; ظروف الصراع وملابساته بين أنديرا وبعض الأحزاب.. الجماعة طالبت بتحكيم العقل والقضاء.. فهل هذا سبب حلها؟ | مجلة المجتمع

العنوان ظروف الصراع وملابساته بين أنديرا وبعض الأحزاب.. الجماعة طالبت بتحكيم العقل والقضاء.. فهل هذا سبب حلها؟

عنوان تمهيدي حول حل الجماعة الإسلامية بالهند

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975

مشاهدات 14

نشر في العدد 259

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-يوليو-1975

إن هناك نقطة هامة ينبغي أن يعرفها العالم والعالم الإسلامي بصفة خاصة، ذلك أن الهند.. هذا البلد الكبير الذي (كان) يعد أكبر دولة «ديمقراطية» في العالم! والذي أصبح – ولو مؤقتًا – أكبر ديكتاتورية – لم يستطع أن يضع تعريفًا لـ«الطائفية»، تلك الكلمة التي يرددها الحكام والزعماء والساسة والقادة في الهند في كل لحظة أربعين مرة.. ما استطاعت الحكومة الهندية وضع تعريف لتلك الكلمة رغم محاولات سنوات عديدة استغرق النقاش حولها زمنًا طويلًا داخل البرلمان الهندي وخارجه.

والسبب واضح: في الهند منظمتان متناقضتان؛ إحداهما إسلامية مسالمة، والأخرى هندوكية متطرفة مسلحة فاشستية؛ الأولى الجماعة الإسلامية والأخرى «آر - إس - إس»، فحاولت حكومة الهند أن تضع هاتين الجماعتين المتناقضتين قلبًا وقالبًا في إطار واحد وأن تزنهما بميزان واحد وأن تقيسهما بمقياس واحد لكي تحل الجماعتين في آن واحد وبحجة واحدة. ولا شك أن هذا اتجاه جد صعب ومطلب للمستحيل، وطبعًا فشلت الحكومة في سعيها في محاولتها تلك. ولكنها كانت بالمرصاد مترقبة سنوح فرصة لنيل المطلوب وتحقيق الهدف المرسوم بأي وسيلة كانت. فانتهزت فرصة حالة الطوارئ واستخدمتها لتسقط طائرين برصاصة واحدة.

أُعلنت في الهند حالة الطوارئ، وإعلان حالة الطوارئ ومصادرة حرية الصحافة وفرض الرقابة على وكالات الأنباء.. كل هذا وأمثاله لعلها أمور داخلية لحكومة الهند، ليس لنا أن نتدخل فيها.

كما أننا نغض النظر عما إذا كانت الظروف والتطورات الأخيرة في الهند وصلت إلى حد أن تعطي الحكومة الحق في إعلان حالة الطوارئ التي أدت إلى القضاء على الديمقراطية التي كانت أهم ما يتباهى به الهند ودول العالم.

بصرف النظر عن هذا كله.. فإن الذي يهمنا أن حكومة الهند حلت أكبر منظمة إسلامية في الهند مستخدمة حالة الطوارئ كستار من دخان كثيف ومستغلة إياها استغلالًا وحشيًا.

والقضية ليست حل جماعة ما، صغيرة كانت أو كبيرة، وإنما هي قضية تعدٍّ على حقوق الأقلية الإسلامية في الهند التي هي أكبر أقلية في العالم حيث يربو عددهم على ثمانين مليون نسمة؛ لأن الحكومة الهندية مادامت اجترأت على حل جماعة للمسلمين بدون أدنى سبب فما الذي يمنعها من محاولة القضاء على الجماعات الإسلامية الأخرى والمؤسسات الدينية والمراكز التعليمية للمسلمين بل حتى مصادرة أوقافهم وإغلاق مساجدهم؟! ما الذي يمنعها من ذلك كله مادامت الخطة واحدة ومادامت الحجة واحدة؟! الحجة أن هذه الأمور الدينية لا تناسب دولة علمانية كما يظهر في بيان وزير الداخلية الهندية الذي أدلى به إثر حل الجماعة الإسلامية مبينًا سبب الحل ل-«تايمز أوف إنديا» بتاريخ 7/ 7/ 1975.

ما كان بإمكان الحكومة الهندية أن تحل الجماعة الإسلامية في جو يسوده سيطرة القانون؛ لأن الجماعة منظمة مسالمة، ليست لها تنظيمات سرية ولا أعمال تخريبية ولا خطط إرهابية.

فماذا تصنع إذن؟ فلتخلق جوًّا مناسبًا، جو الدكتاتورية، ولتستخدم حالة الطوارئ وسيلة إلى ذلك.

لا نعني بهذا أن الجماعة الإسلامية كانت هي الهدف الوحيد والمقصود بإعلان حالة الطوارئ، لا.. نحن نعلم أنه كان هناك فوضى واضطرابات ومظاهرات وقلق سياسي.. ولكن.. من كان وراء ذلك كله؟ الأحزاب السياسية ليس غير.

ولم يكن للجماعة الإسلامية أدنى دور فيها، بل - بالعكس - كانت تدعو جميع الأحزاب إلى سيادة القانون والنظام وتجنب الفوضى واللاقانونية والطفرة الصبيانية.

فلماذا حُلّت؟! هذا يطرح علينا الكثير الكثير من التساؤلات.

فعلى العالم الإسلامي أجمع - حكومات وشعوبًا ومنظمات - أن يحتج على الحكومة الهندية لكي تراجع نفسها وترتدع عن دكتاتوريتها وتعطي المسلمين حرية الاعتقاد والرأي والنشاط.

وأما الآن فلنذهب إلى خلفيات القضية والظروف التي أدت إلى إعلان حالة الطوارئ.. ولكي يستبين الأمر لكل ذي عينين:

فقد أصدرت المحكمة العليا الإقليمية بولاية أوتار براديش حكمًا بإلغاء انتخابات رئيسة الوزراء أنديرا غاندي قانونيًا، كما أصدرت حكمًا بعدم جدارتها لأي مسؤولية رسمية وبابتعادها عن الاشتراك في الانتخابات للسنوات الست القادمة.

وقال القاضي في حكمه: إن رئيسة الوزراء قد استخدمت الوسائل الحكومية والموظفين فيها في الانتخاب، وهذا مما لا يصح أبدًا وفق قوانين الانتخاب.

فأعلنت أنديرا غاندي أنها تذهب بالقضية إلى المحكمة العليا الهندية للاستئناف وأنها لا تستقيل من منصبها، فقام المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) رئيسه وأعضاؤه في داخل البرلمان وخارجه ومعظم وزراء الولايات- قاموا مؤيدين موقف أنديرا غاندي وأبدوا ولاءهم وثقتهم برئيسة الوزراء، وبقي أعضاء الأحزاب المعارضة داخل البرلمان وخارجه وزعماء الأحزاب رحبوا بحكم المحكمة العليا وطالبوا أنديرا غاندي باستقالتها من منصبها.

فالتحم الفريقان - من مؤيدين ومعارضين - فكانت مظاهرات ومسيرات شعبية في عاصمة الهند وفي الولايات.. وبدأ الجو السياسي في الهند كلها يتحول إلى العنف والحدة.

وكان رأي الجماعة الإسلامية في الموضوع - وهذا الذي يهمنا الآن - أن القضية قضية قانونية فلتجر مجراها القانوني، وأنه لا ينبغي للأحزاب السياسية المؤيدة لأنديرا غاندي منها والمعارضة لها أن تجعلها قضية سياسية وأن تخلق - نتيجة لذلك - الفوضى واللاقانونية في البلاد، ولكن الجماعة لم تجد آذانًا صاغية ولا عقولًا متزنة تفكر في هدوء.

فالسؤال إذن.. لماذا لم تُحَلَّ الأحزاب السياسية التي تسببت في خلق الظروف المؤدية إلى إعلان حالة الطوارئ؟! لماذا لم يُحَلَّ ولا واحد منها؟! ثم لماذا لم تُحَلَّ «جناسنك» أي الحزب الهندوسي الطائفي المتطرف الذي يعد جناحًا سياسيًا ل-«آر - اس - اس» التي حُلّت؟!! من المعروف أن «آر - اس - اس» منظمة هندوكية طائفية مسلحة مع تنظيمات سرية ومراكز تدريب عسكرية - وأن «جناسنك» جناحها السياسي - فما الفائدة إذن في حل «آر - اس - اس» ما دام جناحها السياسي «جناسنك» تُرك حرًّا يباشر نشاطاته؟! العلاقة بين «آر - اس - اس» و«جناسنك» غير خافية على أي أحد في الهند. فإذن حكومة الهند ليست صادقة في دعواها أنها تريد القضاء على الطائفية ما دامت أطلقت عنان «جناسنك».

ثم إن لنا سؤالًا آخر في القضية: كيف تصر أنديرا غاندي على منصبها - وهي رئيسة أكبر دولة ديمقراطية في العالم - كيف تصر على منصبها والمحكمة العليا ألغت انتخابها وحكمت بعدم جدارتها لأي مسؤولية رسمية؟! نحن نطرح هذا السؤال وقصة نكسون ووترجيت ليست ببعيدة!

الرابط المختصر :