; هندسة التأثير- الاستثمار أو الاندثار | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير- الاستثمار أو الاندثار

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 66

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 59

السبت 02-أغسطس-2008

يروي لنا التاريخ قصة لأحد ملوك فرنسا السابقين هو وزوجته الملكة، كيف أنهما فشلا في استثمار طاقات الشعب (كعادة كثير من رؤساء الأمس واليوم)، وغرقا في الفساد، وتركا الشعب يعاني الفقر والجوع، والفساد، فكانت نهايتهما سريعة ومروعة.

 فعند اقتراب عهد «لويس الخامس عشر» من نهايته، كانت فرنسا كلها تبدو بحاجة ماسة إلى التغيير، وعندما قام حفيد الملك، وخلفه المنتخب، الذي عرف فيما بعد باسم (لويس السادس عشر) بالزواج من «ماري أنطوانيت» ابنة إمبراطورة النمسا، (البالغة من العمر خمسة عشر عامًا) التقط الفرنسيون لمحة من المستقبل الذي بدا لهم مفعمًا بالأمل.

 إن الناس الاعتياديين الذين لم يكونوا قد رأوا ماري أنطوانيت بعد، راحوا يتحدثون عنها بحماس؛ إذ كان الفرنسيون مشمئزين من سلسلة العشيقات اللواتي سيطرن على لويس الخامس عشر، فتطلعوا بتفاؤل إلى خدمة ملكتهم الجديدة.

 وفي سنة ١٧٧٣م عندما ركبت ماري أنطوانيت، علانية لأول مرة في شوارع «باريس» تجمع جمهور غفير من المصفقين حول عربتها فكتبت إلى أمها: «أنا محظوظة لكوني في موقع أحظى فيه بعاطفة واسعة الانتشار دون أية كلفة تذكر».

 وفي سنة ١٧٧٤م، توفي «لويس الخامس عشر» وصعد «لويس السادس عشر» إلى العرش. وحالما صارت ماري أنطوانيت ملكة، أسلمت نفسها للمسرات التي كانت تحبها أكثر من أي شيء آخر وهي طلب وارتداء أغلى الثياب والجواهر في المملكة، وراحت تهتم بأعقد تركيبة شعر في التاريخ، فكانت تسريحاتها المنحوتة ترتفع فوق رأسها ثلاثة أقدام. وشرعت تقيم سلسلة متصلة من الحفلات والمهرجانات، وكانت تدفع تكاليف هذه النزوات بالدين، فلم تهتم أبدًا بمقدار تلك التكاليف، ولا بمن يدفع الفواتير. 

وفي تلك الأثناء كانت فرنسا نفسها آخذة في التدهور: فكانت هناك مجاعة وسخط واسع الانتشار، حتى رجال الحاشية المنعزلون اجتماعيًا، كان السخط يجيش في نفوسهم، فقد كانت الملكة تعاملهم كالأطفال.

 ولم يكن يهم الملكة سوى ذوي الحظوة لديها، وهؤلاء كانوا يتناقصون شيئًا فشيئًا، ولكن ماري أنطوانيت لم تكلف نفسها عناء الاهتمام بذلك، فلم يحدث مرة واحدة أن قرأت تقرير وزير طيلة عهدها كله، ولم يحدث مرة واحدة أن طافت بالأقاليم كي تجمع الناس إلى جانبها، ولم يحدث مرة أن اختلطت بالباريسيين، أو استقبلت وفدًا منهم، ولم تفعل أيًا من هذه الأشياء لأنها كملكةكانت تشعر بأن الناس مدينون لها بعواطفهم، ولم یکن مطلوبًا منها أن تحبهم في المقابل. 

وفي سنة ١٧٨٤م، تورطت الملكة في فضيحة؛ إذ من خلال خطة سلب واحتيال معقدة، اشتريت باسمها أغلى قلادة من الماس في أوروبا كلها، وأثناء محاكمة النصابين ظهرت على الملأ تفاصيل حياتها الباذخة، فسمع الناس بالأموال التي كانت تنفقها على الجواهر، والفساتين، ورقصات الأقنعة التنكرية، فأعطوها لقب «السيدة عجز» «من العجز في الميزانية»، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا صارت محط سخط الناس المركز.

 وبعد ذلك بخمسة أعوام، في سنة ١٧٨٩م، وقع حدث لم يسبق له مثيل، وهو بداية الثورة الفرنسية، وفي سنة ۱۷۹۲م نقل الزوجان الملكان من القصر  إلى السجن، بينما أعلنت الثورة رسميًا نهاية الملكية. 

وفي السنة التالية، حوكم لويس السادس عشر، وأدين وأعدم على المقصلة.

 وبينما كانت ماري أنطوانيت تنتظر مصيرًا مماثلًا، لم يأت شخص واحد للدفاع عنها، لا من أصدقائها السابقين في البلاد، ولا من عواهل أوروبا الآخرين، ولم تدافع عنها حتى أسرتها في النمسا، ومنها أخوها الذي كان يجلس آنئذ على العرش؛ فقد أصبحت منبوذة العالم.

 وفي شهر أكتوبر سنة ١٧٩٣م، ركعت في آخر الأمر على المقصلة، غير نادمة ولا تائبة، وبكبرياء التحدي حتى النهاية المريرة. 

وفي أمثال هؤلاء يقول القاضي عبد الوهاب المالكي -يرحمه الله: 

ومن يثني الأصاغر عن مراد                    وقـد جلس الأكابر في الزوايا

 إذا استوت الأسافل والأعالي                  فقد طابت منادمة المنايا 

أما الحياة المعاصرة، فقد استطاعت في كثير من أمورها تخطي هذا النموذج السلبي، وأصبحت تركز نشاطها في كيفية استثمار ما عند الآخرين، وإلا طوتهم صفحة الحياة، وأصبحوا أثرًا بعد عين. 

وما فكرة إنشاء البنوك إلا تطبيق عملي على هذا الأمر؛ فقد قامت فكرة إنشاء البنوك في العالم على استثمار أموال الآخرين، والشركات المساهمة أيضًا قائمة على هذا المبدأ، وكثير من الشركات لا ينفق رؤساؤها من أموالهم سوى النزر «القليل التافه» اليسير، وربما لا يدفعون درهمًا واحدًا من جيوبهم، وهذا هو الذكاء الذي يمكنك به أن تحصل على ما تريد دون أن تدفع شيئًا تندم عليه أو تخاطر به. 

ولقد لجأت كثير من الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية اليوم إلى فتح فروع لمصانعها في العديد من الدول الآسيوية مثل: الصين وتايوان، وماليزيا، والهند، وذلك لاستثمار الأيدي العاملة الرخيصة، وفتح أسواق كبيرة لها في تلك البلدان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

141

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان