشوّهها داخل الفرد نفسه؛ فيصل إلى درجة أنه يصدق الأوصاف المشوهة التي يصفه نظامه بها، حتى إذا كسر أحدهم القيد، وتشكلت فجوة صغيرة داخل الضباب؛ بدأت أشعة الحقيقة في الدخول تدريجيًا حتى تملأ المكان وتزيح الضباب؛ فيفاجأ الشعب ومن حوله بحقيقة كينونته وطهارة سريرته وقوة عزيمته. 

لا يمكن الحديث عن الثورة في مصر بمعزل عن الثورة في تونس؛ لأن ثورة تونس في الحقيقة كانت هي الشرارة التي أشعلت الثورة المصرية العظيمة، فالذي يرى الأمل وهو ينعكس على عيون شباب مصر وهو يشاهد ويسمع بالصوت والصورة ثورة أشقائه؛ كان لا بد أن يدرك أن الدور القادم على مصر، لم نكن نفهم معنى كلمة أمل من قبل، فقد كان النظام هو الذي يطبع القواميس ويحدد المعاني والمرادفات، وكان أقصى فهم لهذه الكلمة في مصر هي الحصول على شقة متواضعة ولو بالإيجار، وتوفير الحد الأدنى الذي يبقي الإنسان على قيد الحياة.

  • إرهاصات الثورة بدأت مع القمع المتواصل الذي مورس ضد الشعب أكثر من عقدين من الزمان.
  • تعرضت للشطب من كشوف المرشحين لانتخابات اتحاد طلاب كلية هندسة القاهرة مثل آلاف من التيار الإسلامي في مختلف جامعات مصر.
  • كانت الانتخابات عبارة عن مسرحية هزلية ولم تكن كشوف الانتخابات تحتوي غير أسماء الطلاب التابعين لأمن الدولة، وأصبح الانتخاب يتم بالتزكية أو بمعنى آخر التعيين.
  • حولنا إلى لجان تأديبية وعوقبنا واعتقل منا العشرات وضربوا وعذبوا -وأنا منهم- وحبسنا بالأيام والشهور والسنين وقتل من قتل تحت وطأة التعذيب.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

147

الثلاثاء 21-أبريل-1970

حول العالم - العدد 6

نشر في العدد 499

100

الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

باختصار (499)

نشر في العدد 498

128

الثلاثاء 23-سبتمبر-1980

اتهامات خطيرة حول كلية الهندسة