العنوان رحلتي يوميات رحلة إغاثية لليمن.. رافقت فيها وفدًا خيريًا
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012
مشاهدات 46
نشر في العدد 2027
نشر في الصفحة 38
السبت 17-نوفمبر-2012
- تواصلنا مع عامة الشعب اليمني من خلال الدروس العامة بالمساجد.
- وجدت قلوبًا متعطشة ونفوسًا متشوقة وأحاسيس من الحب فياضة وكرمًا عربيًا بالفطرة.
- ذهبنا إلى «دار الحجر» وهو بناء أكثر من رائع منحوت في أعلى الجبل يزيَّن بألوان رائعة أما داخل البناء فحدث ولا حرج عن الإتقان والفن.
- شاركت في مسيرة للتنديد بمؤامرات النظام السابق وقلت لهم: طهروا البلاد والأجساد من «القات» وازرعوا فاكهة وخضراوات بدلًا منه حتى يعجل الله لنا بالنصر.
مع تنفس صباح يوم من أيام الله تعالى، أخذت نفسًا عميقًا على أحد الشطآن، وعيناي تتزين بملكوت الله سبحانه مياه تغدو وتروح، وتنثني أمواجها «بكرانيش» بيضاء أسفل «فستان» سماوي تتدرج في فضائه مساحات من بياض السحب، والطيور المغردة تبحث عن رزقها، فبدت لعينَيَّ وكأن طيور السماء تتخاطب مع طيور دبت فيها الحياة على ثوب المياه.
وها هي سلحفاة بحرية تتراقص مع نغمات لا تسمعها أذناي، ويا لروعة أسراب الأسماك التي تحملها تموجات الثوب وهو يتناغم مع حركة الرياح، وها هي الشمس تزیح رداء الظلمة، فتنعكس أشعتها على ثوب المياه لتحيل كل ما على صفحته إلى ثوب أبدعه خالق فيهتف اللسان باسمه معظمًا، والقلب يزهر فيه برعم الإيمان، وتصبح النفس مغردة مع الطيور، مصاحبة لأسراب السمك، قد أضاءت وأشرقت كالشمس في العلياء، واندمجت مع الخلق تسبيحًا للخالق، فكانت بانوراما متآلفة، متحابة، قد استوفت ملامح جمال خلاب، حينها همس قلبي: اللهم يسر لي أمر الدعوة إليك، ولا تحرمني من ذكرك ما حييت، ولم تنقض سوى عدة أيام، وكنت قابعة في كرسي طائرة، تتجه بنا إلى اليمن السعيد مع فوج من أهل الخير الذين تفضل الله عليهم وكسا قلوبهم برحمة مهداة يذهبون لمد العون لأهلهم وأولاد عمومتهم في اليمن وأرادت الأخت المنظمة أن ترافقها في زيارتها تلك داعية، لتكون الكلمة مساندة للمال في مسح الدموع بشكل دائم وليس بشكل وقتي فكانت رحلتي.
في السماء
من الطائرة رأيت ثوب السماء مطرزًا بجبال ووديان، صنعتها السحب في السماء، ورياح تعزف لحن الحياة، لا تراها العين ولكن العقل والقلب يدركان لمساتها ويشاهدان آثار وجودها والطائرة لا يحملها بهذا الثقل سوى الله وحده سبحانه.
ولجنا لأرض اليمن وأنا أشتاق لرؤية ساكنيها، اليمن الذي طالما قرأنا عن ملكته في القرآن، وكيف أنهم أصحاب رأي ومشورة، وكيف يرجعون سريعًا للحق إن اهتدوا إليه، وكيف أنهم يزنون الأمور بقدرها وليسوا أهل كبر ولا هم أهل عناد، يتميزون بالوفاء لكل من قدم لهم عونًا أو زرع في قلوبهم بذرة وبالفعل وجدنا قلوبا متعطشة، ونفوسا متشوقة وأحاسيس من الحب فياضة، وكرمًا عربيًا بفطرتهم، فارتاحت لمرآهم العين، وأطلق الله سبحانه لساني من عقاله، وأظهرت لهم قلوبنا مكنونها من الرغبة في حب راقٍ لهذا البلد وأهله ينسج عملًا صالحًا نأوي إليه ليرضى عنا الخالق، فيجعل مستقر أرواحنا على منابر من نور على يمين العرش، فالمنابر ليس عليها نور، ولكنها هي نور، وأن نهنا بظل عرش الله جل وعلا يوم لا ظل إلا ظله إن أخلصنا في إعطاء هذه المحبة ما يرويها ويديمها.
النشاطات والزيارات
تضمنت نشاطاتنا وزياراتنا وتعددت ما بين مؤسسات الأيتام بمختلف أعمارهم ومختلف الخدمات التي تقدم لهم، إلى دور الكفيفات، إلى دور رعاية المرضى وخاصة السرطان، إلى دور رعاية وتثقيف الدعاة، ووجدنا عملًا دؤوبًا متعاقبًا، تواصلنا من خلاله مع عامة الشعب الكريم خاصة في الدروس العامة التي ألقيت بأحد المساجد، حيث كان هناك إقبال واضح عليها وتجاوب كبير معها، وقد شعرنا جميعًا بمدى التقارب بين الشعوب الإسلامية التي تتجلي أساسًا في وحدة العقيدة وحب الأنبياء والمرسلين، ووحدة الدستور «دستور المسلمين المقروء» الذي يقوم بتوحيد الهدف لكل مسلم موحد دار الحجر من الخارج يقطن هذه الأرض.
اليمنيات الثائرات
كنت شخصيًا في شوق وحنين لرؤية أي من الثائرات اليمنيات وقد هيا الله لي إحداهن لترافقني في إحدى الجولات فاغتنمت الفرصة وسألتها عن مشاركة النساء في الثورة، فأفصحت لي عما لم أكن أعلمه، ذكرت لي أن الثورة اليمنية لم تساهم فيها المرأة في أول الأمر، بل كانت قاصرة على الرجال، واستمر ذلك حتى استعان «البلاطجة» بالنساء المحسوبات على النظام الحاكم، ولم يستطع الرجال التعامل معهن، فكان لابد من المساهمة النسائية لمواجهة هؤلاء النسوة بحرية وكفاءة، فبدأت مشاركة النساء في بداية الأمر على مضض وللضرورة، وكان في ذلك كل الخير، فقد نزلت المرأة اليمنية بعد ذلك بقوة لتساند الرجل ولتتشرف بتحرير وتطهير اليمن.
نشاطات ثورية للنساء
بمجرد الإعلان عن خروج المرأة، خرجن بكثافة فاكتست الشوارع بسواد ملابسهن، وبدأت المواجهة الحقيقية بين الطرفين الثائرات و«البلطجيات» من النساء، وسقطت شهيدة فرتبت النساء صفوفهن، وجعلت على كل منفذ أختًا تحرس الأخريات، فتم الاعتداء عليها منفردة، وبسرعة عضدوها بأخريات، وتروي لي الثائرة طرفًا من كيد «البلطجيات»، من ذلك أن المرأة الثائرة كانت تقوم بتفتيش للنساء قبل الدخول لساحة الثورة، وقد حدث أنه أثناء قيام إحداهن بتفتيش إحدى النساء وأثناء انحنائها قامت المرأة بضربها بقالب طوب كبير فسالت دماؤها متدفقة، وذكرت من أفعال «البلطجيات» أيضًا الدخول بثعابين إلى الساحة وبعد الدخول إلى أماكن تجمع النساء يطلقن الثعابين، ويسمع صراخ الثائرات فيتدخل الرجال بسرعة لتعقب الثعابين وقتلها، تروي كذلك أن المرأة عند هجوم العسكر أو «البلاطجة» على الثوار، تتشابك أيديهن بسرعة ويتحلقن حول الشباب فلا يجرؤ أحد من المهاجمين على التعرض لامرأة حسب التقاليد اليمنية، حتى تفاجأن بضرب النار عليهن بعد ذلك، مما جعل الرجال بعد ذلك في المسيرات يجعلن النساء في الوسط وهم يحيطون بهن لحمايتهن.
الثوار و«التخزين»
ذكرت أيضًا أن الثائرات كن يرفضن تناول «القات» و«التخزين»، وقد بذلن محاولات كثيرة لكي يقوم الثوار بترك «القات» تمامًا أثناء الثورة؛ حتى يكللها الله تعالى بالنجاح، وألححن في ذلك حتى إنهن طلبن ترك «التخزين» ولو ليوم واحد خاصة أن الشيخ ابن باز حرم «التخزين» ومأكل «القات»، ولكن النتائج لم تكن إيجابية.
