العنوان مبارك الخاطر .. فقيد الأدب والتاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1446
نشر في الصفحة 55
السبت 14-أبريل-2001
جدد العمل الإسلامي بالبحرين، واهتم بتربية الشباب على الخلق والدين
فقدناه ليلة الجمعة المباركة الخامس من محرم الحرام ١٤٢٢هـ، إنه الاستاذ مبارك الخاطر، أذكر فيه حرقته على الدين وأهله، وحماسته الشبابية التي رافقته لآخر عمره وآدبه وجميل سبكه لعبارات ما يكتبه، وشعره الذي كنت في صغري أستصعبه، وفي يفاعتي أستعذبه، شعره الذي نافح به عن إخوان العقيدة والدين.
أذكره فأذكر أبًا رحيمًا بأبنائه، وأخًا مشاركًا لتلاميذه، وصديقًا مخلصًا لخصومه، قد صقلته دعوة الله وأبصر بثاقب فكره مكر أعداء الله، وتجاهلهم لدينهم، وعربيتهم وقيمهم وجميل العادات والتقاليد، فأخذ على نفسه تربية الشباب على الخلق والدين، ولقد رأيتني وإخواني تعجب من كهلين جالسين في حلقة العلم التي كنت أغشاها، فأحدهما كان شيخنا الفاضل المربي عبد الرحمن بن علي الجودر، الذي ملكنا بأخلاقه قبل علمه، والثاني هو فقيدنا الأستاذ المربي مبارك الخاطر، الذي كان لكلامه وقع في نفس كل متطلع للعربية والشعر والأدب والدين، وقلما كانت حلقات العلم في البحرين، وفي مدينة عيسى خصوصًا أن تشاهد عالمين جليلين طاويين الركب أسبوعيًّا؛ لتعليم أمل الأمة وتأديبهم، وقد أينعت شجرة إخلاصهم بطلاب بلغوا من العلم والفضل في المجتمع منزلة، يحسدون عليها.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ (الفاتحة: 5): كلما قرأت هذه الآية من كتاب الله دعوت للأستاذ الخاطر حيًّا وسأترحم عليه ميتًا، ذلك أنه جمعتنا به جلسة عفوية بعد صلاة العصر، وكنت يومها في مرحلتي الإعدادية الأولى، وكان ذلك في الجامع الشمالي بمدينة عيسى، وأبى - يرحمه الله - إلا أن يغرس فينا مبحثًا عقديًّا ولغويًّا في آن واحد بأسلوب شائق وجميل، فبين لنا جميل اللغة وانتقد من يقرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بكسر الباء، ففتشنا في أنفسنا فوجد بعضنا عدم اكتراثه بالكسرة أو الضمة، وبعدها لم تفارق الضمة تلك الباء ما حيينا، فرحمة الله على معلم الناس الخير.
قفشاته الأدبية
لا يفوت من لقي الخاطر خفة دمه الممزوجة بطعم النحو والشعر والأدب، وقلما كان يمرر الكلمة الخاطئة لقائلها حتى إنك تحسب عند كلامك أمامه ألف حساب.
إن دعاة الله يحتاجون لمثل هذه النفسية الراقية، ولقد كنت صاحب طبيعة مرحة فجمعتني معه مواقف كثيرة لا أنساها، خاصة عند بناء بيته الذي غدا يطل على قبره، ويا سبحان الله كان مكتبه الذي أحبه أبى إلا أن يرافقه مدى الزمان، ولو بنظرة حزينة دائمة لجدث صاحبه.
ولكم كنت أتمنى أن يؤرخ فقيدنا للعمل الإسلامي في البحرين وثماره الطيبة، ورجائي لأهله أن يبحثوا لربما سطر شيئًا من ذلك نسعد به ونقيم أنفسنا به، وهي دعوة لتلميذه الأخير الأستاذ الشاعر المجيد خليفة ياسين بن عربي أن يخلد سيرة هذا الرجل كتابًا تقرؤه أجيال تربت على يده، وأجيال تتساءل من هو مؤرخ البحرين في هذا القرن بلا منازع؟
لقد كنا في حلقة الأدب الإسلامي التي أسسها، وانتقانا لها، تحضر هذه الأيام ليوم تتذكر فيه فقيد شعراء الخليج الدكتور القطري محمد قطبة - يرحمه الله - الذي فارقنا غداة يوم عرفة، وكان أستاذنا قد كتب قصيدة رثائية جميلة، وهي من آخر ما نظم، وكان سيلقيها في ذلك اليوم لكن القدر لم يمهله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: 37)، ومن العجيب أن كثيرًا من أبياتها، يقول: إن الشاعر الخاطر كان ينعي نفسه؛ إذ يقول:
خسرناك لم نعلن بخسراننا الذي
فجمنا به.. يا للفجاءة بالخسر.
ربحناك بضعًا من سنين عزيزة
توقع ألحانًا بقيثارة الشعر.
تشنف بالأشعار أذاننا فكم
أزحت بها سدًّا من الوقر مستشري.
تكرس بالأشعار دعوة أحمد
فأنت بها تحري... وأنت بها تثري.
فقدناك حتى هدنا الفقد وأنثنى
بنا ظهر حزن مستمد من الضر.
فقدناك فقدًا فاجعًا ليس مثله
من الفقد أورثنا فراغًا لدى الفكر
إليك تحايانا دعاء نزفه
إلى الله أن يغمرك بالنور في الحشر.
وأن يرع أعمالًا أقمت عمودها
صلاحًا وتقوى واستباقًا إلى الفجر .
إبراهيم محمد الحادي
خطيب جامع الجسرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل