; إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟ 1040 | مجلة المجتمع

العنوان إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟ 1040

الكاتب عبدالرحمن صالح العشماوي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1993

مشاهدات 34

نشر في العدد 1040

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-مارس-1993

إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟

بقلم: عبد الرحمن صالح العشماوي

تثار شبهة تكفير الأديب المسلم في مجالس أدبية كثيرة حيث يثار السؤال التالي: عندما نُصنف الأدباء المسلمين بناء على مصطلح الأدب الإسلامي فإننا سنقول: هذا أديب إسلامي وهذا غير إسلامي، ومعنى ذلك أننا قد أخرجنا أديبًا مسلمًا من دينه بهذا الحكم، وذلك ما يدخلنا في مشكلة «تكفير المسلم» التي تُعد من أعقد المشكلات وأخطرها. وقد سمعت في مواقف متعددة من يقول: تريدون يا دعاة الأدب الإسلامي أن نحكم على أدباء المسلمين الكبار بالكفر إذا لم يتحقق في شِعرهم وأدبهم ما تريدون؟؟؟ هكذا تُثار هذه الشبهة، فكيف نردها، وبماذا نجيب عن أسئلة السائلين؟! أقول بدءًا: إن مصطلح الأدب الإسلامي لا يكفر أحدًا بهذه الصورة المنصوص عليها في السؤال، وإن الناقد الإسلامي لا يقول عن أديب مسلم إنه كافر لأنه قال كذا، وهذه كتب الأدب الإسلامي مطروحة بين يدي الناس، وبإمكان من يحمل مثل هذه الشبهة أن يرجع إليها، فإن رأى فيها تكفيرًا لمسلم بعينه فله أن يثير شبهته بين الناس بيانًا للحق، وحرصًا عليه. إذن فهناك قاعدة نعتمد عليها هنا - قبل مناقشة شبهة التكفير، ألَا وهي عدم وجود هذه الشبهة أصلًا في مصطلح الأدب الإسلامي. فما حقيقة الأمر إذن؟؟ سبق أن ذكرنا في حلقة ماضية أن الأدب الإسلامي ينبثق من «التصور الإسلامي لهذا الوجود»، فهو يعبر عن خلجات النفوس، ويجسد آمالها وآلامها، ويصور قضايا الأمة الكبرى والصغرى، والهموم العامة والخاصة من خلال «التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان». فما انبثق من هذا التصور الشامل فهو أدب إسلامي، وما وافقه فهو أدب موافق للأدب الإسلامي، وما خالفه فهو أدب غير إسلامي. فقاعدة الحكم على الأدب والأديب هي «التصور الإسلامي»، وهذا التصور قد يكون مفقودًا عند أديب مسلم، ودليلنا على ذلك عدد غير قليل من أدباء مسلمين بهويتهم ولكن تصورهم للحياة وما يجري فيها ليس إسلاميًّا، فمنهم من قاعدة التصور عنده يسارية، ومنهم من قاعدته وجودية، ومنهم من قاعدة تصوره علمانية، فهو بهذا أديب غير إسلامي، ونحن بهذا ننفي عنه إسلامية التصور ولا نقول إنه كافر أو خارج عن الإسلام، لأن هذا الحكم ليس موكولًا إلينا. ونتساءل هنا: ما الذي جعلنا نقول عن فلان من الأدباء إنه «واقعي اشتراكي» وعن فلان إنه «علماني» وعن الآخر إنه «يساري» مع أنهم جميعًا يحملون بطاقات قد سُجل فيها أمام الديانة «مسلم»؟؟ أليس هو التصور الذي حمله كل واحد منهم وانبثق منه أدبه؟ إن الأديب المسلم الذي يحمل فكرًا إلحاديًّا، لا يسمى «أديبًا إسلاميًّا» لأن صفة الإسلامية المبنية على التصور الإسلامي ليست موجودة عنده. وأمثل على ذلك بأبي نواس الشاعر العباسي «المسلم» الذي كان يحمل تصورًا إباحيًّا بعيدًا عن «التصور الإسلامي»، هل أسميه أديبًا إسلاميًّا؟ الجواب الصحيح: كلا. لأن تصوره ليس إسلاميًّا، أي إنه شاعر غير إسلامي. فهل يعني قولي هذا تكفير أبي نواس؟؟ كلا، ليس الأمر كذلك، فإني هنا أنفي عنه صفة «التصور الإسلامي» ولا أنفي عنه «المِلة والدين»، ولا أظن عاقلًا منصفًا سيقول إن أبا نواس كان أديبًا إسلاميًّا، وأين الإسلامية، من شاعر قضى حياته في اللهو والمجون. قد يقول قائل هنا.. فما تقول في القصائد المعدودة المحدودة التي قالها أبو نواس بعد أن طوَّح به الشيب، وغمرته الشيخوخة، وفيها صور من «الزهد والتوبة إلى الله»؟؟ وأقول: هذه قصائد جميلة تحظى من الأدب الإسلامي بالعناية والقبول، ونرجو أن ينال بها الشاعر مغفرة من ربه، وهي في مضمونها تتفق مع التصور الإسلامي للأدب، ولكنها لا تجعل من أبي نواس «أديبًا أو شاعرًا إسلاميًّا» لأنها قد جاءت شذوذًا عن قاعدة تصوره الكبرى القائمة على رؤية غير إسلامية، جعلت أبا نواس يستحل في شِعره الماجن ما يتعارض مع التصور الإسلامي، ومادام هذا التصور مفقودًا -في الأصل- عند الشاعر، فلا ضير أن يوصف بأنه شاعر غير إسلامي. وأضرب مثالًا آخر بالشاعر «محمد إقبال» الذي أطرب الوجود بشعره الإسلامي الرائع، ماذا نقول عنه؟؟ نقول إنه أديب إسلامي لأن شِعره ونثره انبثقا من التصور الإسلامي، فهذا التصور هو القاعدة الكبرى التي يقوم عليها بناء أدبه الشامخ. وقد يسأل سائل: أليس في شعر محمد إقبال ما قد يخرج به عن إطار هذا التصور، فإذا حدث ذلك فكيف نطلق عليه صفة الإسلامية؟ وأقول: إذا كان التصور الإسلامي هو الأساس عند الشاعر فإنه شاعر إسلامي، وما يحدث عنده من خلل إنما هو من الخطأ الذي ينبه عليه ولكنه لا ينفي عنه الصفة، لأن الخطأ هنا جاء شذوذًا عن القاعدة الصحيحة التي يقوم عليها إنتاج الشاعر، والحكم -كما أشرنا- يتم من خلال القاعدة الكبرى للتصور عند الأديب، وليس من خلال العثرات والأخطاء التي يقع فيها، مما يخالف قاعدة التصور عنده. ويمكن أن أُلخص هذا الموضوع في النقاط التالية:

1.    الأدب الإسلامي لا يكفر أديبًا مسلمًا -كما أوضحنا- وإنما يحكم على إنتاجه من خلال الرؤية الإسلامية المبنية على التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان والخالق عز وجل.

2.    يمكن أن نقول عن أديب مسلم منحرف التصور والتفكير، إنه أديب غير إسلامي.

3.    الأديب المسلم الملتزم سلوكًا وفكرًا، والذي يكتب من خلال تصور إسلامي سليم هو الأديب الإسلامي بحق، شريطة أن يكون مقتدرًا من الناحية الفنية.

4.    الأديب غير المسلم الذي كتب أدبًا متفقًا مع التصور الإسلامي لا يسمى أديبًا إسلاميًّا، والأدب الإسلامي يفتح صدره لما يكتبه هذا الأديب غير المسلم من أدب متفق مع التصور الإسلامي ويرحب به، والقدوة في ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام الذي استنشد شِعر أُمية بن أبي الصلت مع أنه مات كافرًا وقال بعد سماع شِعره «إن كاد ليسلم»، فقبل شعر أُمية المتفق مع التصور الإسلامي ولكنه لم يقُل عن أُمية إنه شاعر إسلامي.

5.    هنالك ترابط قوي بين فكر الأديب وعقيدته وبين سلوكه وأدبه حيث يندر أن ترى أديبًا مسلمًا منحرفًا في فكره وعقيدته ملتزمًا في سلوكه وأدبه، إذ لابد من تأثير هذه الأشياء في بعضها. ونضرب مثلًا بأحمد شوقي، فإن له قصائد رائعة في بعض قضايا الإسلام وفي مقدمتها مدح النبي عليه الصلاة والسلام، وقضية سقوط الخلافة الإسلامية، ولكن له مقابل ذلك، قصائد فيها انحراف عن التصور الإسلامي الصحيح حيث إن له خمريات، وأبياتًا فيها انحراف عقدي كالذي حدث في قصيدته التي عارض بها نهج البردة، وديوانه يحوي هذا وذاك، والأدب الإسلامي يقيس مثل هذا الشِعر بمقياس التصور الإسلامي كما أسلفنا ويحسب القُرب أو البعد عن هذا التصور ويكون الحكم له أو عليه. وهنا يتضح للباحث عن الحقيقة أن مصطلح الأدب الإسلامي قائم على أسس ثابتة لا يستمدها من فلان وعلان من البشر، وإنما يستمدها من كتاب الله وسُنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك فهو لا يتجنَّى على أحد ولا يكفِّر مسلمًا ولا يلقي أحكامه جزافًا، وهو يحث الأديب المسلم على الالتزام بالرؤية الإسلامية، ولكنه لا يلزم أحدًا بهذه الرؤية أو يسوقه إليها بالعصا، إذا لم يكن الأديب نفسه مهيأ لهذا الالتزام مقتنعًا به.



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد