العنوان (صبغة الله)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 128
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 52
السبت 13-أكتوبر-2007
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية
النفس الأمارة بالسوء لا بد لها من لجام حتى تخضع لأوامر الله
نية العمل بآيات القرآن تجعل الإنسان منتبهًا أثناء التلاوة
مازلنا نرتشف من رحيق تجاربهم فهذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فبمجرد أن يتبين الطريق يصبح المرء فيه أستاذًا ولنا نبراسًا. أليست هي صبغة الله ترى؟ وهذه الأيام المباركة تتناثر من بين أيدينا. كم من الآيات أصبحت في حياتنا ذكرى، وكان لها الفضل في تغيير ما ألفته النفس ونُهِى عنه الإسلام عموماً. ما زال في الشهر بقية وفي العمر إن شاء الله، فلنصحُب يوميًا ولو بآية أو حديثًا نسلم لهما قيام أنفسنا ويكون لهما معنا ذكرى.
الميزان
كانت رحمة الله على مجموعات التحرك بالقرآن كثيرة، فقد كانت الآية والحديث هما الفيصل في كل أمورهم، وكانت الداعية تهتدي بأولوية منهج الله مع استبعاد منهج الأهواء. وفي يوم وهي في طريقها لإلقاء درس من دروسها، كانت تسأل كعادتها عن طبيعة من ستلقي عليهم الدرس وما هي مشاكلهن واهتماماتهن عسى أن ينير الله لها طريق الدخول إلى قلوبهم. فبادرها أحد الشباب ومعه زوجته بأمر أرهفت له سمعها، حيث قال: "ليتك تتحدثين عن الأرحام، فإن زوجتي تخيرني بينها وبين أمي، فماذا أفعل؟ فالمشاكل تحاصرني من كل صوب بسبب ذلك."
نظرت الداعية إلى الشاب والفتاة، فهما في مقتبل العمر وقد رسم الحزن معالمه على وجهيهما، فقالت للفتاة: "ما الأمر، يا بنتي؟" فأجهشت بالبكاء وهي تردد: "إن زوجي يفضل أمه علي في كل شيء، وقد سئمت من ذلك فعليه أن يختار." نظرت الداعية للشاب وقد طأطأ رأسه وهو لا يجيب، فقالت له: "ألا تجيب؟" فقال: "وماذا أقول وقد تحولت حياتنا إلى حبائل من النكد تلتف علينا وتكاد أن تفتك بنا؟" قالت الداعية: "ولم كل هذا؟ فقال لها: لن أختار بعد اختيار الرسول ﷺ. فعندما سأله رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك.» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك» فماذا بعد قول رسول الله؟"
بهتت الفتاة وكأنها تسمع الحديث لأول مرة في حياتها، حيث قالت: "اللهم صل وسلم عليك يا رسول الله، لا والله لا أعود إلى ذلك أبدًا."
دهش الزوج من رد فعل زوجته وأخذ يشكر الداعية، فوجهت إليه حديثها قائلة: "لماذا لم تفعل قول رسول الله ﷺ في حياتك وتلتزم بكل أقواله وأفعاله، وقد سطرها لنا العلماء الأجلاء، وحافظوا عليها، ونقحوها من أجل أن تكون معك في حياتك، فهي الميزان الحق لميل أي فرد من أمته ذكرًا كان أو أنثى؟"
هدأ الاثنان وكأن جبلًا شاهقًا كان يقبع على قلبيهما قد انزاح بلطف وهدوء.
أسلمت نفسي إليك
أما عن صاحبتنا هذه، فقصتها كما حكتها لنا كما يلي:
تزوجت حديثًا، ومثل كل فتاة كانت أحلامها تدور حول طفل أو طفلة، لا يهم، يمتلئ البيت عليها وعلى زوجها بالبشر والفرح. ولكن الأيام تتعاقب والشهور فالسنوات ولم يأت مولودهما، وفي كل شهر كان ترقبها لهذا الحدث يكاد يفتك بأعصابها ونفسيتها، وعندما لا يتحقق الأمل، تكمل ما تبقى من الشهر في بكاء ونحيب، وهكذا تذبل زهرة فرحتها.
وتزوجت أخواتها، وبدأ أولادهن يتكاثرون، وكذلك صديقاتها، ومن كانت تعرفهن في مثل عمرها، مما كان يزيد من وطأة عذابها وحسرتها. حاول زوجها أن يجعلها تجتاز محنتها، فقدم أوراقها إلى إحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم.
وكانت الأخت في موعد مع السعادة، فقد درست أدعية الرسول ومنها أدعية النوم، فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: قال لي رسول الله ﷺ إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك.
كانت تردد الدعاء وتشعر براحة كبيرة، واستمرت هكذا حتى بدأ الدعاء يهيمن على حياتها، إلى أن حان يوم دراسة الحديث القدسي، فدرست الحديث المروي عن رب العزة سبحانه وتعالى: «أنت تريد وأنا أريد. فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد.»
فقالت: أسلمت لك ربي كل أمري.
لم يكن فقط قولًا باللسان، ولكن كان ترجمة عملية في كل أفعالها وتصرفاتها، فقد امتلأت نفسها بالرضا ووكلت أمرها إلى الله، فلم تعد تشعر بضغط نفسي من تأخر إنجابها. وبدأت تمارس حياتها بشكل طبيعي مع لسان يلهج بحمد الله وشكره وتسليم مطلق له سبحانه.
استمرت الحياة بدون منغصات، وفي مرة عندما كانت تدرس آيات القرآن الكريم شعرت بدوار، فلم تلق له بالا، تبعته أعراض لم تشعر بها من قبل، ولكنها لم تعبأ بكل ذلك، وهي التي كانت تراقب نفسها مراقبة حثيثة. ومرت الأيام، وفي يوم امتحانها شعرت بتعب وإجهاد شديدين، فاستشارت إحدى الطبيبات، وإذا بالبشرى أنت حامل. فسجدت لله شاكرة للتو واللحظة وهي تردد: "أسلمت إليك فيما تريد فكفيتني ما أريد، كم أنت رب كريم."
هكذا عندما انشغلت الأخت بما عليها لله أسلمت نفسها إليه صدقًا، فوهبها سبحانه ما تريد.
إن نعمة التحرك بالقرآن والسنة نعمة عظيمة نسأله تعالى دوامها.
اطمئنان النفس
وها هي التجارب العديدة للذين اقتنعوا بهذا المنهاج وأرادوا تطبيقه تطل برأسها، كل منها تريد أن نبدأ في روايتها من البداية حتى النهاية، ولكننا سنعرض لتجربة فتاة من أرض الرباط، متزوجة وفي العقد الثاني من العمر، وهي تريد أن تصبغ كل حياتها بالإسلام، ولنتركها لتروي بنفسها روايتها حيث تقول:
كنت متعبة مرهقة مثقلة بالدنيا وأهل الدنيا. كان اجتماع الأهل عندي في بيتي تحديًا كبيرًا، فهي مواجهة بين ما يجب أن يكون، وبين تيار يجرفني إلى فعل ما لا يحسن وأيضًا ما لا يرضي ربي. كان اجتماع الأهل في بيتي معناه من جهة أخرى معركة خفية تجري بين نفسي المطمئنة ونفسي الأمارة بالسوء، فنفسي الأمارة بالسوء تريد أن تتحدث بلا حدود، بلا تمحيص، بلا رقيب. فهي تظن، وتبني على الظنون أحكامًا، وتجعل ردود أفعالي وكلمات لساني مبنية على تلك الظنون. فهي تريد أن تكون الأفضل في كل شيء، تغار من كل شيء. وتريد أن تتباهى دومًا لتثبت أنها الأفضل. وهذه النفس تريد أن تنتقم من كل ما ظنت أنه ينتقدني أو يتباهى علي، فيكفي أن يذكرني الشيطان بأذى تعرضت له، أو كلمة سمعتها حتى أفتح الدفاتر القديمة، وأنبش في الأحداث، وأجهز لذلك مواقف وأفعالًا.
وقد أتعبتني هذه النفس، كان لا بد لها من لجام. وأنا أعلم أنه لن يردعها سوى أن تخضع وتستسلم لأوامر الله. كنت أعلم ذلك، ولكني لا أدري كيف؟ ولا من أين أبدأ؟ وما الذي يعينني على ذلك؟ فإن ما أتمناه لا بد أن يصاحبه جهد وجهاد كبيران ومراقبة شديدة وكر وفر وتثبيط وعلو، ويوم لك ويوم عليك، حتى تستقر الأحوال إلى ما أحب لنفسي وأرغب.
وسألت الله.. فسمعت عن التحرك بالقرآن الكريم، وبدأت التجربة، بدأت أتحرك بآية فارتاحت نفسي المطمئنة، ثم . بآية أخرى فهدأت فعقدت العزم على أن أختم القرآن بتدبر وفهم، لعل مكسبي يكون عظيماً بتطبيق آيات أكثر تيسر لي الوصول إلى هدفي، وبدأت أردد الآيات حسب المواقف التي أمر بها، فجعلت القرآن وآياته القائد الذي يصدر لي أمر: افعلي، أو لا تفعلي، فإذا جلست مع أحد وصدر منه ما يضايقني أجد نفسي أردد: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: 97-98). وفي أثناء الحديث مع النساء. هذا الحديث الذي كثيراً ما تكون آثامه أكثر من حسناته أجد نفسي مرددة ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء (114)
وعندما تتباهى النساء أمامي وتتفاخر بالمال والولد، وقد كان هذا الأمر يجد عندي رد فعل عنيف تجاهه أجدني أردد في هدوء وأنا أرثي لهن: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (القصص: ٦٠)، في بعض الأحيان أردد: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (سبأ: ۳۷). فتهون الآية على نفسي ما أسمع وما أرى وقد حددت لي الخيرية الحقيقية.
وقد استطاعت الآيات أن توجه شيطاني ووسوسة نفسي الأمارة بالسوء عندما يقوم ذاك الثنائي بتحضير سيناريوهات لأقوال محتملة وإملاء ردود أفعال مقابلها، إذا قالوا كذا ردي بكذا، وإذا فعلوا كذا افعلي كذا. وتنقضي ليلتي في تحضير ردود الأفعال المنتصرة لنفسي فقط، حتى ولو كانت تخالف سنة الرسول الذي لم ينتقم لنفسه قط، وما غضب لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فأحسم كل ما أنا فيه من دوامات بترديدي لقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (النساء : ۱۰۸)
أيضًا كنت أسرف في دعوات الأهل والآخرين إلى مآدب الطعام، وأتنافس في تقديم الأفضل بدافع الغيرة والمباهاة والمقارنة وكسب رضى الناس دون مراجعة للنفس، ودون إخلاص النية لله في إكرام الضيف، فيرد عني قول الله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: ٢٧). فأصبحت أكرم الضيف بالضوابط الشرعية وأتوجه بالنية الصادقة لله.
ولن أطيل عليكم، فإن ختمة القرآن هذه التي ختمتها كانت أهم وأغلى وأعز ختمة في حياتي، وأكثرها بركة وتأثيراً علي بل وعلى أهلي، فقد تعلمت وعلمت التحرك بالآيات التي تأمرنا أن نأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبالطبع كان هناك الكثير من الأخطاء أثناء التطبيق ولكني كنت أستغفر ربي وأذكر نفسي فيصلح الله من شأني، وأصبحت مراجعة نيتي هي شغلي الشاغل. فقد رأيت بهذه التجارب أن نوراً قد غزا قلبي وأراح نفسي وأسعدها، وازداد فهمي وعلمي والحمد لله رب العالمين.
هذه رسالة من أختنا الفاضلة سطرناها كما جاءتنا لعل فيها العبرة والعظة.
هدوا إلى الطيب من القول: تلقتالداعية دعوة إلى مجلس علم لإلقاء إحدى المحاضرات، فالتقت بالحاضرات وتلقت وتعلمت منهن مما أثلج قلبها، وشرح صدرها، بعدها أرادت أن تطمئن على مدى استجابة الحضور على ما سلف أن بذر في القلوب. فأبدت أكثر من واحدة منهن رغبتها في عرض تجربتها، ثم ما لبثت إحداهن أن بدأت الحديث قائلة:
إن نية التحرك العملي بآيات القرآن تجعل الإنسان منتبها أثناء التلاوة، وهذا ما حدث معي فقد توقفت كثيراً عند قول الله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج: 24)، فقد كنت أحتد كثيراً على أولادي وأعنفهم لأقل الهفوات. وأرفض تماماً أن يناقشني أحدهم في قرار اتخذته أو أمر فعلته، وعند قراءتي للآية علمت أن الطيب من القول هو هداية من عند الله، فطلبت هذه الهداية منه سبحانه وألححت في الطلب أن يجمل ما يقال على لساني، وبدأت أدرب نفسي مع أولادي ومع من حولي، وكانت منة من الله وكان فضله علي عظيماً عندما جعلني أتعلم من كتابه.
فقد لفت نظري حوار الله سبحانه مع الأنبياء، فقد كان هذا الحوار قمة الرقي والود والحب، فالأمر فيه رأفة ورحمة، وحنو من رب كريم، بل كان يناديهم بأسمائهم وهم العبيد وهو الخالق العظيم، وكذلك في حواره سبحانه مع الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 3٠)، كان هذا كافياً وهو الخالق وهم المخلوقون الذين يسبحونه الليل والنهارلا يفترون، ولكنهم تساءلوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: ٣٠)
حوار بالدليل والبرهان
ويتواصل سبحانه في حواره معهم برفق وحب ولين، وقد أتى لهم بالدليل والحجة والبرهان عندما قال لهم: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾ (البقرة : ۳۱) فلم يتمكنوا، فقال ﴿أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ سبحانه وتعالى لآدم (البقرة: 33)، فتمكن آدم من ذلك بعد تعليم الله له ليقيم عليهم الحجة، ومن هم الملائكة الذين هم خلق من مخلوقات الله من هم بالنسبة لله الواحد القهار؟ فتعلمت الكثير.
حتى في حوار الله سبحانه وتعالى مع الشيطان، فبالرغم من معصيته لله وعدم استجابته لأوامره في السجود لآدم نجد أن الله سبحانه أمهله إلى يوم الدين كما طلب واستجاب لدعوته: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: 36-38)
بعد ذلك رجعت من جولتي إلى الآية المصاحبة لي: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج: 24)، فكان تنفيذي العملي لها بحماس كبير لم أعهده على نفسي، وبدأت كلماتي الطيبة تخرج بسلاسة من فمي، فاستراحت نفسي ولم أعد متوترة من كثرة الصخب والعراك مع أولادي، بل إنني بعد أخذي لهم باللين والرأفة شعرت بقربي الشديد منهم وتوصلت إلى معرفة مفاتيح شخصياتهم. حقاً لقد كانت الآية الكريمة لي مرشداً معلماً .
كفى بنفسك حسيباً
تهللت أسارير الداعية لحديثها، وبدأت الثانية تحكي وتقول: قبل أن نترك موضوع الأولاد، سأروي لكم تجربتي:
لقد كنت ألوم إحدى بناتي على سلوك معين لم يكن يعجبني فيها، وكنت أحاول جاهدة أن اثنيها عنه بلا جدوى، وقد تعلمت من القرآن الدقة في كل شيء، فالله سبحانه وتعالى: (أتدري من الله (؟!) يسجل علينا كل شيء ويجعله في كتاب يعرض علينا يوم الدين: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14)
عندها خطرت على بالي فكرة ونويت تطبيقها، فقمت بتسجيل العيوب التي أخذها على أولادي، ثم نظرت إلى نفسي بعد أن أسقطت عليها هذه العيوب التي سجلتها، فوجدت أن بي أغلب هذه العيوب.
كان ذلك مفاجأة مذهلة بالنسبة لي وكان لا بد من عمل سريع من جانبي فعمدت إلى نفسي لإصلاحها، فأسلمتها إلى القرآن والسنة لتتعلم وتتربى، وأخذت على الدراسة والمثابرة حتى تخلصت من كثير من هذه العيوب .
وبشكل تدريجي وجدت أن أولادي يتخلصون من عيوبهم بشكل تلقائي، فعلمت أن تربية الأولاد تتم بالقدوة وليس بكثرة الوعظ، وأصبحت أتناول القرآن بشكل مختلف وكذلك أحاديث الرسول .
أول أيام العيد
كان العيد قد اقترب ولم تبقَ إلا أيام قليلة من شهر رمضان، وبدأت الأسرة تسأل أحمد: ماذا أعددت للعيد؟
سكت أحمد الصغير، ولم يجب وترك الأمور تسير بشكل طبيعي.
كانت الأسرة قد بدأت في وضع ملابس الشتاء في حقائب لتحتفظ بها للعام القادم وأخرجت ملابس الصيف، وإذا به يكتشف أن الكثير منها قد أصبح لا يناسبه.
سأل أمه أن تغسلها وتكويها وتضعها بعد ذلك في لفافات جميلة، وأهدى هذه اللفافات إلى ابن البواب وابن المسحراتي، وإلى الكواء وصبي بائع الصحف. سعدت أمه بما فعل.
راح أحمد بعد ذلك يرتب كتبه، وجد أنه قرأ الكثير منها ولم يعد بحاجة إليها. فعمل قائمة بالكتب التي يريد أن يستغني عنها، وسأل أصحابه أن يفعلوا الشيء نفسه. وبدأت عملية تبادل الكتب فيما بينهم بشكل أسعد الجميع. لقد تخلصوا جميعًا مما لا يريدونه، وأخذوا جديدًا لم يكونوا قد قرؤوه بعد.
ونسي أحمد التفكير في أمر العيد القادم، لكن الأسرة كانت تذكره به.
وحدث يومًا أن قرأ إعلانًا ملصقًا على حائط صلاة العيد خارج المدينة. قال في نفسه وجدتها. عرف المكان. وافق والده على أن يذهب للصلاة فيه. نصحه أن يفعل كما كان الرسول والصحابة يفعلون: يذهبون للصلاة من طريق ويعودون من طريق آخر.
وجد أحمد في طريقه إلى خارج المدينة عددًا من بيوت أصحابه، طلب منهم أن ينتظروه، ليسيروا معًا. وكان اللقاء صباح يوم العيد ممتعًا، إذ ساروا يكبرون مع أضواء اليوم الجديد. وتصادف في ذلك اليوم أن يكون مكان أحمد في الصلاة بين ناظر مدرسته ومدرس الدين. سعد بهما وسعدا به. قال له الناظر: مبارك العيد ومبارك نجاحك يا أحمد منذ انتهت الدراسة لم نلتق كنت سأستدعيك. هناك معسكر للمتفوقين دينيًا واجتماعيًا ودراسيًا. لقد رشحتك لقضاء عشرة أيام في الإسكندرية. شكرًا لسيادتكم وكل سنة وحضرتكم بخير.
عاد أحمد كما نصحه والده من طريق غير الذي جاء منه. كان هذا الطريق معلومة ببيوت أهله وأقاربه. دق أبوابهم وقدم لهم التهنئة بمناسبة العيد. عاد إلى البيت مبكرًا.
استعد مع أسرته لكي يستقبلوا القادمين ليقولوا: كل عام وأنتم بخير.
هل يمكنكم أن تعرفوا من جاء بهذه المناسبة؟
جاء ابن البواب وابن المسحراتي، وصبي الكواء، وصبي بائع الصحف.
كانوا سعداء بثيابهم. كل منهم أتى بهدية صغيرة ظريفة ومناسبة.
في المساء ذهب أحمد مع الأسرة إلى جده وجدته. سألوه عن برنامجه وكيف قضى العيد. كان سعيدًا وهو يقول:
البرنامج كان حافلًا ورائعًا، لم تكن هناك زينات في غرفتي، لكن ثيابي على أصدقائي كانت أجمل من كل زينة.
كتبي التي في أيديهم كانت رائعة وكذلك كتبهم التي وضعتها في مكتبتي.
الحق أني أحسست أنني صنعت لنفسي عيدًا بداخلي. أذهب للصلاة فيجيء إلى خبر المعسكر، أهنئ أهلي بالعيد فيعطونني العيدية. وسعد الجد بعبارة أحمد أنه صنع عيدًا بداخله، وليس من حوله. وكانت الجدة تتمنى لو عادت صغيرة لتقيم عيدًا في قلبها كما فعل أحمد.
وشعر الجد والجدة أن كلمات أحمد قد صنعت لهما أجمل عيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل