; الثورات المضادة! | مجلة المجتمع

العنوان الثورات المضادة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 01-يونيو-2014

مشاهدات 71

نشر في العدد 2072

نشر في الصفحة 5

الأحد 01-يونيو-2014

ما حدث في بلدان (الربيع العربي) من ثورات يمثل استحقاقًا كبيرًا حققته إرادة لشعوب في مواجهة الدكتاتوريات التي سامت شعوبها أشد ألوان الكبت والعصف بالحريات، وأذاقتهم كل صنوف الفقر، بعد أن ضرب الفساد جنبات مجتمعاتها وخرجت بلاد (الربيع العربي) من تلك الثورات الناجحة بأقل الخسائر، فقد تعامل الثوار الذين أمسكوا بزمام ثوراتهم مع فلول الأنظمة البائدة بقيم إنسانية عالية؛ فلم ينصبوا لهم المقاصل والمشانق، ولم يزجوا بهم في غياهب السجون دون تحقيق أو دون أحكام قضائية، بل ولم ينصبوا لهم محاكم استثنائية، ولكنهم حاكموهم أمام القضاء الطبيعي؛ الأمر الذي شد انتباه العالم، وشهد لتلك الثورات بسلمية فعالياتها وتعاملها مع خصومها.

لكن تلك الثورات عندما بدأت في الانتقال بالبلاد إلى الطريق الديمقراطي الذي تاقت إليه الشعوب طويلًا؛ خرج فلول الأنظمة البائدة من جحورهم بثوراتهم المضادة، مستخدمين كل الأدوات والأساليب الرخيصة، ومستعينين بأدوات وقوى خارجية التي وجدت الفرصة سانحة لاستغلال تلك الثورات المضادة وامتطتها لتحقيق مشاريعها الاستعمارية في تلك البلاد، فحولت هؤلاء الذين حركوا الثورات المضادة في داخل البلاد إلى أدوات لتحقيق أهدافها في الهيمنة والسيطرة على القرار، وإعادة إنتاج النظم القديمة بمسميات مختلفة وصور جديدة، ولكنها أكثر سهولة في التبعية وقابلية الهيمنة الأجنبية، وأكثر طاعة في تحقيق مصالح القوى الإقليمية والدولية.

وقد أدى ذلك إلى تبديد أحلام الشعوب التي كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق، وأحدثت حالة من الإحباط والغضب، وقسمت الشعوب ووضعتها على حافة الاقتتال الداخلي الذي يمكن أن يعصف بالأوطان عصفًا، ويؤدي إلى تفتيت البلاد وتقسيمها، وإبقاء الدولة هشة ضعيفة لتصبح لقمة سائغة يسهل على القوى الخارجية ابتلاعها، وإدخال شعوبها في دائرة الاستعباد من جديد.

إنه، وإن كان بعض القوى الإقليمية التي تدخلت - ومازالت - لإفشال ثورات

(الربيع العربي) قد نجحت في بعض الدول؛ فإن النتيجة الوخيمة على المدى البعيد ستكون وضع دول المنطقة في بؤرة خطر الحروب الأهلية والتفتيت والتقسيم والاضطرابات المتواصلة التي ستنعكس بالسلب على المنطقة بأسرها، وتضع العالم العربي بأسره في قبضة النظام الدولي الاستعماري الطامع في الهيمنة الكاملة على مقدراتها، والسيطرة على القرار الإستراتيجي فيها، ويدخلها في حالة حالكة السواد من التبعية لن تستطيع الفكاك منها؛ وذلك يفتح الطريق على مصراعيه لاستفحال المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري ومشاريع الهيمنة الأخرى التي ترنو لتحقيق أحلامها على حساب شعوب المنطقة.

إننا نطالب الجميع في المنطقة برفع أيديهم عن دعم الثورات المضادة، والتحول من دعمها إلى دعم خيارات الشعوب الحقيقية، والإسهام في استقرار وتنمية بلدان (الربيع العربي)، والتحرك وفق مشروع استراتيجي يحقق القوة والمنعة لدول المنطقة؛ قطعا لطريق على استفحال المشاريع والمخططات الاستعمارية.. إن الشعوب هي الباقية والأنظمة مهما طال بها الزمن هي الفانية؛ فليكن الخيار مع خيار الشعوب التي أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن خيارها هو الحرية في اختيار حكامها والاستقلال ببلادها عن الهيمنة، وقد قدمت الشعوب - ومازالت تقدم - الغالي والنفيس في سبيل تحقيق ذلك.. وإن الله لناصرها.•

الرابط المختصر :