; تعليقًا على سلسلة «في فقه السياسة» (2).. الدولة في الإسلام هل هي مجرد حارس؟ | مجلة المجتمع

العنوان تعليقًا على سلسلة «في فقه السياسة» (2).. الدولة في الإسلام هل هي مجرد حارس؟

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001

مشاهدات 116

نشر في العدد 1450

نشر في الصفحة 66

السبت 12-مايو-2001

يتضح من حديث الإمام حسن البنا عن وظائف الحكومة في النظام الإسلامي أنه يقول: بما يسمى الآن «دولة الرعاية» التي تتدخل في تنظيم الحياة العامة، وترعى العمران البشري، وتقوم بواجباتها في نشر التعليم، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة بجانب واجباتها الأصلية كدولة حارسة، تعمل على صيانة الأمن، وإنفاذ القانون، وإعداد القوة، وذلك كله في إطار الواجبات الإضافية التي تميزها في الأصل كدولة «فكرة» ذات رسالة وهي: تقوية الأخلاق، ونشر الدعوة.
يقول البنا: «لا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة صماء لا روح فيها، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها» «رسالة نظام الحكم». 
وعندما تحدث عن الأصول العشرة التي يقوم عليها النظام الاقتصادي جعل الأصل التاسع منها: تقرير مسؤولية الدولة في حماية هذا النظام، وعندما تحدث عن برنامج الإصلاح الاجتماعي الإسلامي جعل من ركائزه إصلاح التربية والتعليم، والعناية بالصحة العامة، وتوجيه الإعلام والفن، وتنظيم السياحة والاصطياف، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسائل الإمام خاصة «نحو النور»، و«مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي»
الدولة عند البنا وسيلة وليست غاية إلا أنها وسيلة لا غنى عنها، ووظيفتها الأساسية تنفيذ أحكام الإسلام وتبليغ دعوته ومراعاة شعائره.
وهي تقوم في تصوره على ثلاثة مبادئ تمثل في مجموعها محور وجودها السياسي وهي «العدل- والحرية- والجهاد».
وخصائص هذه الدولة: هي خصائص الإسلام نفسها وفي الأساس هي:

  1. دولة دعوة ورسالة.          

  2. دولة عالمية.

  3.  دولة محكومة بسلطان الشريعة لا انفكاك لها عنها؛ وهي بذلك ليست دولة دينية «ثيوقراطية» بالمعنى الغربي، وهي موحدة السلطة التي تستمدها من الأمة، وليس لعلماء الدين وضع خاص فيها.

ووظائفها كما قدمنا يمكن تلخيصها في:
وظائف أساسية هي: الأولى: بناء نظام سياسي يجسد عمليًّا القيم الإسلامية، الثانية: تحقيق العدالة، ويدخل في ذلك العدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية بتوفير حد الكفاف، الثالثة: نشر الدعوة والجهاد «راجع الفكر السياسي عند الإمام الشهيد لإبراهيم غانم». 
ومن الناحية العملية سنجد أن القيام بهذه الوظائف يقتضي من الباحثين النظر في إمكان تصور حكومة حارسة فقط، وكيف يمكن لهذه الحكومة الحارسة القيام بمثل هذه الوظائف، إذًا لابد من تدخل الدولة إلا أن هذا التدخل لا يجب أن يخل بحقوق الأفراد، وهذا ما ينبغي التفكير فيه، أي كيف تحقق التوازن بين الحكومة والأفراد، وبين الدولة والمجتمع؟
آراء المفكرين الآخرين: لم يكن ذلك رأي الإمام البنا وحده، بل شاركه فيه مفكرون آخرون من أبرزهم الإمام المودودي- يرحمه الله- حيث يقول في رسالته «منهاج الانقلاب الإسلامي» عام ١٩٤٠م: «وإني على مثل اليقين في نفسي من أنه لو خول المسلمون اليوم أن يؤسسوا دولة لهم في بقعة من بقاع الأرض لما استطاعوا أن يقوموا بإدارة شؤونها وتسيير دفتها وفق المبادئ الإسلامية ولا ليوم واحد، فإنكم معشر المسلمين لم تعدوا المعدات اللازمة، ولا هيَّأتُم العوامل الكافية لتنشئة رجالكم وشبابكم على الطراز المخصوص للتفكير والأخلاق الذي تحتاج إليه الدولة الإسلامية لتسيير دفة أمرها، وتنظيم دوائرها العديدة المتشعبة من الشرطة والقضاء والجند والخراج والمعارف والشؤون المالية والسياسية الخارجية».
ويعلق الدكتور حامد عبد الماجد قويسي في رسالته القيمة «الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية» وهي أطروحته لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية قائلًا: «فبعد أن يرفض المفكر أبو الأعلى المودودي مفهوم الدولة القومية- كما ظهر في الخبرة الأوروبية- وما ارتبط به من وظائف الدولة الحارسة، فالدولة الإسلامية ليست مهمتها تنفيذ واجبات الشرطة فحسب بحيث يكون عملها الضبط والربط وإقرار النظام وحفظ الحدود فقط، وإنما هي دولة ذات هدف وغاية» ويوافق المودودي على تدخل الدولة حيث يقول «تحطمت اختصاصات الحكومة في كل مكان وظللت الحياة الاجتماعية كلها». 
ويرى المودودي أن الدولة الإسلامية تعمل لغايتين كبيرتين: الأولى: إقامة العدل في حياة البشر والقضاء على الظلم والجور، الثانية: إقامة نظام «إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة» عن طريق ما تملكه الحكومة من طاقات ووسائل.
الحكومة عند المودودي ذات رسالة أي «داعية» تحاول إقامة الدين في دائرة سلطتها وتجتهد في عرض «الرسالة- الدعوة» على الأمم الأخرى.
أما د حامد ربيع «الأستاذ الرائد في العلوم السياسية»: فيحدد أهداف النظام السياسي في الإسلام في ٤ أهداف هي:

  1.  بناء نظام سياسي يعبر عن المفاهيم والمثاليات التي صاغها الكتاب والسنة.

  2.  تمكين المسلم من تحقيق ذاته الفكرية.

  3.  تحقيق العدالة إزاء المسلم وغير المسلم.

  4.  نشر الدعوة وتنظيم الجهاد.

وهذا النظام المثالي للدولة في الإسلام بسطه حسن البنا  في إحدى محاضراته في صورة هيكل مبني على دعائم أربعة ومحمي بسورين عظيمين.

أما الدعائم الأربعة فهي:
- العقيدة الصافية.
- والعبادة الصحيحة.
- والوحدة التي تجمع الأمة.
- والتشريع العادل المستمد من كتاب الله لا المستمد من الأهواء
وأما السوران فهما:

  1.  الحكومة الإسلامية التي تقوم على حراسة الناس في دينهم ودنياهم.

  2.  والجيش لحفظ استقلال الأمة والدفاع عن حوزتها.

وعندما يتطرق الدكتور عبد الكريم زيدان لمقاصد الحكم في الإسلام يبين أن الحكم في الإسلام وسيلة لا غاية، وأن الفقهاء حددوا المقاصد بقولهم «الأمة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به»، وحراسة الدين تقتضي حفظه، وذلك بإبقاء حقائقه ومعانيه حية ونشرها بين الناس، وكذلك تنفيذه وذلك بتطبيق أحكامه.
أما سياسة الدنيا بالدين فهي تعتمد على:
- إقامة العدل بين الناس.
- إشاعة الأمن والاستقرار.
وهذه من وظائف الدولة الحارسة، ثم:
- تهيئة ما يحتاجه الناس.
- واستثمار خيرات البلاد.
ويقول في رسالته القيمة «الفرد في الشريعة الإسلامية» عن حق العلم للأفراد: «لا شك أن العلوم التي ظهرت في مختلف مجالات الحياة وتحتاجها الأمة أصبحت من الفروض الكفائية التي يجب أن تقوم بها الدولة باعتبارها ممثلة ونائبة عن الأمة، وهذا يقتضيها تسهيل سبل العلم إلى المواطنين».
ولاشك أن قيام الدولة بواجبها الأساسي في الدفاع والحماية كدولة حارسة يقتضي منها تقوية الجيش، وهذا يتطلب مجمع صناعي عسكري ضخم تدعمه مؤسسات علمية وبحثية متشعبة.. فهل تقوم الدولة بذلك أم توكله إلى الأفراد؟
وعندما تطرق إلى حق الفرد في كفالة الدولة بين أنه يقصد أن الفرد يجد ضمانًا عامًا من الدولة عند الحاجة والعوز، وأن الدولة عليها أن تهيئ سبل الكسب للأفراد، وأن تكفلهم من بيت المال، وإذا عجزت انتقل هذا الواجب إلى القادرين من أفراد المجتمع، وإذا امتنع الأغنياء فإن الدولة تجبرهم على ذلك.
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل