العنوان آلام قلم وكلمات أمل.. المعاناة الثامنة.. معاناة الأمة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 128
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
أخي أرأيت ما في البوسنة التي اقتطع من أراضيها أكثر من 80% وهجر من أبنائها مئات الألوف؟ أرأيت ما يحدث في كشمير؟ وتايلاند وبورما والفلبين؟ أرأيت ما يحدث في آسيا الوسطى (جنوب الاتحاد السوفيتي سابقًا) من قتل وسحق وتهجير للمسلمين؟ وأظن أنه لا يخفى عليك من قبل ذلك نبأ المسجد الأقصى وفلسطين.. إنها مواجع وأحزان جاشت في الفؤاد حينًا فظهر بعضها على هذا القلم، لعل في البوح بها تخفيفًا عن صاحبها ودعوة إليك يا أخي لأن تعاون في حلها وتعمل على زوالها، وما ذلك على الله بعزيز.
حقائق ثابتة
لا مراء في نصرة اتباع الحق،
ولا مرية في اندحار الشيطان وحزبه، ولا شك في أن الحق يزهق الباطل ويدمغه وليس
يعلو الباطل إلا إذا ركن أصحاب الحق إلى الأرض، واثاقلوا إليها وتمنوا الأماني،
ولم يعملوا بجد وكد في سبيل إعزاز الدين والاستعلاء به في الأرض، هنا وهنا فقط
ينتفش الباطل ويزهو أصحابه ويستكبرون في الأرض بغير الحق ويظنون أن الدنيا قد دانت
لهم، وأنها توشك أن تخلو من الحق وأنصاره ويظل ذلك دأبهم حتى يقيض الله للحق أنصارًا،
يعملون بأوامر الله، ويتخذون منهجه دستورًا لهم في الحياة، لا يفرطون ولا يغيرون،
يثبتون على الدين ولا يبدلون أو يتلونون، تتراقى عليهم الشدائد فيقولون: ربنا
الله، وتأتيهم الدنيا بشهواتها فلا يقبلون غير ما أحل الله لهم منها، هم جند الله
المنتصرون ﴿إِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173).
واقع الأمة
وأمتنا المسلمة اليوم تغلّب
عليها في أكثر أقطارها أخلاق الهزيمة، الكسل عن العمل الجاد النافع للأمة في
الدنيا والدين، فلا ابتكار ولا تجديد في وسائل الحياة التي فاقنا فيها غيرنا ولا
استغناء لنا عنها، والضجر الذي يغرس في القلوب التقلب والتذبذب والقلق الدائم، فلا
يحسن هذا المتضجر شيئًا لنفسه أو لغيره، والتواكل الذي يجعل المرء يدع ما في يده انتظارًا
لما يتوهمه في المستقبل، فلا استفادة بحاضره، ولا استعداد لمستقبله، والعجز في
مجاراة الدول فيما تصنع أو تخطط أو تخترع أو تبتكر أو تعلم وتربى، والتطلع بنهم
شديد إلى الماديات التي تحفظ للمرء حياته وكرامته إن أحسن استعمالها والانتفاع
بها، ولكن حالتنا هذه هي تطلع بنهم يعمي الأبصار عن الرؤية الحقيقة، يصم الأسماع
عن تلقي النصيحة.
أثر هذا الواقع
وانعكس أثر هذا الواقع على
الأمة وبالًا فصارت كالأيتام في مأدبة اللئام، تقتات الفتات وعندها وفي أرضها من
الخيرات ما ليس عند غيرها، ويذبح أبناؤها، وأسباب القوة في يدها -إن أرادت ذلك-
لتدفع بها عن نفسها، وتنتزع أرضها فلا تصحو من اللهو والعبث، لكأن الناس مساقون سوقًا
نحو الهاوية لا يملكون أن يتوقفوا أو يمتنعوا!
فتنة عمت المدينة والقرية لم
يعف منهم فتية أو كهولا
وحقوق الإنسان لوحة رسام أجاد
التزوير والتضليلا
صور ما سرحت في العين فيها وبفكري
إلا خشيت الذهولا
إنك لترى أثر هذا الواقع وصداه
في القدس والأرض المباركة من حوله حيث يفعل اليهود فيها ما يفعلون فلا يلقون من
أحد نذيرًا ولا يسمعون من مشفق نكيرًا.
إنك لترى أثر هذا الواقع وصداه
في أطراف العالم الإسلامي كما رأيتها في القلب، ها هي ذي كشمير المسلمة التي تنزف
دماؤها منذ تسلط الهندوس عليها، فلم يقف أمام فسادهم مصلح ولم يمنع شرهم خير، مما
جعل كثيرات من المسلمات هناك يلقين أنفسهن في الأنهار خوفًا من انتهاك الأعراض من
أفراد الجيش الهندوسي الذي قتل أكثر من خمسة عشر ألف مسلم، فضلًا عن الجراح التي
أصابت عشرات الآلاف من المسلمين إلى جانب المعتقلين الذين بلغ عددهم حسب
الإحصائيات الرسمية أكثر من ثلاثين ألف مسلم.
إنك لترى أثر هذا الواقع وصداه
في بورما حيث النظام البوذي المطعم بالشيوعية يكرر هناك مأساة كشمير، ويجبر أكثر
من 250 ألف مسلم على الهجرة عبر الحدود البنغالية في ظروف مأساوية محيرة مجحفة
مهلكة.
إنك لترى أثر هذا الواقع وصداه
في آسيا الوسطى حيث حملات التنصير على أشدها. وفي تركستان المحتلة من الصين والتي
يحارب الإسلام فيها بكل الصور، وفي تايلاند حيث يباع الأطفال المسلمون دون رادع من
أحد. وفي سيرلانكا حيث قام التاميل بالهجوم على المصلين فقتلوا مائة وسبعين مسلمًا
ساجدًا لله رب العالمين.
ولو كان همًّا واحدًا لاحتملته ولكنهم
همٌّ وثان وثالث
شروق الأمل
رغم طول الليل يأتي الفجر
المضيء.. ورغم آلام المسلمين فإن الأمل في تغير الصورة ليس ببعيد، ولكن على
المسلمين أن يكونوا صابرين على العمل ثابتين على الجد والكد، آخذين أنفسهم بتعاليم
الدين أقوياء في الدنيا متمسكين بالاتباع في الدين والابتداع الخلاق النافع في كل
شؤون الدنيا، ويومها «يفرح المؤمنون بنصر الله» فيظهر نور الحق ويسعد به أصحابه
ولا يستطيع جاحد أو مكابر أو عدو أن يعتدي.. تصان الأعراض وتحقن الدماء وتحفظ
الأموال، ويقف الأعداء مفكرين عشرات المرات قبل أن تسول لهم أنفسهم أن يعتدوا أو
يسلبوا أو ينهبوا.
وإن غدًا لناظره قريب
﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء:
227).
اقرأ أيضًا