كانت تروي لي وأنا أتطلع على جانبي الطريق وأرى الرجال أحفاد صناع الحضارة باليمن، وبعضهم يخزنون «القات» في الفم، وقد لفت نظري الجبال المحيطة باليمن من كل اتجاه وتذكرت «سيل العرم»، ودعوت من قلبي أن يحفظ الله اليمن وأهله من النوازل والقوارع، وأن يفك أسرهم من «القات»، خاصة حين علمنا أن في دور اليتيم كان من النزلاء أطفال ينفق عائلهم ما لديه من مال قليل على «القات» ويضيع الأولاد فيأخذونهم منه ليحموهم، ومن العجيب أننا علمنا أن «القات» دخل عن طريق الحبشة، ووجد تربة خصبة في اليمن من رجالها ومن أرضها، وحل «القات» في الأرض محل المزروعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حضارة راسخة
ذهبنا إلى «دار الحجر»؛ وهو بناء أكثر من رائع منحوت في أعلى الجبل يزين بألوان رائعة، وكأنها للتو مصبوغة، أما داخل البناء فحدث ولا حرج عن الإتقان والفن والحضارة المتمثلة في كل شبر فيه، وأما «سور اليمن» وما أدراكم ما «سور اليمن»! تحفة معمارية تحكي تاريخًا أصيلًا لرجال يمنيين كانوا هم الرجال وقد اندهشت لرؤياه، وهو يحتضن إحدى الأسواق الحديثة التي تدخلها وكأننا انتقلنا من اليمن إلى «خان الخليلي» بمصر، وصعدنا إلى جبال «إب» وكأنها النعيم في الأرض، لا تستطيع أن تغمض عينيك من الجمال وإن طرفت، تظل هذه الروعة متجلاة ظاهرة مرئية والعجيب في الأمر أنك بعد ترك المكان تحبس صورته في قرنية عينك تحتفظ بها فلا ترى عيناك سوى الخضرة وتدرجها في درجات اللون وعلى درجات الجبل، بحيث تعجز عن تشبيهها بشيء قد رأيته قبلًا.
أين السياحة
سألنا بتعجب: أين أنتم من السياحة؟ وكانت الإجابة أكثر غرابة حيث قالت الأخت: إنه النظام السابق لا أعاده الله، بصمته في الإفساد قد طالت كل شيء، فالأمن مفتقد في هذه الأماكن، وليس هناك دعاية ولا دعوة لسائح، وبالفعل عندما ذهبنا الشلالات «سدة»؛ هذه الشلالات الباهرة لم يكن هناك أحد من السائحين، بل أكثر من ذلك اضطررنا أن يصحبنا أربعة مسلحين لتأمين خطواتنا، صحيح أن هذه المناظر الخلابة تستحق كل مخاطرة، ودعوتي لكل من لم يرها ويستطيع ألا يتردد لحظة.
رأيت مزارع العنب الذي لم أذق حلاوته من قبل، وهالني أن المزارع بالفعل تتناقص والزراعة في اضمحلال مع إحلال لزراعة «القات» محلها، أي دفن الحياة بالموت، فقد قرأت أن الآلاف من أهل اليمن يصابون سنويًا بالسرطان بسبب «القات»، ولا أدري هل هي نقمة حلت بالناس، أم هو بلاء سيرفعه الله تعالى عنهم قريبًا؟ فهم أهل کرم طيبون قلوبهم سليمة، ولن يخذلهم الرحمن الرحيم بإذنه.
قبل رحيل جسدي وليس قلبي عن أهل اليمن، حدث التفجير الذي كان يستهدف وزير الدفاع، وخرجت المسيرات الشجب التفجير ولمواصلة الثورة وأراد الله تعالى أن أكون معهم لعلي أسدد بعضًا من دين أهل اليمن على الثورة المصرية في تفاعلهم معنا ومؤازرتهم لنا وخروجهم مسيرات ملأت الشوارع احتفالًا بانتصار الثورة وفوز «د. محمد مرسي».
سرت مع الأخوات هاتفة لاستمرارية الثورة، وكنت في أول المسيرة، وما رأيت إلا والميكروفون بين يدي لإلقاء كلمة، فقلت: اصبروا وصابروا ورابطوا، وطهروا البلاد والأجساد من «القات»، وازرعوا فاكهة بدلًا من ذلك وخضراوات، حتى يعجل الله جل وعلا لنا بالنصر وتستطيعون فعل ذلك يا أصحاب الحضارات، ففي ثورة مصر عملنا مضاعفا لنفرح قلوبكم مع فرحتنا، وجاء دوركم لتفرحونا بنصركم فلا تحرمونا، صفقت النساء، وأخذ الميكروفون أحد الشباب وهو يهتف: «الشعب يريد تطهير البلاد»، ابتسمت من قلبي، وسألت الله تعالى أن يعينهم فالطريق طويل، وهمست إحداهن في أذني قائلة: ليس لكم حل أيها المصريون من قبل يترضى «مرسي» على الصحابة في إيران، وها أنت تنادين بترك «القات» في مخزن «القات»، كيف تفعلون ذلك؟! قلت لها: بالحب لا نستطيع أن نرى سقوط من نحب إلا بمد أيدينا إليه قالت: نعم إنه الحب وقد وصل إليهم فتقبلوا منكم شبكت يدي بيديها مع تشابك أيدي الأخوات وواصلنا المسيرة هاتفين مع من يهتفون: «الشعب يريد تطهير البلاد.. ثورة ثورة حتى النصر».
انتهت رحلتنا، ولم تنتهِ أحلامنا في يمنٍ حُرًّ سعيد.