; كاسترو والمخدرات نقطتا خلاف | مجلة المجتمع

العنوان كاسترو والمخدرات نقطتا خلاف

الكاتب جمال الطاهر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 12-مايو-1998

انعقدت في ١٩ أبريل الماضي بسانتياغو العاصمة الشيلية أشغال الدورة الثانية لقمة دول القارة الأمريكية (الدورة الأولى انعقدت سنة ١٩٩٤م بميامي بالولايات المتحدة) بحضور كل دول القارة (۳۲ دولة) باستثناء كوبا، قضايا عديدة ومهمة تناولتها فعاليات هذه الدورة، من أهمها التبادل التجاري الحر بين كل دول القارة ومواجهة تجارة المخدرات ومشكلة «كوبا»، أما عن نتائج هذه الدورة فقد كانت في عمومها متوقعة، ولم تكن فيها مفاجآت كبرى باستثناء اجتماع كلمة الدول المشاركة بدافع من كندا على معارضة الولايات المتحدة في إستراتيجيتها لمواجهة تجارة المخدرات وفي موقفها من كوبا ومسألة انضمامها إلى العائلة الأمريكية الكبرى، على حد تعبير جون كريتيان رئيس وزراء كندا.

رغم ما يبدو من هيمنة للمجال الاقتصادي على أشغال القمة الأمريكية الثانية ورغم قيمة الاتفاق المبرم بين الدول (٣٢) المشاركة حول الوصول بالعلاقات الاقتصادية بينها إلى حالة التبادل التجاري الحر في أجل أقصاه سنة ٢٠٠٥، فقد شهدت فعاليات وكواليس القمة سجالات ساخنة في بعض الأحيان حول قضايا أخرى برزت منها على الخصوص إستراتيجية مواجهة تجارة المخدرات والموقف من انضمام كوبا.

1- إستراتيجية بديلة لمواجهة تجارة المخدرات: كان الموقف من الإستراتيجية المناسبة لمواجهة تجارة المخدرات محل خلاف كبير بين الولايات المتحدة من جهة وبقية الدول المشاركة (وبخاصة بلدان أمريكا اللاتينية) من جهة أخرى، فقد وجدت هذه البلدان في التطور السنوي المطرد لتجارة المخدرات في الولايات المتحدة وغيرها واحدًا من الأسباب لمطالبتها بتحديد إستراتيجية بديلة، يتواضع عليها الجميع، ويلتزم بها الجميع، وتكون أكثر حزمًا وأكثر واقعية وعملية، فالإستراتيجية المعتمدة الآن هي إستراتيجية مقررة من طرف واحد هو الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٨٦م تقوم على مبدأ: «التصنيف أو الترقيم للبلدان المنتجة والمصدرة للمخدرات»، ففي الأول من مارس من كل سنة تنشر الإدارة الأمريكية قائمة بأسماء الدول مرتبة بحسب الجهود التي تبذلها لمقاومة تجارة المخدرات، وعلى أساس هذا التصنيف تحدد الولايات المتحدة حجم علاقاتها ومساعداتها الاقتصادية والفنية لهذه الدولة أو تلك، هذه السياسة لم تعجب بلدان أمريكا اللاتينية التي ترى أن الولايات المتحدة أكبر مستهلك للمخدرات في العالم يسمح لنفسه بمحاكمة وعقاب الدول الصغيرة التي لا تفعل أكثر من تلبية الحاجيات والطلبات المتزايدة للمستهلك الأمريكي الآخذة في الاتساع أكثر فأكثر.

كندا تقترح إقرار إجراءات أكثر حزمًا: وقد نشطت الديبلوماسية الكندية خلال الأشهر التي سبقت انعقاد القمة من أجل تهيئة الدورة لإقرار اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا «تكون عبارة عن ثورة في مجال مواجهة المخدرات» ومع أن الإستراتيجية البديلة التي تحدثت عنها القمة لا تزال نظرية، فإن معالمها الكبرى قد حددها المشاركون:

 أولًا- في وضع أهداف تنضبط كميًا بحيث يمكن قياسها، وبالتالي قياس جهود الأربع والثلاثين دولة في أمريكا في مواجهة تجارة المخدرات.

ثانيًا- منع فرض إجراءات لمعاقبة البلدان التي تنتج المخدرات، حتى لو لم تصل لسبب أو آخر إلى تحقيق الأهداف الجماعية لمكافحة المخدرات، فكل البلدان الأمريكية تنتج المخدرات وتستهلكها. 

ومن جهة أخرى صرح مسؤول كندي للمجتمع بأن من المهم مساعدة البلدان الصغيرة على الخروج من «سوق اقتصاد المخدرات» منطلقًا من أن التحولات أو الانقلابات الاقتصادية التي تشهدها البلدان الصغيرة في وسط القارة الأمريكية وبحر الكارايبي دفعت المزارعين نحو زراعة المخدرات؛ لأنها الأكثر ربحًا وبخاصة بعد انهيار سوق الموز، فالموز كان يمثل إلى وقت قريب (40%) من اقتصاديات البلدان الصغيرة في القارة الأمريكية، ومع انهيار سوقه العالمية وجدت هذه البلدان نفسها في حالة ضياع اقتصادي يكاد يكون تامًا، وبخاصة بعدما تركتهم الدول الأوروبية التي اتجهت إلى دعم البلدان الإفريقية.

2- الإعداد لاستيعاب كوبا: القضية الثانية التي شغلت القمة هي الموقف من كوبا البلد الأمريكي الوحيد المتغيب عن القمة، والذي استأثر رغم ذلك بأغلب فقرات ولقاءات القمة، ورغم ذلك فإن أحدًا من المشاركين لم يبادر بطرح مشكلة كوبا بصفة رسمية، وذلك لعدم إحراج الولايات المتحدة التي لاتزال تصر على عزل كوبا لا عن جيرانها الأمريكيين فحسب، ولكن عن بقية دول العالم أيضًا، الاستثناء الوحيد الذي خرق جدار الصمت، وتجاوز هذا الخط الأحمر جاء على لسان جون كريتيان رئيس وزراء كندا الذي أعلن خلال القمة عزمه زيارة كوبا.

وأثار هذا الإعلان العديد من التساؤلات حول حقيقة ودوافع وأهداف الموقف الكندي، بعض المتتبعين لا يرون في الإعلان الكندي غير التعبير العملي عما تطالب به في صمت بقية بلدان القارة الأمريكية من إلحاق كوبا، وإنهاء الحصار الأمريكي المضروب عليها منذ سنة ١٩٦٠م، ويذهب آخرون إلى أن هذا الموقف الكندي «الجريء»، و«المتحرر» من ضغط سياسة الولايات المتحدة يمثل امتدادًا واستئنافًا طبيعيًا للسياسة الكندية تجاه كوبا التي دشنها سلف كريتيان الليبرالي ترودو عندما بادر في السبعينيات إلى زيارة كوبا رغم المعارضة الشديدة للإدارة الأمريكية، ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بكثير عندما يرون أن الموقف الكندي الأخير يحظى بنوع من التزكية «الصامتة» من طرف الإدارة الأمريكية رغم صدور قانون هلمتز بريتون الشهير سنة ١٩٩٦م والذي يهدد الشركات الأمريكية وغير الأمريكية بتعرضها لعقوبات اقتصادية قد تكون صارمة في حالة انفتاحها في التبادل التجاري والاقتصادي من كل من كوبا وليبيا وإيران، وينطلق أصحاب هذا الرأي من كون الموقف الأمريكي الحالي من كوبا لم يعد له ما في الواقع ما يبرره، ويدعو له وبخاصة بعد التحولات النوعية التي طرأت أولًا على النظام الدولي بانتهاء الحرب الباردة وتحلل الاتحاد السوفييتي الحليف الإستراتيجي السابق لنظام فيديل كاسترو، وثانيًا على نظام كاسترو ذاته الذي بدأ يقبل بمعطيات الوضع الجديد، ويتجه نحو التأقلم التدريجي معه، وإلى هذا تضاف آثار زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة لهافانا والاستقبال الحار الذي حظي به من طرف كاسترو الذي بدا بزيه المدني وهو يستمع بانتباه كبير إلى خطاب ووصايا البابا له بضرورة الانفتاح على العالم، والاستعداد للاندماج مع العالم الحُر، ومن ضمنه البيت الأمريكي الواسع، والقبول بما يقتضيه ذلك من إقرار للحريات، وتسريح لمساجين الرأي، وعزم على التحول بكوبا نحو الديمقراطية.

3- حصائد القمة: إضافة إلى إقرار التوجه بالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين كل الدول المشاركة نحو التبادل التجاري الحر من خلال رفع كل السياسات الحمائية والحواجز، فقد اتفق المشاركون في القمة على تشكيل تسع فرق عمل للتفاوض ستشرع في مباشرة أعمالها بداية من شهر يونيو القادم، وذلك في تسعة مجالات حيوية منها أساسًا الاستثمار، والخدمات، وحل النزاعات، والفلاحة، وتحدث البيان الختامي للقمة عن خطة عملية خصص لها مبلغ (45) مليار دولار ستصرف أساسًا في مجال التربية الديمقراطية والاندماج الاقتصادي ومواجهة الفقر، وذلك استجابة من القمة لمطالب وضغوطات الجماعات الاجتماعية والنقابية والدينية التي أبدت من خلال تحركات كثيرة مخاوفها من أن يكون هذا التبادل التجاري الحُر بين دول قوية مثل الولايات المتحدة، وكندا، ودول ضعيفة مثل أغلب البلدان الأمريكية الأخرى على حساب الفئات الضعيفة.

    أما كندا فقد نجحت في كسب ثلاث ملفات مهمة، الأول: استضافة الدورة القادمة للقمة سنة ٢٠٠١م، والثاني استبدال الإستراتيجية الأمريكية في مواجهة تجارة المخدرات بأخرى جماعية، والثالث: إثارة موضوع كوبا وخرق الحصار الأمريكي ضدها، وتهيئة الأجواء لاستيعاب كوبا ضمن البيت الأمريكي الواسع خلال القمة القادمة. 

الرابط المختصر :