العنوان فكر التبعية ورموزه.. إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 64
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
فكر التبعية يرفع عقيرته في هذه الأيام بصلف مأساوي، وبلاهة عقلية محزنة، جعل المثقف العربي لا يستطيع أن يقرأ ذاته أو يفهم واقعه، أو يسهم بفاعلية في حضارة أمته. إن جرثومة التهميش وأمراض الصعلكة الفكرية قد أصابت الكثيرين بالهوس الفكري، فخاضوا بحارًا فكرية هائجة بدون رصيد من علم أو مرجعية ثقافية أو عزيمة بحثية، فغرقوا فيها وأخذوا يستعينون بوجبات تنظيرية جاهزة، ويتسولون أفكارًا هلامية هابطة، ويسطون على المخلفات الثقافية هنا وهناك.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل أخذوا يجهدون
أنفسهم لإجهاض كل تفكير جاد يحاول أن يستقرئ خطاب الواقع الراهن، ويرصد إشارات
الفتح الثقافي والفكري المعيش لبناء نهضة حديثة من صبغة موافقة لطبيعته متناغمة مع
مزاجه مواكبة لتوجهه مرتكزة على ثقافته، تنسب لحمتها وسداها إليه ويجد نفسه فيها،
ثم أخذوا يستعملون بقصد غير شريف شعارات التجديد والتنوير والتقدم والنهضة، لإجهاض
هذا التوجه السليم.
ويعجب معي من هذا الزخم الأعمى كبار مثقفي
العصر من أمثال الأستاذ محمود شاكر، إذ يقول: "يا للعجب! أهذا تجديد؟ إن
التجديد لا يمكن أن يكون مفهومًا ذا معنى إلا أن ينشأ نشأة طبيعية من داخل ثقافتنا
المتكاملة المتماسكة الحية في نفوس أهلها، ثم لا يأتي التجديد إلا من متمكن النشأة
في ثقافته وتاريخه وعقيدته.. ثم لا يكون التجديد تجديدًا إلا من حوار ذكي بين
التفاصيل الكثيرة المتشابكة التي تنطوي عليها هذه الثقافة وبين رؤية جديدة نافذة..
فالتجديد إذن حركة دائبة في داخل ثقافة متكاملة يتولاها الذين يتحركون في داخلها
حركة كاملة دائبة عمادها الخبرة والتذوق والإحساس المرهف بالخطر عند الإقدام على
القطع والوصل، وعند التهجم على الحل والربط، فإذا فقد هذا كله، كان القطع والحل سلاحًا
قاتلًا مدمرًا للأمة وثقافتها، وينتهي الأمر بالأجيال إلى الحيرة والتفكك
والضياع.."
ومدرسة التبعية هذه لها جذور غرست في تربتنا
نتيجة لعوامل معينة منها:
(١) نتيجة صدمة التدهور الذي أصابت دائرة
التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي وأصابت العقل القومي بالعقم.
(٢) نتيجة تربية استعمارية مقصودة ومشبوهة ظلت
زمنًا تعمل عملها، وتكالب عليها كثير من طلاب الشهرة. يبرز هذا مخطط نابليون في
رسالته إلى كليبر قائده على مصر، لما تبين له أن اختراق دار الإسلام بالسلاح زلة
لا تقال عثرتها، خاصة بعد أن خرج الشعب المصري ليقاوم الغزاة مقاومة عنيفة. يقول
في رسالته المحفوظة في الحربية الفرنسية تحت رقم (٤٣٧٤):
"اجتهد في إرسال (٥٠٠) أو (٦٠٠) شخص من
المصريين إلى فرنسا يبقون فيها مدة سنة أو سنتين يشاهدون عظمة الأمة الفرنسية
ويعتادون تقاليدنا ولغتنا، ولما يعودوا إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليهم
غيرهم. وقد طلبت مرارًا جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتمامًا خاصًا بإرسالها لك لأنها
ضرورة في تغيير تقاليد البلاد".
وقد توالت هذه الإرساليات حتى بعد رحيل
الفرنسيين وكان منهم الدكتور طه حسين الذي صحت نفسه بعد زمان من الضرب في تلك
التبعية، وكتب في جريدة "الجهاد" ينصح بني قومه قائلًا: "الذين
يظنون أن الحضارة الحديثة حملت إلى عقولنا خيرًا خالصًا يخطئون، فقد حملت الحضارة
الحديثة إلى عقولنا شرًا غير قليل... فالذين تلهيهم مظاهر الحضارة عن أنفسهم حين
تلهيهم عن تراثهم القديم، لم يفهموا الحضارة الحديثة، ولم ينتفعوا بها، ولم
يفهموها على وجهها، وإنما أخذوا منها صورًا وأشكالًا، وقلدوا أصحابها تقليد القردة
لا أكثر ولا أقل، وهم بذلك ينفثون سمومهم ويفسدون العقول، ويمسخون في نفوس الناس
المعنى الصحيح لكلمة التجديد".
ويضيف طه حسين: "أما الذين تلفتهم
الحضارة الحديثة إلى أنفسهم وتدفعهم إلى قديمهم وتملأ نفوسهم إيمانًا بأنه لا حياة
لمصر إلا إذا عنيت بتاريخها القديم وبتاريخ الإسلام، هم الذين انتفعوا وهم الذين
فهموا وهم الذين ذاقوا وهم القادرون على أن يقيموا بناء الحياة الجديدة على أساس
متين".
وأظن أن الرجل انتصب من صحوة ضمير ليوقف هذا
التدمير المفزع الذي يشترك في جريمته اليوم مثقفون كثيرون في التعليم والتربية
والسياسة، وساعدت على تعميق هذه التبعية بعض الأنظمة التي أخذتنا ومعها جوقة من
المثقفين إلى "الاشتراكية" تارة حتى كان يعد الخارج عليها كافرًا مباح
الدم، ثم أخذتنا بعضها تارة أخرى إلى "الماركسية"، وسارت في ركابهم زفة
من الكتاب والمنظرين حتى عُد معارضها جاهلًا مرتدًا مهدر النفس والمال والعرض.
واليوم يبشرنا أصحاب التبعية بـ"الليبرالية الغربية" كحل سحري لمشاكلنا،
هكذا بدون بحث أو إعمال عقل أو مناسبة لطبيعتنا أو مراعاة لعقيدتنا وواقعنا الأدبي
والثقافي.
فإلى متى يظل العقل العربي والإسلامي مغيبًا؟
وإلى متى يستمر قتل الإبداع وطمس المواهب؟ وهل يسلم لرموز التبعية اليوم هذا
التوجه أم أن الفجر سيطلع وينفلق الإصباح ويفرح المؤمنون بنصر الله؟!
اقرأ أيضًا:
واقعنا الثقافي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل