; البحث.. ما نصيبه من اسمه؟ | مجلة المجتمع

العنوان البحث.. ما نصيبه من اسمه؟

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974

مشاهدات 20

نشر في العدد 192

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-مارس-1974

عندما يصل الطالب إلى الجامعة يبدأ مرحلة جديدة من الدراسة، دراسة تقوم على البحث والاستقصاء يعنى فيها الطالب بما لم يكن يعنى به من قبل.. ويوجه إلى آفاق من المعرفة لم يكن له بها علم قبل التحاقه بالجامعة.

ونقطة هامة بالنسبة لطالب الجامعة لا بد له من تفهمها ومن ثم يستطيع مواصلة الحياة الجامعية على ضوئها.. تلك هي مسألة البحث وكيفية توجيه الطالب إليه.

والملاحظ من خلال دراستي في جامعة الكويت أن لا تركيز ولا توجيه من ناحية هذه النقطة المهمة.. فالطالب يكلف بكتابة بحث.. عند أي أستاذ كان.. دون أن يقوم الأستاذ بإعطاء الطلبة فكرة عامة عن البحث وما يعنيه.. ويقف المبتدئ في عامه الأول أمام هذه الكلمة دون فهم لأبعادها ومن ثم يتوجه إلى عدة كتب.. أو يقتصر على كتاب ينسخ ما يحتاجه منه.. ومما يشمله عنوان البحث المكلف بكتابته ويقدمه للأستاذ الذي يقوم بدوره.. بإعطائه الدرجات المناسبة لجهده.. وهنا يظن الطالب أن معنى البحث هو أنك حفظت عنوانًا أملاه الأستاذ وطلب الكتابة فيه ولك الخيار في أن تلجأ إلى أي مؤلف تنتسخ المادة منه انتساخًا وتقدمها حاملة اسمك واسم الأستاذ المشرف.. ولك الدرجة المنتظرة!

هذا ما يجري في جامعة الكويت! ونحب أن نقول كلمة ودية.. فليس تطرقنا لهذا الموضوع من قبيل الانتقاص من أحد أو محاولة للتشهير فهي معايشة حقيقية لمستها من خلال مروري بفصول الدراسة الأربعة.. ولم يجدَّ في الموضوع جديد.. وفهمت كثيرًا من هذه المواقف المتعددة أن كثيرًا من الطلبة لم يفهم حتى الآن أصول البحث أو ما المقصود منه.. سوى قلة ممن لهم اهتمامات بمتابعة الدراسة.. فإنهم كلفوا أنفسهم بالاطلاع على بعض الكتب المؤلفة في هذا الغرض ومن ثم أمسكوا ببعض الخيوط المساعدة على كتابة بحث ما.. أما ما عداهم فإنهم يجهلون هذا الذي يطلب منهم سنويًا.. فيلجأون إلى الطريقة السابقة والتي ذكرناها قبل قليل.

قلنا إننا نتوجه بكلمة ودية.. ومن هنا يجب ألا نتظالم فلتكن الروح الكريمة سائدة في فهم المقصود من هذا التعليق البسيط..

إن الجامعة موئل العلم الأصلي.. فالطالب عجينة لم يزل.. وفد إلى المنبع ليستقي وما لم يكن الراعي أو المشرف على المنبع منتبهًا.. وإلا فإن الوارد ربما يهلك قبل أن يصل إلى هدفه أو أنه لا يرتوي من المعين الذي كلف نفسه المجيء إليه تمام الارتواء..

ومهمة الأستاذ الجامعي أن يأخذ بيد الطالب نحو هذا الصنف الجديد من العلم الذي لم يتعوده الطالب ويضع يديه على أسبابه ويفتح له آفاقه ليلج فيه بأمان..

إن تعليم الطالب كيفية كتابة بحث مطلب هين بالنسبة للأستاذ.. لكنه لا يطبق ولا أدري كيف يطالب الطالب بذلك دون توعية أو تبصير لما هو مقدم عليه من عمل..

فالدارس ينظر إلى أستاذه على أنه رجل مثقف مطلع يحفظ الكثير ويدير الأفكار بلباقة ويجيب على كل سؤال ولا يعيبه أن يذكر الحادثة من هنا أو هناك.. وهي منتثرة في بطون الكتب فيثير إعجاب الطالب الذي تشده مثل هذه الأشياء ويفكر في كيفية الوصول إلى جزء منها، إن هذه التطلعات من قبل الطالب تكفي لتوجيهه لمظان البحث.. وفتح الطريق أمامه ليعرفه فلا يقف أمامه حاجز من عجز أو تشتَّت به مسألة محيرة غامضة.

نقول: إن اعتماد البحث كمادة أساسية.. أو تفريغ محاضرة أو أكثر في الأسبوع للتدريب لن يعيق من تأخر المادة.. بل بالعكس.. فهو قوة دافعة لتفتح مدارك الطالب على سبل للنهج تيسر عليه فهم المادة.. وتيسر على الأستاذ تفهيم الطالب في أمور كثيرة قد يقف أمامها حائرًا فيما لو لم يرجع إلى الكتب والمراجع المعتمدة، وهنا قد يقال إنك تجاوز الحدود فهناك محاضرة في البرنامج مخصصة للبحث من كل أسبوع ونأسف ونحن نرد الجواب.. نعم.. هناك محاضرة للبحث اسمًا.. ومسجلة في البرنامج.. أما ما نصيبها من التحقيق.. وهنا لن يعجزنا الجواب.. فالتجربة الدراسية التي عشناها -وأسميها تجربة- كانت كافية للحكم على نهج البرنامج المرسوم دون التنفيذ.

مرة أخرى نقول: لا بد من إعادة النظر في هذا المطلب وإلا فإنه لن يصل طالب دراسات عليا إلى المرتبة المنشودة منه كطالب يعتمد الدراسات العليا في سبيل بلوغ هدف هو تحقيق خدمة لأبناء وطنه.. ورفع مستوى العلم.. وإعلاء شأن الأمة.. ما لم يكن هذا المطلب منصبًا في دمه وفي فكره ومتجسدًا في دراسته الأولى.

ومعذرة إن كنتم قد غضبتم.. فما رمنا من كلامنا إلا ما فيه الخير والتنبيه.

لا تبرحوا من باب الذل

عندما يخلو الإنسان إلى نفسه لحظة.. يتفكر فيها.. ويقلب بوارق أمله.. فلا يجد مما فات سوى ماض مؤرق.. ويلتفت يمنة ويسرة فلا يجد إلا أنينًا وحسرة.. وينفذ ببصره إلى الأمام يستشف ما هو قادم... فإذا بينه وبين الآتي حجاب مضروب.. ويتحرك قلبه بين حناياه، مذكرًا بأن الخير في نبذ الشجن الذي يعود إلى شجن قاتل.. ألا فلتطهر النفس من أدران الحياة ولترتفع فوق ملذات الدنيا.. ولينظر القلب الآيب إلى ربه.. ما فعلت الأيام بالغابرين وما تفعله بالحاضرين.. فيفرغ إلى البكاء.. لعل فيه ترقيقًا للقلب وندبًا لما جاء من ذنوب فيطرحها من خلال دموعه الساجمات..

ولنجل من هذا المنطلق جولة مع ابن الجوزي وهو يروي طرفًا من هذه الأحاديث نقتبس منها الكثير ونعلق في وسط الكلام بشيء يسير.. فأسمعه يقول: إخواني.. مصيبتنا في التفريط واحدة.. وأهل الأحزان أهل.

إنا ليجمعنا البكاء وكلنا                                       نبكي على شجن من الأشجان

مجلس الذكر، مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على فوات مطلوبه، وهذا لإعراض محبوبه.

يا معاشر المذنبين:

تأسوا بأبيكم في البكاء، تفكروا، كيف باع دارًا قد ربي فيها؟ وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل، فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية «وعصى» بكمال «وعلم» ولا رد عنه عز «اسجدوا» وإنما خلصه ذل «ظلمنا» قال سري: بت ببعض قرى الشام، فسمعت طائرًا على شجرة يقول طول الليل، أخطأت لا أعود، فقلت لأهل القرية ما اسم هذا الطائر؟ فقالوا فاقد إلفه.

يا تائهًا في بوادي الفكر، انزل ساعة بوادي الفكر، يخبرك بأن اللذة قصيرة، والعقاب طويل، واعجبًا لمن يشتري شهوة ساعة بغم الأبد، كانت المعصية ساعة، لا كانت، فكم ذلت بعدها النفس؟ وكم تصاعد لأجلها النَّفَس؟ وكم جرى لتذكارها دمع.

والآن ... هل تبحث عن الدواء.. نعم.. إذن استمع..

بضاعة المذنب، دمعه، رأس مال المقر، حزنه، راحة الأواب، قلقه، وعيشة التواب حرقه.

وهناك شاعر يعيش بيننا.. استشعر هذا.. ودب في قلبه ذلك الدبيب الذي حمله على اشتباك الدمع في الخد.. فسارع إلى مكان يسكبه فيه.. انطلق إلى مكة فطاف بالبيت واستفرغ ما لج بقلبه من شوق.. وأبرد ما بصدره من وجد.. فزفر زفرات كانت كلمات صادقة.. تحمل إلى القلب صدق الفؤاد وحرارة الزفرة.. يوسف العظم يقدم الطاعات لرب العالمين على أكرم بقعة.. يناجي مولاه وخالقه.. بتوبة وإقبال:

رب قد أقبلت في ظل رحابك                               خاشع الطرف لدى نور شهابك

خاضع النفس ذليلًا صاغرًا                                وفؤادي ساجد يجثو ببابك

كم بكى يا رب في سجدته                                     إذ يهاب الهول في يوم حسابك

يرقب الغفران في يوم الظما                               وهو يرجو الورد من فيض شرابك

كلما وسوس شيطان الهوى                               قلت يا شيطان سحقًا لسرابك

أو دعاني خاطر يعصف بي                                قلت يا شاعر رفقًا بشبابك

كيف تشتري ضلة بعد هدى؟                           وتمني النفس ظلمًا بخرابك

أنت ما زلت فتى لا ترعوي                                   ضلت الحكمة في غض إهابك

عد إلى الله ورتل آيه                                               فلعل الله يرضى بمتابك

رب لن يهديني في حيرتي                                        غير نور وسناء من كتابك

فهل التفت قلبك أيها اللاهي إلى ذلك الذي يراك ولا تراه.. وهل عزمت على ألا تطيع شيطان الهوى مهما أغار على قلبك غاراته السوداء.. ثم هل تردد مع أبي عبيدة الخواص قولته: «واشوقاه»..

كان أبو عبيدة الخواص يمشي في الطريق ويصيح: «واشوقاه، إلى من يراني ولا أراه».

المسخ

قال لي صاحبي سمعت عجيبًا                           من حديث عن الزمان القديم

إن ناسًا من الخنازير صاروا                               وقرودًا تُرَى بخلق دميم

ما رأيناه ولا رآه ثقات                                            كيف ترضى العقول بالتسليم؟

قلت: فاسمع، هديت، تأويل هذا                      واسألن إن شككت كل حكيم

إن مسخ الطباع تأويل هذا                                 لا تظن المراد مسخ الجسوم

أيما أمة تحاكي سواها                                          لا تبالي صحيحها من سقيم

فاحسبنها من القرود قبيلًا                                 حاكيات الفعال دون حلوم

وإذا أمة سعت في الدنايا                                     وارتضت في الفعال كل ذميم

فاحسبنها من الخنازير ترعى                              في الخبيثات كل مرعى وخيم

د. عبد الوهاب عزام

الرابط المختصر :