العنوان المنظور الإسلامي.. رؤية غربية للنشاط الإسلامي في الساحة العربية.
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 56
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-يوليو-1989
الحكومات الاستعمارية والحكومات الوطنية في عالم الإسلام دأبت على إيجاد نظم حكم وإدارة تقوم على الأطر الغربية.
المنظور الإسلامي دراسة في كتاب أصدرتها مؤسسة أكسفورد التحليلية المحدودة في إنجلترا، وقد احتوى الكتاب وهو «باللغة الإنجليزية» مقدمة طرحت فيها مؤسسة أكسفورد فكرة عن محتويات ذلك الكتاب. وقد رأينا نشر ما ورد في تلك المقدمة لاطلاع القارئ الكريم على الكيفية التي يقيم بها الغربيون التيار الإسلامي في الساحة العربية.. وسيلاحظ القارئ أن الصحوة في العالم الإسلامي تفرض نفسها اليوم أكثر من أي وقت مضى مما جعل أولئك الغربيين يهتمون بها وينشرون عنها الدراسات المختلفة والتي تتراوح أحيانًا بين التحريض.. والوصفية.. ولعل هذه الدراسة أقرب إلى الوصفية منها إلى أي شيء آخر.
منذ السبعينيات وحتى يومنا هذا هناك عدة دلائل تشير إلى وجود حماس ديني في البلاد التي ورث كل السكان أو أكثرهم العقيدة الإسلامية.
وهذا البعث لا تقتصر مشاهدته في حياة الأفراد، بل والجماعات والحركات التي تسعى لإقامة دول ومجتمعات تحكمها تعاليم القرآن والقوانين المستقاة منه. لقد أصبح الإسلام في كافة أنحاء بلاد الشرق الأدنى والأوسط لغة، لقد أصبح ظاهرة كبرى في الأحاديث السياسية ويستخدمه الذين هم في سدة الحكم الذين يرغبون في دعم شرعيتهم.. كما يستخدمه أفراد المعارضة كأسلوب للنقد في أمور تتعلق بالثقافة والاقتصاد والمجتمع بشكل عام. وهذه التيارات ليست سطحية، بل لها جذور عميقة وينتظر أن تقاوم وتستمر خلال المستقبل المنظور من أجل ذلك لا بد أن تهتم الحكومات والشركات والأفراد الذين لهم معاملات مع عالم الإسلام بالمسائل الآتية:
- إلى أي مدى تستخدم حكومة بلد مسلم ما الإسلام كمصدر لازم لشرعيتها وإلى أي مدى تعتمد على استخدام الرموز المستقاة من التراث الإسلامي في لغتها السياسية؟
- ما هو دور الإسلام الديني والسياسي في داخل أهم أحزاب أو شرائح المعارضة داخل ذلك البلد أو خارجه؟
- ما هي التأثيرات العملية للإسلام في ممارسات الحكومة على صعيد السياسة المحلية والخارجية والسياسة الاقتصادية في الداخل والخارج؟
هذه هي الأمور التي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عليها من خلال دراسات ميدانية لمعظم الأقطار الإسلامية في العالم الإسلامي. ولكن لا بد لها في التمهيد من التعرض لبعض الأسباب الجذرية التي تقف وراء صحوة الإسلام الدينية والسياسية في السنوات الأخيرة.
التحدي الإسلامي
لكن الذي يحدث بشكل أساسي هو أن ما يجري ليس بالأمر الجديد، بل هو تعزيز لشيء ظل موجودًا بشكل دائم. فحتى عندما كانت القوى الأوروبية الاستعمارية والإمبريالية في قمة مجدها في الشرقين الأدنى والأوسط في القرنين التاسع عشر والعشرين «أي إلى قيام الحرب العالمية الثانية» فقد سعى الإسلام إلى تحدي هذه القوى على أسس اجتماعية وسياسية. وعندما اصطدم المسلمون مع القوى العسكرية والاقتصادية الأوروبية وواجهتهم الأطر والمؤسسات السياسية الأوروبية شرعت مجموعات من «المجددين الإسلاميين» في تعديل تراثها وإعادة تفسيره في ضوء هذه التحديات. وكانت تأمل أن تحدث مجتمعاتها بأن تأخذ من الغرب ما كان ضروريًا لتقدمها العلمي والاقتصادي من غير أن تساوم أو تتنازل عن هويتها الثقافية الخاصة بها. وهناك تغيير حاسم في التركيز بين أولئك المجددين الإسلاميين وبين الأصوليين الإسلاميين المحدثين الذين برزوا في السنوات الأخيرة بشكل كبير، فبينما نجد أن «المجددين» يؤمنون بالعمليات الاختيارية في التكيف فإن الجيل المعاصر يعتقد بشدة أنه مكتف ذاتيًا بتراثه الإسلامي الذي لا يحتاج معه إلى البحث عن مصادر دينية أو ثقافية أخرى لتحقيق القوة والتقدم.
لقد ظل الإسلام دائما دينًا له توجهات سياسية واجتماعية وقد تأثرت حياة الناس التي يوجد فيها تأثرًا عميقًا بقيمه الخلقية. ولقد ظل المسلمون يوقنون بذلك دائمًا إلا إن إحساسهم بذلك قد تصاعد كثيرًا في الأزمنة الأخيرة تبعًا لمزيد من الأسباب التالية:
1- نظام عدالة اجتماعية:
في الوقت الذي يعتقد فيه المسلمون أن الإسلام نظام عدالة اجتماعية رائعة فإن آمالهم لم تتحقق بعد وينتشر بينهم الفقر والظلم ولا تزال الحياة صعبة للغاية وعلى الأخص بين الأعداد الساحقة من سكان الضواحي الفقراء. كل ذلك بسب بعد مناهج الحكم عن الإسلام مما أحدث ظلمًا اجتماعيًا.
2-أزمة هوية:
الحق أن كلًا من الحكومات الاستعمارية والحكومات الوطنية في عالم الإسلام قد دأبت على إيجاد نظم حكم وإدارة تقوم على الأطر الغربية.
وتعتبر السعودية استثناء لهذه القاعدة في العصر الحاضر، ومن ثمة ففي باقي الدول ظلت نظم الحكم الأجنبية بعيدة وغريبة عن أغلبية السكان المحكومين.
وهناك اليوم مجموعات وحركات في العديد من بلاد المسلمين تقدم مطالب إسلامية. والمسلمون اليوم يريدون نظام حكم يأخذ بأسباب التقدم والرقي من غير إخلال بمبادئ الإسلام، فهم يرفضون العلمانية كما يأبون الرجوع إلى عصور التأخر العتيقة ولا يرون تناقضًا بين الموقفين..
ولذلك فهم يعتبرون أنفسهم جزءًا من عالم ثالث ولا شرقي ولا غربي.
3- الشباب والاستقطاب الأيديولوجي:
نسبة الشباب عالية في كثير من الأقطار الإسلامية، فمتوسط الأعمار في بلاد الشرق الأدنى والأوسط هي ٢٥ سنة أو أقل. وقد أدت ديمقراطية التعليم إلى إتاحة فرص أكبر من التعليم لأعداد متزايدة من الطلاب إلا أن احتمالات التحرك الاجتماعية محدودة للغاية بالنسبة للأغلبية الساحقة من هؤلاء الطلبة فأكثرهم يعلم أنه بالرغم من الحصول على نجاح أكاديمي معقول إلا أن الفرص ضئيلة أو معدومة أمامهم ليكونوا جزءًا من النخبة في بلادهم إذا لم يولدوا كذلك. لذلك تعرضت الجامعات في شمال أفريقيا لحملات ناجحة من الدعاة إلى الإسلام وتدور المناظرات الجادة في أوساط الطلبة حول موضوعات إسلامية. وهناك مشاركة كبيرة للنساء في هذه الحركات ولقد قرر الطلاب أن المنظمات العلمانية المرتبطة بحكومة الحزب الحاكم والتي سيطرت على الجامعات في الخمسينيات والستينيات قد ضلت طريقها. وهم يعتقدون أن الإسلام وحده هو الذي يقدم شيئًا جديدًا وجديرًا بالاهتمام لحل المعضلة الدائمة الخاصة بتحديث المجتمع مع الاحتفاظ بالهوية الأصيلة ولتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.
العنف:
لا شك أن عددًا من الحالات المدروسة في القسم الثاني من هذا الكتاب تقدم دليلًا كافيًا على أن فترة الثمانينيات قد شهدت زيادة ملحوظة في حدوث حوادث للعنف في الشرق الأدنى والأوسط، وصحيح أن الإرهاب يعتبر ظاهرة عالمية وأنه ليس جديدًا في هذه المنطقة من العالم لكنه لما أصبح الإسلام الديني والسياسي مبدأ مسيطرًا خلال السنوات الأخيرة، فقد كادت أن تصبح كلمة الأصولي الإسلامي تعني في أجهزة الإعلام الغربية «الإرهابي» وهي صورة مشوهة بلا ريب. لذلك أصبح من الصعب توكيد الحقيقة التي مفادها أن أغلبية الملايين من المسلمين الذين يمكن أن نطلق عليهم لقب «أصوليين» تعتبر أعمال العنف التي تقوم بها أقلية متطرفة منهم أمرًا غير طبيعي وشاذًا ومنافيًا لنظرتهم إلى الدين والحضارة.
ومن المهم أن نذكر هنا أن الصورة الإسلامية للتطرف ليس ظاهرة منعزلة في المنطقة فقد قامت داخل مجتمع إسرائيل منظمات تطرف ديني يهودية. وقد كان لهذه المنظمات دور كبير في وصول تكتل ليكود إلى الحكم عام ۱۹۷۷. ولم يكن المسلمون بطيئين في رد الفعل الذي صدر عنهم تجاه الأسلوب الذي تحدث به سياسيو الليكود عن حدود إسرائيل.. كما أن الصراع العربي الإسرائيلي قد وفر سببًا لظهور التطرف الديني في المنطقة، فقد كان هذا الصراع في الأصل نزاعًا بين قوميات متنافسة كانت فيه الاعتبارات الدينية ذات بال ولكنها لم تكن هي الغالبة أو المهيمنة واليوم أصبحت الأماكن المقدسة كالقدس والخليل التي تهم كلًا من اليهود والمسلمين موضع اهتمام الطرفين ونقاطًا للصدام بينهما. ولن يكتب للإرهاب أن يزول من الشرق الأدنى والأوسط ما دامت الأسباب الجذرية لا تزال عميقة راسخة هناك. وهي تشمل ما يلي:
أسباب جذرية
- خيبة الأمل الواضحة بالنسبة للقضية الفلسطينية والافتقار إلى أي تقدم سياسي حقيقي نحو حل عادل لها فمع استمرار حالة الجمود.
- اليأس الناشئ من الإحساس بالطريق المسدود في مختلف مستويات الحياة. فحيثما وجد الفقر الشامل والجمود الاجتماعي جنبًا إلى جنب مع الفساد وسوء توزيع الثروة، هناك إغراء دائم للعناصر المتطرفة أن تلجأ إلى العنف.
- الافتقار إلى التعدد السياسي في الدول المختلفة بالمنطقة يجعل من الطبيعي أن تصبح الشخصيات والمؤسسات الإسلامية أماكن للتعبير السياسي البديل.