; الرسائل العامة الموجهة إلى الملوك والوزراء | مجلة المجتمع

العنوان الرسائل العامة الموجهة إلى الملوك والوزراء

الكاتب جابر قميحة

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997

مشاهدات 119

نشر في العدد 1243

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 25-مارس-1997

● كتب لصدقي باشا رئيس الوزراء: موقفكم ضعيف متخاذل وقد تضامنتم مع الغاصبين وعليكم أن تتركوا الحكم لمن هو أقدر منكم.

● الإمام الشهيد يوصي الإخوان في آخر رسائله بنظافة الضمير والتفكير واللسان والمظهر والمسكن والقول والسلوك والعمل

● الإمام البنا يخاطب الملك فاروق والنحاس وملوك ورؤساء دول العالم الإسلامي في رسالة وجهها لهم في سنة ١٣٦٦هـ

بقلم الدكتور جابر قميحة ([1])

نعني بالرسائل العامة الموجهة- وقد ذكرنا ذلك من قبل- الرسائل التي وجهها الإمام الشهيد إلى شخصيات عامة كالملوك ورؤساء الحكومات والوزراء في موضوعات تتعلق بالوطن والأمة العربية والإسلامية، وسياسة الحكومة، وأوضاع المجتمع، وغير ذلك من الموضوعات العامة. 

وقد عرفنا من قبل أن توجيه هذا النوع من الرسائل كان وسيلة دعوية من وسائل الإمام البنا، كما عرضنا الرسائل التي وجهها إلى كل من الملك فؤاد، ومحمد توفيق نسيم، ومصطفى النحاس والأمير عمر طوسون، والأنبا يونس، والسفير البريطاني، وعلي ماهر، والملك فاروق، ومصطفى النحاس للمرة الثانية، وها نحن أولاء نكمل مسيرة هذا النوع من الرسائل.

إلى إسماعيل صدقي.. الرسالة الأولى[2]

في ٢٤ فبراير سنة ١٩٤٦م، قابل وكيل الإخوان رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا وبعد أن شرح له شفاهة رأي الإخوان في الموقف الحاضر- سلمه نيابة عن المرشد العام- رسالة استهلها بالعبارات الآتية:

«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: فقد توليتم دولتكم الحكم والشعب يجتاز أدق مرحلة في تاريخه في الوقت الذي هبت فيه شعوب الأرض جميعًا تطالب بحريتها واستقلالها، ولقد دبت اليقظة في نفوس الأمة المصرية عن بكرة أبيها، وقامت هي الأخرى تطالب بحقوقها المغصوبة، وأجمعت بمختلف طبقاتها وهيئاتها على ضرورة نيل هذه الحقوق مهما كلفها ذلك من مرتخص وغال».

ويعرض الإمام بالحكومة السابقة- حكومة النقراشي الأولى- ويأخذ عليها أنها لم تستغل الشعور القومي الرائع في مواجهة المستعمرين. 

كما يسجل إجرام قوات الاحتلال التي وجهت مدافعها الرشاشة إلى صدور أبناء الأمة فقتل من قتل وجرح من جرح، وكل ذنبهم أنهم خرجوا «يظهرون شعورهم في إجماع رائع» جاء في شكل مظاهرة ضمت كل طبقات الشعب. 

وتعرض الرسالة بعد ذلك مطالب الإخوان من الحكومة المصرية وخلاصتها «فيما يختص بالسياسة الخارجية»

1- التقدم إلى الحكومة البريطانية- على وجه السرعة- بمذكرة صريحة تطلب الحكومة فيها الجلاء التام عن أرض وادي النيل، وتحقيق وحدة الوادي، وحل المشكلات الاقتصادية.

٢- سحب ممثلي مصر في هيئة الأمم المتحدة بعد أن أساءوا إلى القضايا المصرية والعربية والإسلامية، وإحلال غيرهم محلهم ممن يستطيع أن يمثل مصر تمثيلًا صحيحًا مشرفًا.

3- عرض القضية على مجلس الأمن في أول انعقاد له إذا لم تستجب إنجلترا لطلب الحكومة المصرية في موعد عاجل محدد.

4- أن تطلب الحكومة المصرية من الإنجليز اعتذارًا رسميًّا عن سوء تصرف الجنود البريطانيين في الحوادث الأخيرة، مع دفع تعويضات مناسبة لأهالي القتلى والمصابين.

 5- اعتبار المدن المصرية «القاهرة والإسكندرية، وبورسعيد، والسويس، والإسماعيلية» مناطق حرام على الجنود البريطانيين إلى أن يتم ترحيلهم إلى بلادهم.

 ٦- أن تطلب الحكومة المصرية عقد مجلس الجامعة العربية بصفة استثنائية لعرض تطورات القضية المصرية عليه، واتخاذ قرار حاسم إجماعي.

أما فيما يختص بالموقف الداخلي: فيرى الإخوان:

 ۱- الإسراع في تحديد المسؤولية في الحوادث الدامية الأخيرة. 

2- الاستغناء عن خدمات موظفي البوليس والجيش المصري من الإنجليز.

3- الإفراج عن جميع المعتقلين الذين زج بهم في السجون ولا ذنب لهم إلا النداء بمطالبهم، والهتاف لوادي النيل.

4- تعويض أهالي الشهداء الذين ذهبوا فداء حرية الوطن واستقلاله.

وإليه الثانية: إدانة صارخة[3]

ولكن صدقي أبدى من الوهن والتخاذل ما أبدى، ولم يف بما قطعه على نفسه للإخوان وللأمة، فوجه إليه المرشد الإمام رسالة صارخة في الثامن من أكتوبر سنة ١٩٤٦م، أي بعد قرابة نصف عام من الرسالة السابقة، وفي رسالة أكتوبر إدانات صارخة لحكومة صدقي بالتفريط في حقوق الأمة وممالأة الغاصب بإطالة حبل المفاوضات التي «طالت حتى أسأمت وأملت، فتوقفت واستؤنفت، ثم انقطعت ووصلت، ثم يتجنى علينا المفاوضون الإنجليز، فهزوا أكتافهم وجمعوا أوراقهم، وانصرفوا عنا إلى بلادهم هازئين ساخرين.

ووضح أن المشروع الإنجليزي والمشروع المصري لا يحققان مطالب البلاد، ولا يزيد كل منهما عن أنه تنظيم مهذب الحواشي للحماية والاحتلال.

وكان المنتظر من الحكومة أن تصغي إلى الأصوات القوية المخلصة، وتحترم إرادة الشعب الذي تدعي أنها تحكم باسمه، وتبادر فتتخذ الخطوات الآتية:

 1- إعلان فشل المفاوضات الحالية، وأنها لن تقبل بعد الآن أن تدخل مع الإنجليز في مفاوضات أخرى.

2- إعلان سقوط معاهدة ١٩٣٦م التي ألغتها الحوادث العالمية، وأقر وزير الخارجية المصرية في مجلس النواب أنها أصبحت غير ذات موضوع.

3- أن تطلب من الإنجليز وغيرهم- في عزم وإصرار- سحب جميع قواتهم البرية والبحرية والجوية من الوادي كله وإلا مثل هذا الوجود عدوانًا مسلحًا علينا يوجب الرد عليه. 

4- أن تدعو الحكومة الأمة إلى الجهاد في سبيل حقوقها، وتنظم معها وسائله وأساليبه.

ولكن حكومة دولتكم لم تفعل شيئًا من هذا، بل أصرت إصرارًا عجبًا على موقفها الضعيف المتخاذل... وأخذت تكبت شعور الهيئات والجماعات والأفراد وتصادر الحريات، وتمنع الاجتماعات، وتتهيأ لقمع الحركات الشعبية المخلصة بالحديد والنار.

 يسجل المركز العام للإخوان المسلمين على حكومة دولتكم أنكم بإصراركم هذا تفوتون على هذه البلاد أثمن الفرص، وتكونون بذلك قد تضامنتم، بقصد أو بغير قصد مع الغاصبين في الاعتداء على استقلال الوطن وحريته، وأن هذه الحكومة لا تمثل رأي البلاد في شيء، وكل إجراء تتخذه باطل أساسًا، وعليكم أن تدعوا أعباء الحكم لمن هو أقدر منكم على سلوك النهج القويم، وإعلان حقوق الوطن كاملة من غير حاجة إلى تصديق الغاصبين، وتنظيم قوى الأمة لتكافح الظالمين المعتدين، وستجاهد الأمة كل معتد على حقوقها من أبنائها أو من الأجانب عنها بكل وسيلة مشروعة حتى تصل إلى ما تريد، وهي واصلة بإذن الله. 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:21) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رسالة إلى الملك فاروق[4]

وفي التاريخ نفسه "۸ من أكتوبر ١٩٤٦م)" يرفع المرشد العام نيابة عن الإخوان عريضة إلى الملك فاروق تحمل المضمون السابق الذي يصم صدقي وحكومته بالتهاون والتفريط في حقوق الأمة ويتجه الخطاب إلى الملك بتوجيه الحكومة التوجيه الشعبي السليم، أو إعفائها من أعباء الحكم، والجهاد في سبيل حقوق البلاد لتنهض بذلك حكومة قوية على هذه القواعد السليمة والأسس الصالحة ويعتقد الإخوان المسلمون- من كل قلوبهم- أنهم إنما يعبرون بذلك عن شعور أمة وادي النيل جميعًا من الشمال إلى الجنوب، وفقكم الله للخير وحقق للوادي- في عهدكم الزاهر- ما يرجوه من صلاح وحرية واستقلال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى النقراشي من أجل القضية الوطنية[5]

وسقط صدقي، وعين الملك فاروق لرئاسة الوزراء محمود فهمي النقراشي المعروف في حكومته الأولى بضعفه وتخاذله أمام الإنجليز وحرصًا على وحدة الصف أمام المستعمر لم يتصد الإخوان للنقراشي وحكومته بالمقاومة، وأرسل إليه الإمام البنا برسالة طويلة في ١/٥/١٩٤٧م يمكن تلخيصها في الخطوط الرئيسية الآتية:

1- على كل مواطن أن ينكر ذاته، ويخلع ثوبه الحزبي، ويجعل مصلحة الوطن هي شغله الشاغل في هذا الوقت الحرج.

2- كل تصرفات الإنجليز في لندن وفي السودان وفي كل مكان تدل على أنهم لا يريدون أن يسيروا مع المطالب المصرية خطوة واحدة إلى الحق.

3- كل شيء في الداخل مظهر سافر واضح من مظاهر القلق والألم والأسى والأسف والحزن والضيق، فالمعاهدة معطلة والحريات مكبلة، والرعب يملأ القلوب والثقة مفقودة بين الحاكم والمحكوم. 

4- وبناء على هذه الحقائق السافرة يتوجه الخطاب إلى النقراشي بصراحة كاملة بخطوط الحل:

أ- أعلن يا باشا فشل المفاوضات واقطعها في عزة وكرامة، وصارح البريطانيين بأنهم أحوج إلى صداقتنا منا إلى صداقتهم. وأننا نعرف الوسائل التي ننال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة.

ب- اطلب إلى الإنجليز جلاء قواتهم عن أرض الوادي فورًا، لأن وجودهم بعد عدوانًا مسلحًا على سيادة الوطن، وخروجًا على ميثاق هيئة الأمم، وتهديدًا للأمن والسلام في الشرق الأوسط. 

ج- إن لم يفعلوا فتقدم بقضية الوطن إلى مجلس الأمن، وإلى محكمة العدل، وإلى كل مجمع دولي تأنس فيه ميلًا إلى الإنصاف ونفورًا من الظلم والعدوان.

د. أطلق الحريات يا باشا، ولا تخش شيئًا، ولا تخف على الأمن والنظام.

هـ. ادع الأمة في وادي النيل إلى أن تكون من هيئاتها وجماعاتها وأحزابها ومفكريها جبهة قومية سودانية مصرية واحدة تتعهد الشعور الوطني وتقف في وجه العدوان، فتعمل الحكومة بوسيلتها الرسمية، وتعمل تلك الجبهة القومية إلى جانبها بوسائلها الشعبية.

وكان ختام رسالة الإمام البنا: «يا دولة الباشا: لقد تقدمت لدولتك بمثل هذه النصيحة منذ عام مضى، وها أنا ذا أتقدم بها اليوم وأعتقد أنني بذلك قد أبرأت ذمتي وأديت أمانتي والوقت من ذهب فسر على بركة الله والله معك وأقدم، ولا تتردد فتفلت الفرصة السانحة، وتعود من جديد إلى التجارب القاسية، وتستبين النصح ضحى الغد، حيث لا يفيد ولا ينفع، ألا قد بلغت

اللهم فاشهد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى النحاس ردًّا على الحملة الوفدية الضارية

وعلى مدى عدة أشهر انطلقت صحيفة صوت الأمة- لسان حال الوفد- في شن حملة خبيثة ضارية على الإخوان، مما دفع المرشد العام في أحد أيام مايو سنة ١٩٤٧م إلى كتابة رسالة إلى النحاس- رئيس حزب الوفد- سلمها إليه الأستاذ عبده قاسم- السكرتير العام للإخوان في ذلك الوقت- وننقل بعض ما جاء فيها بالنص[6]

«إن الوفد يعلن خصومته للإخوان، ويحاربهم بأسلحة وأساليب غريبة وعجيبة لا تتفق مع خلق أو دين أو مصلحة وصحفه تفيض أنهارها بألفاظ جافية تشمئز لها كل نفس مهذبة».

«إن الوفديين لا يزالون يفكرون بعقلية سنة1920م، فيقولون: إن الأمة هي الوفد، والوفد هو الأمة، وإن الشعب قد منحه توكيلًا لا نقض فيه ولا إبرام، ويسقطون من حسابهم ربع قرن من حياة هذا الوطن، تبدلت فيه الأرض غير الأرض وتغيرت النفوس، وانتقل إلى الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين على السواء وهذا التفكير تخلف عن ركب الحياة.. وعلى هذا الأساس يحارب الوفد الإخوان، كما يحارب الشبان وكثيرًا من الجماعات» 

«إن الوفد في أيامنا الأخيرة قد تخللت صفوفه طوائف وأفواج من ذوي الآراء الخطرة والمبادئ الهدامة الذين لا يدينون بغير الشيوعية»

«وهل ترون أن الوفد قد أدى واجبه بهذا الموقف السلبي الذي يقفه في هذه الساعات العصيبة في تاريخ الوطن مع انه كان ولا يزال في وسعه أن يعمل الكثير لو أراد»

نحو النور 

الرسالة الجامعة.. الواعية[7]

في رجب من سنة ١٣٦٦هـ بعث الإمام الشهيد حسن البنا بهذه الرسالة إلى الملك فاروق الأول- ملك مصر والسودان، وإلى مصطفى النحاس باشا- رئيس الحكومة المصرية حينذاك، وإلى ملوك بلدان العالم الإسلامي وأمرائها وحكامها- كما بعث بها كذلك إلى عدد كبير من الشخصيات البارزة في هذه البلدان من ذوي المكانة الدينية والدنيوية.

وهذه الرسالة هي أطول رسائل المرشد- رحمه- الله وأوعاها، وأجمعها لمبادئ الإخوان والقيم التي يدعون إليها في مجالات السياسة والتربية والحكم والاخلاق.

ويستهل الإمام الشهيد الرسالة ببيان الباعث إلى كتابتها وهو «الرغبة الأكيدة في توجيه الأمة توجيهًا صالحًا يقيمها على أفضل المسالك، ويرسم لها خير المناهج، ويقيها التزلزل والاضطراب، ويجنبها التجارب المؤلمة الطويلة».

ويبين عن عظم تبعة الراعي أمام الله وأمام التاريخ، وخصوصًا إذا كان يقوم بأمور الحكم في عهد من عهود الانتقال، فعهد الانتقال يقتضي تحقيق مهمتين:

الأولى: تخليص الأمة من قيودها السياسية وتحقيق حريتها. 

والثانية: بناؤها من جديد لتسلك طريقها بين الأمم، وتنافس غيرها في درجات الكمال الاجتماعي وتتضافر الأسباب العملية والموضوعية لتؤكد افضلية المنهاج الإسلامي على المذاهب والمناهج الأخرى:

1- فقد جرب من قبل واستطاع أن يجعل الأمة الإسلامية أقوى الأمم على الإطلاق.

2- وله في نفوس المسلمين قدسية واستقرار ورسوخ.

3- كما أنه لا يتعارض مع الوطنية والقومية بمفهومها الإنساني الكريم، بل يدعو إليهما.

4- والأخذ به يقوي الوحدة العربية أولًا، ثم الوحدة الإسلامية ثانيًّا.

 5- وهو منهاج شامل، لا يشوبه النقص في أي مجال من المجالات السياسية والاجتماعية والخلقية وغيرها.

وإذا كانت المدنية الغربية قد زهت وبهرت العالم ردحًا من الزمن، فإنها تعيش بعد ذلك دور الإفلاس والانحدار فأصولها السياسية تقوضها الدكتاتوريات، وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، ويشهد ضدها ملايين البائسين من العاطلين والجائعين، وأصولها الاجتماعية تقضي عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة في كل مكان والإسلام فيه من المبادئ والقواعد- في كل مجالات الحياة- ما يكفل للأمة قوتها ونهوضها وتقدمها:

1- فالقرآن ينهى المسلمين عن اليأس، ويزرع في قلوبهم الأمل والثقة بالله وبالنفس.

٢- ويبعث في نفس المسلم الشعور بالعزة القومية والوطنية، ويربط هذه العزة بالله بعيدًا عن التعصب الأعمى والفخر الكاذب.

3- ويربي المسلمين على القوة الجندية التي تهدف إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، ويجعل من التخلف عن مواجهة الأعداء جريمة كبرى، وهي قوة لا تعرف العدوان على الآخرين، بل هي محكومة بالقيم الربانية الإنسانية العليا.

4- وصحة الأبدان مما دعا إليه الإسلام فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وللبدن على الإنسان حق بنص حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والنظافة من الإيمان، والاعتدال في المطعم والمشرب أصل من الأصول الصحية التي دعا إليها الإسلام.

5- وطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، ودعوة الإسلام إلى تحصيل العلم لا حدود لها، فهي تصدق على العلوم الدينية والدنيوية، والعلوم الإنسانية والتجريبية.

 ٦- ويدعو الإسلام إلى قائمة من القيم لا تستقيم حياة الفرد والأمة إلا بها كالبدل والصبر والاحتمال ومغالبة الشدائد، والحب والإخاء وحسن معاملة الآخرين، وعلى هذه الأخلاق تربت الأمة الإسلامية، وبها حققت انتصاراتها وبقاءها وتقدمها.

7- وفي الإسلام أسس اقتصادية رائعة فصل الفقهاء القول فيها في باب المعاملات.

والإسلام يصون حقوق الأقليات من أصحاب الديانات والجنسيات الأخرى اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (الممتحنة: ۸)

وينهى الإسلام عن البغي والعدوان، ويدعو إلى الحفاظ على عهودنا ومواثيقنا مع الشعوب الأخرى، كما نرى في قوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (الإسراء:٣٤)

ويقول في إكرام اللاجئين، وحسن جوار المستجيرين ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: ٦).

وقد قامت نهضة الغرب على التخلص من الدين وهدم سلطة البابوية والكهنوت المسيحي وظن حكام المشرق أن النهضة لا تقوم إلا بسلوك هذا المسلك الغربي، وهذا خطأ فادح:

 ١- لأن طبيعة الدين الإسلامي غير طبيعة الأديان الأخرى.

2- ولأن رجال الدين الإسلامي عاشوا وليس لهم من النفوذ والسيطرة بعض ما كان لرجال الدين المسيحي 

3-والإسلام لا يعترف بهذا التقسيم الغربي: رجال الدين ورجال الدنيا، فالمسلمون جميعًا- من أصغرهم إلى أكبرهم- رجال دين.

 وبعد ذلك يقدم الإمام الشهيد- في نقاط محددة مرقمة- بعض خطوات الإصلاح العملي: 

- في الناحية السياسية والقضائية والإدارية.

- في الناحية الاجتماعية والعلمية.

- في الناحية الاقتصادية. 

وهي خطوات تعد بالعشرات في هذه النواحي ساقها الإمام الشهيد بأسلوب قانوني مباشر مما يصعب تلخيصها، لذا نكتفي بإيراد الخطوات التي وردت في الرسالة للنهوض بالناحية الاقتصادية، وهي:

 1- تنظيم الزكاة دخلًا ومنصرفًا بحسب تعاليم الشريعة السمحة، والاستعانة بها في المشروعات الخيرية كالملاجئ وتقوية الجيش.

 ٢- تحريم الربا، وتنظيم المصارف تنظيمًا يؤدي إلى هذه الغاية.

3- تشجيع المشروعات الاقتصادية والإكثار منها، وتشغيل العاطلين من المواطنين فيها وتمصير ما في أيدي الأجانب منها .

4- حماية الجمهور من عسف الشركات المحتكرة.

5- تحسين حال الموظفين الصغار برفع مرتباتهم، واستبقاء علاواتهم ومكافاتهم، وتقليل مرتبات الموظفين الكبار.

6- حصر الوظائف، وخصوصًا الكبيرة منها والاقتصار على الضروري، وتوزيع العمل على الموظفين توزيعًا عادلًا.

7- تشجيع الإرشاد الزراعي والصناعي والاهتمام بترقية الفلاح والصانع من الناحية الإنتاجية.

8- العناية بشؤون العمال الفنية والاجتماعية ورفع مستواهم في مختلف النواحي الحيوية. 

9- استغلال الموارد الطبيعية كالأرض البور والمناجم المهملة، وغيرها.

 ۱۰- تقديم المشروعات الضرورية على الكماليات في الإنشاء والتنفيذ.

وختم الإمام البنا رسالته بالعبارة الآتية:

وبعد فهذه رسالة الإخوان المسلمين، نتقدم بها وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف أي هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بأمة إسلامية نحو الرقي والتقدم نجيب النداء ونكون الفداء. 

ونرجو أن نكون قد أدينا بذلك أمانتنا، وقلنا كلمتنا، والدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وحسبنا الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

إلى الإخوان المسلمين 

آخر الرسائل.. وبعدها الشهادة[8]

أيها الإخوة الفضلاء: أتقدم إليكم جميعًا مهنئُا بما كتب الله لكم من توفيق، وما أجراه على أيديكم من خير، وما اختصكم به من ثبات على كلمة الحق مهما تقلبت الأحداث، وطالت الأعوام، كما أتقدم إليكم مذكرًا بخصائص دعوتكم بين الدعوات وعظيم تبعتكم في هذه الأوقات، فاذكروا أيها الإخوان أنكم الكتيبة المؤمنة التي انتهى إليها في هذا العصر المادي المظلم بالشهوات والأهواء والمطامع واجب الدفاع عن كلمات الله ورسالاته والمحافظة على أحكام شريعته وآياته، ودعوة الإنسانية التائهة في بيداء الحيرة إلى الصراط المستقيم، فأنتم بذلك تهتفون بأكرم دعوة، وتنادون بأقدس منهاج.

 أيها الإخوة الفضلاء: إن العالم الآن تتجاذبه شيوعية روسيا، وديمقراطية أمريكا، وهو بينهما مذبذب حائر لن يصل عن طريق إحداهما إلى ما يريد من استقرار وسلام، وفي أيديكم أنتم قارورة الدواء من وحي السماء، فمن الواجب علينا أن نعلن هذه الحقيقة في وضوح، وندعو إلى منهاجنا الإسلامي في قوة، ولن يضيرنا أن ليس لنا دولة ولا صولة، فإن قوة الدعوات في ذاتها، ثم في قلوب المؤمنين بها، ثم في حاجة العالم إليها، ثم في تأييد الله لها متى شاء أن تكون مظهر إرادته، وأثر قدرته.

وإن الأربعمائة مليون مسلم الذين تمتد مواطنهم من المحيط إلى المحيط لن يظلوا أبدًا عبيد الاستعمار الذي ضرب عليهم في غفلة من الزمن وتضارب المحن، وتطورات الأوضاع العالمية، وإن كل شبر أرض فيه مسلم يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" هو جزء عزيز من وطننا تطلب له الحرية والتخلص من نير الاستعمار الأجنبي الظالم، وتكافح في سبيل ذلك بكل ما أوتينا من قوة. 

وإن هذا الوطن من حدود إندونيسيا شرقًا إلى حدود الدار البيضاء غربًا- يجب أن ينعم بالحرية والوحدة والسلام في ظل الروابط والنظم والأوضاع التي قدرها له القرآن الكريم، وهداه إليها الإسلام دينه وعقيدته ونظامه وشريعته.

ولقد كان من حسن حظنا أن نشهد ذلك العصر الذي تقف فيه اليهودية العالمية متحدية الأمم العربية والإسلامية معتدية على مقدساتها بالحديد والنار، وإنا لنقبل هذا التحدي معتقدين أن الله تبارك وتعالى قد ادخر لنا فضل مقاومة هذا العدوان والقضاء عليه.

أيها الإخوة الفضلاء: إذا كان الكثير من ساسة الأمم العربية والإسلامية، وقادتها من تلاميذ المدرسة الاستعمارية قد أضاع علينا كل ما أتاحته الحرب الماضية- حرب ١٩٤٨م- من فرص ومناسبات لما طبعتهم عليه عوامل البيئة الاستعمارية التي عاشوا في ظلها من فقر في المواهب، وخوف من الغاصب، وفقدان للثقة بالنفس وبالله وبقوة الشعب، وحرص على الاستفادة والتزيد من الجاه والمال والمنصب، وحقد وحسد واختلاف وتردد، وإحجام عن أداء الواجب، وفرار من الجهاد إلى إعطاء الدنية، وإيثار أساليب الدعة والاستسلام، فإن عليكم أنتم، وقد استروحتم نسمات العزة من الإيمان بالله، واستمددتم أرفع معاني القوة من تأييده ونصره، أن تتداركوا ما فات، وأن تصلحوا ما أفسد الباشوات والخواجات والله معكم، وهو لأعدائكم بالمرصاد، ومهزوم من يحارب الله ويغالب القدر ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:21)

إن الله ميزكم بالانتساب إلى الدعوة فاحرصوا على التميز بآدابها وشعائرها بين الناس وأصلحوا سرائركم، وأحسنوا أعمالكم، واستقيموا على أمر الله وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وتوجهوا بالنصيحة في رفق ولين إلى الناس أجمعين، واستعدوا للبذل والاحتمال والجهاد بالنفس والمال، وأكثروا من تلاوة القرآن، وحافظوا على الصلوات في الجماعات، واعملوا لوجه الله تعالى مخلصين له الدين حنفاء، وانتظروا بعد ذلك تأييد الله وتوفيقه ونصره ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  (الحج: 40)

إن أخص ما أوصيكم به بهذه المناسبة أن يكون شعارنا النظافة في الضمير والتفكير، وفي اللسان، وفي السير، وفي الثوب وفي البدن، وفي المطعم والمشرب والمظهر والمسكن، والتعامل والمسلك، والقول والعمل، وإن مما أوصى به الرسول- عليه الصلاة والسلام- أمته «تنظفوا حتى تكونوا كالشامة بين الأمم».

وما أجملها إشارة وأرقها عبارة أن يكون أول فقهنا في العبادات الطهارة، وفي الحديث الصحيح «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور، وصدق الله العظيم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ  (البقرة:222)

وبعد عرض هذه الرسائل بقي أن نقف وقفة نقدية أمامها لنتبين ما تتسم به في أبعادها الموضوعية والنفسية والفنية، فللحديث صلة.

ولنا لقاء.

[1]- أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران

[2]- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ محمود- عبد الحليم: ۳۷۰/۱- ۳۷۲

[3]- محمود عبد الحليم السابق ۱ ۳۷۷ ، ۳۷۹

[4]- محمود عبد الحليم السابق ١/ ٢٧٧٠٣٧٦

[5]- محمود عبد الحليم السابق ۱/ ۳۸۷- ۳۸۹

[6]- محمود عبد الحليم السابق ١/ ٤٧٩- ٤٨٠، ولم ينشره الأستاذ عبد الحليم كاملًا، بل مقتطفات منه على أهميته. ولم أعثر عليه في المراجع التي بين يدي، وهو خطاب طويل أحدث هزة في المجتمع المصري، قرانه في حينه، وكنا تردد بعض عباراته بيننا ونحن تلاميذ بالمرحلة الابتدائية

مثل عبارة "طهر صفوفك يا باشا"

[7]- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ٦٧- ٩٤

[8]- لماذا اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا عبد المتعال الجبري ٢١٣- ٢١٦، وقد ذكر المؤلف أنه نقلها من مجلة المباحث الأسبوعية الصادرة في يوم 8 من ربيع الآخر سنة ١٣٧٠ هـ الموافق ١٦ من يناير سنة ١٩٥١م، وكانت المباحث في الصحيفة الناطقة باسم الإخوان آنذاك. ويرأس تحريرها صالح عشماوي- رحمه الله.

وما في الرسالة من إشارات إلى وضع الإخوان وما آلت إليه القضية الفلسطينية يقطع بأن الإمام البنا كتبها قبل استشهاده بأشهر أو أيام، وأرجح أن الإخوان لم يتلقوا هذه الرسالة في حينها، وأنهم لم يطلعوا عليها في أرجاء مصر- قبل نشرها في المباحث

الرابط المختصر :