العنوان ضرورة المليشيا العسكرية للمسلمين في لبنان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1985
مشاهدات 41
نشر في العدد 720
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 04-يونيو-1985
- هل يستجيب الشيخ حسن خالد لنداء المسلمين؟
بعيدًا عن أسلوب المجاملات المعتادة التي نعتقد أن ظروف المعاناة التي يعيشها المسلمون في كل مكان وفي لبنان خاصة، تسمح بتسطيرها لكم ولا نرى أن دماء المسلمين التي أريقت ولازالت تراق في بيروت الغربية وصيدا وطرابلس وكل المناطق الإسلامية في لبنان تعطينا فرصة لتقديم أي نوع من أنواع المجاملات الدبلوماسية التي لن تعيد حقًّا اغتصب ولا دماء أريقت ولا أرواحًا أزهقت.. ومن هنا فإن واجب الأخوة الإسلامية يفرض علينا أن نتحدث إليكم مباشرة بدون أدنى انتباه لأي نوع من أنواع تلك المجاملات.
مسؤولية دار الإفتاء
إن المسؤولية الملقاة على عاتقكم من خلال تصديكم لمنصب الإفتاء لهي جد خطيرة وخاصة في بلد كلبنان قام أصلًا على الطائفية التي نص عليها ميثاق عام ١٩٤٢ والذي تم بموجبه رسم البنية السياسية للدولة اللبنانية ولهذا كان دور رؤساء الطوائف اللبنانية أوقع أثرًا على الساحة اللبنانية من دور رجال السياسة، حيث إن الساسة اللبنانيين كانوا ومنذ العهود الأولى للاستقلال يتحركون من خلال دعم رؤساء الطوائف التي ينتمون إليها وكما هي مسؤوليتكم خطيرة بالنسبة لأهل السنة كذلك كانت مسؤولية البطريرك خريش بالنسبة للنصارى وشيخ العقل أبو شقرا بالنسبة للدروز والمفتي قبلان بالنسبة للشيعة.. وكان أهل السنة يشكلون منذ إنشاء الدولة اللبنانية صمام الأمان الذي يحافظ على حقيقة انتماء لبنان للعالم العربي الإسلامي ومنعه من الانحراف بعيدًا نحو الارتباط بسياسات القوى المعادية رغم ما كان للطوائف الأخرى وبخاصة المسيحية منها من ارتباط ثقافي وروحي بتلك القوى وبينما كانت طائفة السنة في لبنان تقوم بدورها في هذا الاتجاه كانت الطوائف الأخرى التي دخلت الخانة الإسلامية من خلال التقسيم الاستعماري الذي رعى ميثاق ١٩٤٣ كالطائفة الدرزية وحتى الطائفة الشيعية محصورة داخل نطاق الساحة اللبنانية بدون أي دور فاعل على الساحة العربية باستثناء الدور الذي لعبه كمال جنبلاط لأغراض طائفية مستقبلية نلمس نتائجها بشكل واضح من خلال المكاسب التي حققتها الزعامة الدرزية للطائفة.
نقول: إن الدور الوطني الواضح الذي لعبته طائفة السنة أثار القوى المعادية سواء المحلية منها والخارجية ومن ثم بدأت برسم الخطط لاحتواء هذا الدور وتحجيمه ومن ثم ضربه وإنهاء تأثيره على الساحة اللبنانية وكانت القضية الفلسطينية هي السبب المباشر للتعجيل بضرب هذه الطائفة الكريمة وخاصة أنها كانت الطائفة الوحيدة التي استقبلت المهاجرين الفلسطينيين وطلائع المقاومة الفلسطينية التي تنتمي عقديًّا إلى أهل السنة وأقامت تحالفًا استراتيجيًّا معها ظهرت آثاره الإيجابية أثناء الهجمة الصهيونية عام 1982.
وخلال هذه الأوضاع كانت دار الإفتاء تمثل في العرف العسكري غرفة العمليات التي تمكنت من إدارة هذه الأوضاع بنجاح من النواحي السياسية والروحية وحتى العسكرية.. لهذا كله فإن حجم المؤامرة التي رسمت ضد أهل السنة كان يتناسب مع حجم الدور الذي لعبته على الساحة اللبنانية واشتركت معظم الأطراف الفاعلة على الساحة اللبنانية في تنفيذ هذه المؤامرة التي رسمت خيوطها في الخارج. وكان لكل طرف من هذه الأطراف دور مرسوم حددته له القوى التي رسمت المؤامرة التي استهدفت أهل السنة.
الأدوار المرسومة لهذه الأطراف
من خلال استعراض الأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية منذ بداية الأزمة عام ١٩٧٥ يمكن فهم الدور الذي لعبته هذه الأطراف والملاحظ هنا أن هذه الأدوار تراوحت بين الوضوح التام كالأدوار التي لعبها الصهاينة والنصارى وبين الغموض والمناورة كالأدوار التي لعبها الدروز وحركة أمل الشيعية لهذا فما يهمنا هنا هو بيان هذين الدورين لعلاقتهما المباشرة بالأحداث اللبنانية الأخيرة.
الدور الدرزي:
لا نعتقد أن سماحتكم تجهلون حقيقة التوجهات الطائفية للمليشيات الدرزية وأن أسلوب المناورة والخداع اللذان تميزت بهما الزعامة الدرزية من خلال ارتداء ثوب التقدمية والاشتراكية لا يمكن أن يخفى على فضيلتكم؛ فهل يعقل أن يكون حزب وليد جنبلاط تقدميًّا واشتراكيًّا وعضويته تقتصر على أبناء الطائفة الدرزية ومعقل الحزب في المناطق الدرزية وزعامته درزية. ووليد جنبلاط نفسه لو لم يكن درزيًّا لما كان من حقه الوصول إلى زعامة الحزب وهو نفسه تسلم الزعامة عن طريق الوراثة العائلية.
إنكم لتعلمون أن طائفية جنبلاط كانت وراء دوره المشبوه والخياني أيام الغزو الإسرائيلي وحتى ما قبل الغزو وأن انتماءه لما سمي بالحركة الوطنية كان أحد أشكال الخداع والمناورة وأن هذا الانتماء كان يوظف لصالح الطائفة فقط، ولهذا فإن مليشيات جنبلاط الدرزية لم تشترك في القتال الذي دار بين التحالف الفلسطيني السني من جهة وبين النصارى منذ عام ١٩٧٥ كما أن هذه المليشيات كانت تتستر في معاقلها في جبال الشوف أثناء الهجمة الصهيونية عام ١٩٨٢ وكان قصر المختارة الذي اعتكف فيه جنبلاط في حينها مركزًا للقاءات المشبوهة التي تمت بين جنبلاط وبين القادة الإسرائيليين، ولا نريد هنا أن نذكرك بهذه المواقف الخيانية للمليشيات الدرزية وزعيمها جنبلاط والتي توجت بفرض، الإدارة المدنية على جميع المناطق الدرزية فور الانسحاب الإسرائيلي من جبال الشوف، وبعد أن أعطى العدو الصهيوني الإشارة الخضراء لجنبلاط لتنفيذ هذه الإدارة المدنية لأننا نعتقد أنه ما من أحد في لبنان يجهل هذه الحقائق.
والذي يهمنا هنا أن نؤكد على أن الدور الخياني الذي مارسه جنبلاط ومليشياته الدرزية طوال الأزمة اللبنانية وخلال الهجمة الصهيونية بشكل خاص لا يقف بعيدًا عن دوره الخياني الذي مارسه عبر مليشياته في بيروت الغربية، فكلًّا من الدورين يكمل أحدهما الآخر نظرًا لارتباطهما بالمؤامرة على أهل السنة. ومن هنا فإن الانسحاب الإسرائيلي من جبال الشوف وإعلان الإدارة المدنية فيه كان مقدمة لتقدم المليشيات الدرزية إلى منطقة بيروت الغربية والتمركز فيها، وقد تم هذا فور تنفيذ الحلقة الأولى في المؤامرة والتي تمثلت بسحب الأسلحة من بيروت الغربية من خلال ما أسموه بالخطة الأمنية التي نسأل فضيلتكم عنها وعن سر اقتصار هذه الخطة على بيروت الغربية.. ألا تعتقدون أن توقف تنفيذ الخطة الأمنية عند بيروت كان مقدمة لدخول المليشيات الباطنية تمهيدًا لتنفيذ الحلقة الثانية من المؤامرة على أهل السنة؟
دور حركة أمل:
كما هو حال مليشيات الحزب التقدمي الاشتراكي التي رفعت الراية الحزبية في محاولة لإخفاء توجهاتها الطائفية الدرزية كذلك المليشيات الخاصة بحركة أمل التي لا يخفى على فضيلتكم انتمائها الطائفي الشيعي، ويكفي أن مؤسسها هو أحد الزعامات الدينية الشيعية وهو الإمام موسى الصدر، الذي عمل على تجميع شيعة لبنان داخل التنظيم الذي أطلق عليه اسم حركة أمل. ولا بد هنا أن نذكر فضيلتكم بأن حركة أمل كانت منذ بداية تكوينها ضد التواجد الفلسطيني في الجنوب وكان هذا التوجه ينطلق من نظرة طائفية محضة باعتبار أن هذه الآلاف من الفلسطينيين تنتمي لأهل السنة وأن هذه الكثافة الفلسطينية السنية من شأنها كما تزعم حركة أمل أن تؤثر على الطابع الشيعي للمنطقة.
ولهذا ومن هذا المنطلق يمكن أن نفسر الموقف السلبي لحركة أمل من المقاومة الفلسطينية قبل الغزو الصهيوني عام ٨٢ وأثناء الغزو وبعد الغزو. وقد لوحظ خلال الغزو الإسرائيلي وحتى من قبل الغزو أن أعدادًا كبيرة من الشيعة تتحرك من الجنوب باتجاه بيروت الغربية وبدأت عمليات التهجير هذه تتزايد تحت ستار ضغوط الأحداث اللبنانية ومن ثم الغزو الصهيوني... إلخ. وبدأت هذه الجموع الشيعية تتوطن في بعض مناطق بيروت وخاصة في الضاحية الجنوبية وبرج البراجنة والأوزاعي والشياح.
إننا نؤكد على فضيلتكم أننا لا ننطلق من منطلقات طائفية أبدًا ولكن الوقائع والأحداث جعلتنا نتخوف من هيمنة شيعية على بيروت الغربية، ونحن إذا ما حاولنا تبرير الهجرة المدنية من الجنوب إلى بيروت؛ فكيف يمكن أن نفهم سر التواجد المسلح الكثيف لمليشيات حركة أمل، وكيف يمكن أن نفهم كون القوة العسكرية الرسمية الممثلة باللواء السادس شيعية في عناصرها وضباطها وكما يعترف عاكف حيدر عضو المكتب السياسي لحركة أمل بقوله «إن اللواء السادس ذو قيادة شيعية وكذلك معظم عناصره».
ولهذا فقد كنا دائمًا نتخوف من حدوث انفجار في بيروت نتيجة هذا التواجد الذي يتم على حساب السكان السنة من أهل بيروت، وهذا ما أثبتته الأحداث الأخيرة.
نعم لإنشاء القوة العسكرية السنية
من خلال ما عرضناه على سماحتكم فإننا لا نظن أنكم لازلتم تعتقدون حسب ما تنامى إلينا من أن الهجمة الوحشية التي قام بها تحالف أمل والدروز على بيروت الغربية، ينطلق من منطلقات سياسية بحتة ولو كان كذلك لما كان للشيخ عبد الحميد الحر القافي الجعفري أن يقول أثناء لقائكم بالوزير الفرنسي رولان دوما أن الخلاف بين الشيعة والسنة لم يكن إلا خلافًا سياسيًّا فهو يعترف هنا أن هناك خلافًا سياسيًّا ولكنه لم يوضح ماهية هذا الخلاف، وكيف يكون الخلاف سياسيًّا مع أن مليشيات حركة أمل لم تكن في يوم من الأيام إلا مليشيات شيعية وكذلك المليشيات الدرزية أيضًا؟.. ولا ندري كيف يكون الخلاف سياسيًّا ويحل بواسطة الدبابات والقذائف الصاروخية ترمى عشوائيًّا على سكان بيروت الغربية، ولا نفهم كيف يكون سياسيًّا والمليشيات الدرزية والشيعية تقوم بحرق الممتلكات والمساجد واقتحام منازل العائلات السنية، وسحب أبنائها لقتلهم أمام ذويهم، إلى آخر هذه الأحداث التي عاشتها بيروت خلال الأيام الماضية، ونذكرك يا صاحب الفضيلة أن هذه الأحداث ليست الأولى من نوعها كما تعلم وأن تبويس اللحى بعد كل هجمة لا يخفي الحقيقة.
إن مسؤولية سماحتكم في هذه الظروف أشد وأكبر وما يراد لأهل السنة أصبح غير خاف على أحد، لذلك نطالبكم بأن تحققوا رغبة المسلمين السنة في إنشاء قوة عسكرية أسوة بالطوائف اللبنانية الأخرى وأن دموع الثكالى اللواتي وقفن أمامكم في دار الإفتاء يشكون إليكم الهجمة الباطنية الشرسة التي قادها بري وجنبلاط، لتدعوكم إلى اتخاذ موقف حاسم في هذه القضية وأن تعملوا وبسرعة على إنشاء هذه القوة العسكرية السنية حتى لا تضيع حقوقكم في لبنان كما ضاعت في غير لبنان وحتى لا تصبحون كالأيتام على مائدة اللئام.
نقول يا صاحب الفضيلة أن غابة الوحوش لا مكان فيها للضعيف، وأن الحق الذي تعتقدونه يحتاج إلى قوة تنصره وتدافع عنه، وأن رسالة الإسلام كما تعلم أكدت على أن الحق ينصره الإيمان والقوة وأن الحقيقة القرآنية الثابتة تقول ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ (الأنفال:60) ، صدق الله العظيم.
فهل أنتم فاعلون يا صاحب الفضيلة؟