العنوان مؤتمر هرتزيليا الرابع: الأمن أولًا
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1583
نشر في الصفحة 32
السبت 03-يناير-2004
في السنوات الثلاث الأخيرة وربع السنة الأخير قتل 901 إسرائيلي وأصيب ٦ آلاف إسرائيلي يجب أن نقول باستقامة: جهاز الأمن بما فيه جهاز الأمن العام لم يوفر لشعب إسرائيل السترة الواقية الجدير بها... يخيل إلينا أن الهدوء من نصيبنا في الأسابيع العشرة الأخيرة منذ العملية في مطعم «مكسيم» في حيفا هذا الهدوء هو هدو، مسكر ومزيف، ففي عشرة أسابيع فقط أحبط هدف أكثر من ٢٠ انتحاريًا كانوا في طريقهم لإسرائيل.
هذه الكلمات ملخص الصورة الأمنية للمجتمع والدولة الصهيونيين، وتأتي أهميتها من أنها من مدير المخابرات الداخلية الصهيوني أفي دختر وقد قالها في سياق الورقة التي قدمها لمؤتمر هرتزيليا الرابع الذي عقد في الفترة من ١٦ – ١٨ من ديسمبر المنصرم.
وفي قراءة أخرى ربما تصلح هذه الكلمات لكي تدرج على أنها النتيجة شبه النهائية للصراع بين الطرفين الفلسطيني واليهودي في الانتفاضة الجارية، وهي لا تخفي روح الانكسار وصراحة الاعتراف بعدم القدرة على الانتصار على الطرف الفلسطيني بأدوات القوة المجردة والمعالجة الأمنية.
شارون نفسه وفي ذات المؤتمر قال في خطابه في السنوات الثلاث الأخيرة وضعتنا منظمات الإرهاب الفلسطينية في تجربة عسيرة، وخطتهم هي تحطيم المجتمع الإسرائيلي، وهي إشارة من رأس الهرم تنبئ عن حجم المأزق الاستراتيجي الذي خلقته المقاومة للمشروع الصهيوني في المرحلة الحالية، ويرسم وزير الخارجية سلفان شالوم بقية الصورة القائمة بالمنظور الصهيوني قائلًا: «إن المخططات المختلفة «وثيقة جنيف ومثيلاتها» التي تم عرضها حتى اليوم تتأمر على هذه المبادئ السعي للسلام والأمن معًا- تشهد على فقدان المقدرة على الصمود، وعلى اليأس وانعدام الصبر والمتابعة ويقرر موفاز وزير الحرب- رغم كبرياء العسكر- في كلمته في نفس المؤتمر «إسرائيل تواجه مرحلة مصيرية ستمتحن فيها مناعتها القومية».
هذه الملخصات التي تعبر عن ذبول قوة الردع الصهيونية تبدو مذهلة، ولكن عندما تضعها في صورة المشهد العام للمنطقة العربية يعجز المرء عن فهم سر انكسار وهشاشة الغلاف العربي المحيط بالكيان الصهيوني، إذ إن انكسار وانحسار قوة الطرف المقابل في الصراع تعني في منطق الأشياء أن تزداد طرديًا قوة الطرف الآخر، بل إن كثيرًا من المسؤولين الصهاينة وكتابهم يكررون مقولة: لماذا لا يتقن الفلسطينيون قراءة المشهد العربي الراهن ويستمرون بالمقاومة رغم اختلال ميزان القوى وضمور سندهم الاستراتيجي عربيًا وإسلاميًا؟ وماذا يفيدهم الصمود في هذه المعادلة؟
حصاد الميدان يذهل الاستراتيجيين الصهاينة ويزيد التساؤل أنفًا حدة وتعقيدًا، وكمقطع جزئي من المشهد الفلسطيني الصامد والرافض للانكسار صورة العرض العسكري الذي قدمته كتائب عز الدين القسام في غزة في شارع الجلاء قبل أسبوعين، وما تضمنه من ظهور لمئات من المسلحين على شكل جيش نظامي، حيث ظهرت سيارات وجيبات عسكرية يقودها ملثمو الكتائب الذين يحملون قاذفات «أر بي جي»، وصواريخ البتار والبنا والقسام إضافة إلى مئات بنادق الكلاشنكوف.
حصاد الميدان هذا يربك حسابات دعاة التسوية على الصعيدين الدولي والإقليمي، ذلك لأن الرقم الصعب الذي تمثله المقاومة لا يمكن تجاوزه لأن معادلة الصراع في الوقت الراهن لا تتماثل مع صورتها زمن أوسلو.
يدرك الصهاينة بقناعة أن المسافة الزمنية للصراع مفتوحة ولا خيار لهم في المدى الاستراتيجي، لأن كيانهم مزروع بناء على عوامل تتناقض مع جغرافية المنطقة وتاريخها وهويتها، وكل ما يطمحون إليه أن يتوافر لهم أعضاء من الطرف الآخر لإنجاز تسويات مفرطة ومؤقتة تحت السقف العربي المنخفض حاليًا، وفي ظل ميزان القوى المختل ظاهريًا الذي يبدي ورم القوة للمشروع الصهيوني
السؤال: لماذا يتقدم إليهم هؤلاء ليقدموا للمشروع الصهيوني طوق النجاة؟ وإذا كان مبرر هؤلاء هو ميزان القوى المختل فحركة التاريخ بيانية متذبذبة ولا ثبات فيها، والأهم من ذلك فإن المستكينين للضعف يملكون القدرة على الرفض، وأما الراغبون في تغيير المعادلة القائمة الأمة فخيارهم المقاومة وهم كثر في جسم الأمة.
ولهؤلاء رسالة من عبد العزيز الرنتيسي بعثها في احتفال ذكرى انطلاقة حماس الذي تم تنظيمه في غزة إذ قال في خطابه: لن نقبل أن تقفوا على الحياد، فأرضنا أرضكم وجهادنا جهادكم وهذا موقف لا يرضي الله ولا رسوله ولا جموع الموحدين، فقد أن لكم أن تقفوا الموقف المشرِّف مع المجاهدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل