; اللسان العربي والتخطيط اللغوي | مجلة المجتمع

العنوان اللسان العربي والتخطيط اللغوي

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 58

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-يوليو-1993


اللسان العربي والتخطيط اللغوي

«التخطيط»- من حيث هو علم- يحظى بمكانة متميزة بين العلوم، ومن حيث هو فن وتطبيق لا يستغني عنه مجال من مجالات الحياة، والميزة الكبرى للتخطيط أنه محاولة مرتكزة على العلم والخبرة، وغايتها تشكيل المستقبل- في المجال المخطط له- طبقًا لحاجات الجماعة وطموحاتها. و«التخطيط اللغوي»- كمصطلح وحقل علمي تخصصي تطبيقي- لا يزال في العقد الرابع من عمره، وإن عرف تاريخ العديد من اللغات جوانب كثيرة من التخطيط اللغوي التطبيقي، ويمكن أن يعرف التخطيط اللغوي- كما يفهمه المعاصرون- بأنه: «محاولات مؤسسية منظمة ومقصودة، تهدف إلى التأثير في الوضع اللغوي أو اللغوي الاجتماعي للغة ما»(1) وهو- بهذا المعنى- أحدث فروع علم اللغة الاجتماعي «So- ciolinguistics» ولكنه أنشطها وأهمها.

مجالات العمل اللغوي

 يعمل «التخطيط اللغوي» في مجالين كبيرين ومتكاملين:

 1- بنية اللغة:

 ويضم كل الجهود العلمية الرامية إلى تطوير مختلف جوانب اللغة ذاتها، ومن أهمها:

 أ- نظام الكتابة بإيجاد نظام كتابي للغة لم تكتب من قبل، أو بإدخال تعديلات على نظام الكتابة القائم.

 ب- التقعيد، أو الإصلاح، للأنظمة الأساسية للغة على مستوى الأصوات، أو المفردات، أو التراكيب، أو جميعها، بهدف ترقية مستوى اللغة أو تيسير أنظمتها. والجهود التخطيطية في هذا المجال يقوم بها المتخصصون أفرادًا أو من خلال اللجان والمؤسسات والهيئات الرسمية.

تاريخ التخطيط في اللسان العربي

 وقد حظي «اللسان العربي» بجهود مخلصة دؤوبة عبر القرون، تحسب في هذا المجال من «التخطيط اللغوي»، فإنجازات من نحو: نقط المصحف وشكله، وتجويد صور الحروف، وتقعيد القواعد الصوتية والصرفية والنحوية والبلاغية، وصيانة اللغة من «اللحن» الطارئ عليها وأمثالها، «يمكننا تأويلها.. تأويل القصد إلى التحكم في مسار اللغة، وتوجيهها على نحو مرسوم.. ولم يكن هذا «الإنجاز» مصادفة خالصة، ولو أن العربية تركت وشأنها لكانت الحال غير الحال»(2)، وكان العمل في هذا المجال من الإتقان والإصابة والارتباط بطبيعة اللغة وظروفها؛ بحيث لم تحتج بعد التقعيد الأول إلى التعديل والتطوير في كل عصر، كما حدث ويحدث مع اللغات الأخرى، بل إلى الحفاظ على بنيتها من كل عوامل التغيير.

 

تحديات المكانة والواقع

2- مكانة اللغة:

 هذه «المكانة» «Status» قد تكون اجتماعية بأن تتخذ اللغة أداة للتعبير الأدبي وغيره من مستويات التخاطب والتواصل ومجالاته، وقد تكون بقرار سياسي أو بقانون رسمي «باعتماد إحدى اللغات لتكون اللغة الرسمية للدولة، وفي التعليم والمصالح الحكومية وغيرها»، وقد نالت العربية هذا الوضع منذ نزول القرآن بها وقيام الدولة الإسلامية في المدينة، واستكمل بقرارات «تعريب» الدواوين في عهد الدولة الأموية، وهذه «المكانة» هي ما فقدته العربية إلى حد كبير في العصر الحاضر نتيجة الغزو اللغوي الأجنبي، فهي ليست اللغة الرسمية، ولا حتى لغة التعليم في أي من البلاد الإسلامية غير العربية «حوالي 80 % من المسلمين»، وإذا كانت بنص الدساتير هي اللغة الرسمية في البلاد العربية، فإنها في الواقع الفعلي ليست كذلك، فالعامية المحلية في كل بلد تزاحمها في مواقف الحياة اليومية، وفي العديد من المجالات الأخرى ثقافية أو تعليمية أو رسمية، كما زاحمتها وغلبتها لغة المستعمر السابق في مجال التعليم العالي: الإنجليزية في جامعات أقطار المشرق العربي، والفرنسية في المغرب العربي، وذلك في الكليات العملية «طب وهندسة وعلوم.. إلخ» تدريسًا وبحثًا، وفي الندوات والمؤتمرات، كما زاحمتها في الإعلام حيث طغت عليه البرامج الأجنبية بلغتها الأصلية دون ترجمة مسموعة إلى العربية، وإن صحبتها أحيانًا ترجمة مقروءة هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع. إن التخطيط اللغوي للعربية في مجال «المكانة» ضرورة قومية وواجب شرعي في الوقت الحاضر، لحماية هوية الأمة من هذا الانتهاك الأجنبي المستمر وإزالة التعديات اللغوية الواقعة على لغتنا، ولن يتأتى ذلك إلا إذا صار «التخطيط اللغوي» هدفًا رئيسيًا لأجهزة التخطيط القومي، وصدرت القرارات السياسية العليا والحاسمة بتفصيح الأمة في كل المواقع وبلا استثناء ولا تهاون.

(1) Nahir,M. j lang Planning Goals: A Classification (LPL:8/3) Fall- 1984: P.294.

(2) د. نهاد الموسى، قضية التحول إلى الفصحى (دار الفكر- عمان- 1987) ص. 21.

انظر أيضا:
التخطيط اللغوي ودوره في حماية اللغة العربية

 

الرابط المختصر :