العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1425)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مدخل أعجمية في قضية عربية
الأصوات الأعجمية والاستفادة من التجربة الأوردية
د. سيد بشير أحمد الكشميري
أثيرت مؤخرًا قضية وجود قوالب مناسبة لكتابة الأصوات الأعجمية ضمن النصوص العربية.
هذه المشكلة خاض غمارها علماء اللغة وآخرون غيرهم، وهي نتيجة للاقتحام والتدفق العارم للمفردات والأصوات الأعجمية في اللغة العربية المعاصرة كلامًا وكتابة..، ولم يخطر ببال أحد أن المشكلة هي تلك المشكلة نفسها التي سبق أن حلها قبل قرون المتكلمون بلغات مثل الفارسية والأوردو والتركية القديمة، وأخرى كثيرة مثلها ما زالت تكتب بالخط العربي، إن السبب كان مختلفًا، حيث إن الشعوب أصحاب تلك اللغات الأعجمية عندما اعتنقوا الدين الإسلامي وأخذوا في أسلمة لغاتهم باعتناق الخط العربي، وجدوا أن عندهم أصواتًا إضافية تنقص لغة الضاد، فهداهم حبهم للغة القرآن إلى اختراع قوالب إضافية لتلك الأصوات الإضافية جاءت منسجمة تمامًا مع الحرف العربي.
وأرى أن تلك الحروف المعربة المخترعة قالبًا لتلك الأصوات الأعجمية تغطي جميع تلك الأصوات التي هي قيد البحث الآن، وأخرى غيرها أيضًا وتؤدي الوظيفة بكل سهولة ودقة، لنأخذ لغة الأوردو قاعدة مثلًا، إذ إن عدد ناطقيها يفوق عدد ناطقي أخواتها المكتوبة بالخط العربي، كما تتسع وعاء وقالبًا حتى للأصوات الهندية السانسكريتية بكل تعقيداتها والأغرب للنطق العربي من الأصوات الأوروبية أو غيرها، ولا تتعلق المسألة بالأصوات الثلاثة (P) و(V) و(G) فقط، بل هناك أصوات أخرى نحتاج إليها، إضافة إلى تلك الثلاثة، ليس فقط لكتابة الأصوات الأعجمية ضمن النصوص العربية ونطقها قراءة، بل أيضًا تعويدًا وتقويمًا للسان العربي للنطق الأدق عند المحادثة باللغات الأعجمية.
فمثلًا صوت (D) الموجود في كلمات مثل (Denmark) أو في (Cana) (da) يكتب بالأوردو (د) (أي د + ط مصغرة)، حيث تصبح تلك الكلمات (دنمارك) و(كندا)، دون زيادة أو نقصان للصوت الأصل، وبالعكس يكتب وينطق هذا الحرف (D) باللغة العربية (د)، مثل (دنمارك) و(كندا)، وتكون النتيجة غير متطابقة للأصل وإن التمييز بين الصوتين (صوت د العربي وصوت د العجمي) مطلوب للمحادثة الدقيقة الصحيحة وتحقيقًا للإتقان فلا أحد ينكر أن الصوت الواقع في الكلمات المذكورة آنفًا هو مختلف تمامًا عن صوت شبيهه في (Mazda) و(Gorazde).
ويكتب صوت (T) الموجود في كلمات مثل (Computer) أو (Kilome) (ter) أو في الكلمة المستحدثة أخيرًا (Multimedia) يكتب (بالأوردو) (ت) (أي ت + ط مصغرة) فتصبح (كمبيوتر) و(كيلوميتر) و(ملتيميديا)، إن التمييز بين الصوتين (صوت ت العربي وصوت ت العجمي) مطلوب أيضًا لدقة المحادثة ولصحة التكلم، فلا أحد ينكر أن الصوت الواقع في الكلمات المذكورة آنفًا هو مختلف تمامًا عن صوت شبيهه في (Taiwan) و(Tansu).
وهناك حرف (چ) (أي ج + ..) لكتابة صوت (ch) في (Watch) أو في (Chechenia) أو في (Chip) أو في (China) حيث تكتب (واچ)، و(چیچینیا) و(سینتوچ) و(چب) و(چائنا)، أما ما يدعون إليه لاستخدام هذا الحرف (حرف چ) لتمثيل صوت (G) فلا أفهم من أين أوحيت تلك الفكرة أساسًا، إذ إن هذا الحرف موجود أصلًا باللغتين الفارسية والأوردو ولا يؤدي إلا صوت (Ch) فإذا اقتبسناه من هناك، فغريب أن نغير مدلوله الصوتي الأصيل، ولا حاجة إلى ذلك إذ يوجد حرف مناسب جدًا لصوت (G) وهـو حرف (گ).
إن هذا الحرف، حرف (گ) (أي ك + - ) الذي إن تبنيناه فسيجنبنا كثيرًا من الإرتباك والالتباس، إنه يمثل صوت (G) أو ما يسمى بـ(جيم المصرية) في كلمات مثل (Gulf) و(Gurella) و(Mega)، حيث تكتب (گلف) و(گوريلا) و(ميگا)، وإنه (أي حرف گ) نعم البديل لهذا الصوت، لأن تمثيل هذا الصوت بحرف (ج) يعقد المشكلة بدلًا من أن يحلها، إذ إن القارئ العربي الذي لا يكون على علم بالصوت الأصل، عندما يقرأه معربًا بحرف (ج) لا يعرف التمييز بين نطقه (جيم فصيحة) كما هو في (الجنة وجهنم) وبين نطقه جيمًا مصرية عامية، والحق إنه ينطقها بكل عفوية فطرية (جيمًا فصيحة) ولا يخفى علينا أننا عندما نسمعهم ينطقونه قراءة ضمن النصوص العربية فلا ينطقونها إلا جيمًا فتصبح (Julf) بدلًا من (Gulf)، و(Manjo) بدلًا من (Mango)، وأظن المشكلة لم يحلها السابقون أيضًا، فمثلًا كلمة جلنار (اسم زهرة الرمان) أصلها فارسي وهو (گلنار) (Gulenaar) وتعني زهرة النار، إلا أنهم جعلوها (Julla - naar )، ومثلها مثل )قلب الدين) إذ إن اسم هو )كلبدن (Gul - Badan (أي ذوبدن من الأزهار صاحب حكمة)، إلا إن هذا الاسم تطور في الصحافة العربية أطوارًا كثيرة منذ أيام الغزو السوفييتي، وظهور اسم گلبدن حکمتيار فقرأناه مرة (كلب الدين) وأخرى (غلبدين)، وأخيرًا أجمعوا على (قلب الدين) وكلها غريبة أشد الغرابة عن الأصل، أما تمثيل هذا الصوت صوت (G) بحرف (غ) فهو إن كان أفضل من تمثيله بحرف (ج)، وأقرب إلى الصوت الأصل، إلا أنه يجعله صوتًا حلقيًا.
وهناك حرف (ژ) (أي ز + ) لكتابة صوت (Sio) الوارد في كلمات مثل (Confusion) أو (Conclusion) أو (Vision) حيث تكتب (كانفیوژن) و(کانکلوژن) و(ویژن).
وهناك ما يسمى ب يا الكبيرة (ى) لكتابة أصوات مثل (e) أو ( (ay أو (ey) الوارد عادة في أواخر كلمات مثل (Day) أو (Yardley) أو (Nor way) أو اسم الشاعر الألماني (Goethe) حيث تكتب و(ذ ى) و(إيلزى) و(باذلي) و(ناروى) و(کوینی).
أما حرف (پ) (أي ب + ...)، فهو البديل الأحسن لصوت (p) في كلمات مثل (Pakistan) أو (Praug) أو (Pope) أو (processor) حيث تكتب (پاکستان) و(پراک) و(پوپ) و(پروسیسر).
أما صوت (۷) وصوت (W) فلا تمييز بينهما أحيانًا في اللغة الأوردو لأنهما يكتبان بحرف (و)، ولا تمييز أحيانًا أخرى بين (V) وبين (F) و(Ph)، أي تكتب بحرف (ف)، فمثلًا، تكتب كلمة (Field) (فيلد)، وتكتب (West) (ویست) وتكتب (Violin) (وايولن) وتكتب (Bravo) (براوو)، وتكتب (love) (لو) وتكتب (Television) (تیلیویژن)، وتكتب (Soveit) (سوويت) وفي الوقت نفسه يكتب الصوت (Ph) (ف) مثل (فونPhone ) (فوتو Photo)، كما يكتب الصوت الروسي (V) (ف) مثل (كورباجوف) و(بريزنيف) و(دوداييف) نظرًا إلى هذا الاختلاط والارتباك نرى أنه من الأفضل أن يمثل صوت (۷) بحرف (ف)، والذي لا يوجد في الأبجدية الأوردية، ويمثل صوت (F) وشبيهه صوت (Ph) بحرف (ف) ويمثل صوت (W) بحرف (و) بحيث تكتب كلمة (Wave) (وويف)، وتكتب كلمة (Wolf) (وولف)، وتكتب كلمة (Joseph) (جوزيف).
وأود أن أسجل استنكاري لكتابة الأصوات الأعجمية بأصوات عامية دارجة الحروف العربية مثل (ج) المصرية، كما سبق، أو (ق) السودانية أو المصرية أو (ك) الخليجية، إن هذا يعقد الأمور تعقيدًا فاحشًا، كما أنه لا علاقة ولا تشابه بين أصواتها الفصيحة العربية وبين أصواتها العامية، وإذا كانت هي مشوهة بلغة الضاد نفسها فكيف تليق وعاء للأصوات الأعجمية، فمثلًا اسم إمارة الشارقة كان الأصح أن يكتب(Shaariqa) ، (لو جاز حذف التعريف) وكذلك كلمة القذافي كان الأصح أن تكتب (Al - Qadhafi) مثل اسم دولة (Qatar) إلا أنهم نطقوها (Sharigah) ثم انحرفت منها إلى (شارجة) فكتبوها Sharjah) ) وإن الغالبية العظمى الآن من الأجانب وكذلك العرب أنفسهم ينطقونها الآن (شارجة) بدلًا من (الشارقة)، وكذلك يكتبون وينطقون كلمة قذافي (Alghadafi) الغدافي، بدلًا من (القذافي)، وكذلك تسمع من الإذاعات الأجنبية كما نقرأ في الصحافة الأجنبية العالمية يشار إلى الجريدة السودانية (القوات المسلحة) (Al - Ghuwaat Al - Musallaha )،
وإلى أختها المصرية (الجمهورية) (Al - Ghumhooriya ) والمشكلة تتعقد عندما يحتاج أحد إلى إعادة تعريب كلمات عربية مترجمة مثلها واقعة ضمن نصوص غير عربية، وخاصة إذا لم يكن المترجم على علم بالأصل فبالتأكيد تتحول (ق) إلی (غ) فما بال العامة، والأمثلة أكثر من أن تحصى ونكتفي بما سبق مضيفين فيه (قرنق وجنبلاط)، نظرًا إلى هذه البلبلة نتجرأ على القول إن مثل هذا التساهل والاستهانة من لدن المترجمين والإعلاميين يمثل اعتداءً على حرمة لغة الضاد، ومن ثم يجب أن يبقى نطق اللهجات المحلية في حدودها المحلية (حدود النطق العامي) دون تعكير صفو اللغة العربية الأصيلة.
وهناك حرف (نون الغنة أي نون بدون نقطة) يرد في أواخر الكلمات ذات الأصوات الخيشومية مثل الأصوات الفرنسية مثل (فرانسوان میتران) و(جیسکار ديستان) أو غيرها مثل اسم الملك (شاه جهان بن جهان گير) الذي بنى تاج محل.
وفي النهاية أرى أن أسجل بكل حماس وحب للغة الضاد لغة القرآن ولغة أهل الجنة، أننا لو تبنينا تلك الأحرف، كما هي، فإننا نكون قد وجدنا حلًا سهلًا إذ إنها حروف معروفة لدى شعوب الأمة الإسلامية وثبتت صلاحيتها قرب قرون، فالحكمة ضالتنا، وفي الوقت نفسه نكون قد أعطينا فرصة لتلك الشعوب الإسلامية للاعتزاز بمساهمتها في إثراء الثقافة العربية الإسلامية، مثلما كانوا يعتزون بما كانوا يلعبونه من دور فعال في زمن ما إذ كانت الأمة جسدًا واحدًا غير مشتتة، وإذا أقدمنا على هذا فستكون خطونا خطوة بناءة في سبيل تقريب الأمة وما أحوجنا إليه، ستكون لها آثار إيجابية بعيدة المدى، وفي المدى القريب يمكننا أن نتصور وجود آلة كاتبة موحدة لمعظم لغات الشعوب، الإسلامية كما يمكننا الإقدام على إيجاد طقم محارف موحدة لبرامج الكمبيوتر، الأمر الذي سيفيد الأمة الإسلامية كثيرًا في عصر المعلومات، وإن الأمر ليس بيسير، فمثلًا توجد هناك بعض برامج الكمبيوتر (عفوًا الكمبيوتر) لمعالجة النصوص متعددة اللغات (مثل يونيفرسال وورد) التي تسمح بكتابة جميع تلك الحروف التي ذكرناها.
وإذا كنا تركنا الفتوحات الإسلامية غير مكتملة ولم تسلم لغات الشعوب المعتنقة للدين الحنيف باعتناق اللغة العربية، فلننتهز هذه الفرصة للتفسح شيئًا من تلك اللغات، لعل هذا يفتح بابًا يومًا ما لبروز دعوة من بين تلك الشعوب الأعجمية نفسها لاعتناق اللغة العربية.
وأنتهز الفرصة أيضًا، لأرجو من القائمين على أمر مؤسساتنا مثل منظمة المؤتمر العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية ورابطة العالم الإسلامي والأزهر، عشرات الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية والدينية والخيرية وأخرى المنتشرة في مختلف أرجاء العالم أن يتبنوا مشروعات للتقريب الثقافي من الشعوب الإسلامية حتى تشعر الأمة كلها بكونها جسدًا واحدًا، وإذا كنا ننقد الوحدة الشاملة، فلنحاول تعويض شيء منها بالتقريب الثقافي وبتوحيد المشاعر والأحاسيس، وما أحوجنا نحن الآن إلى ذلك، ولنبدأ بخطوة متواضعة، إنشاء مجالس ثقافية عربية في البلاد الأعجمية على غرار المجلس الثقافي البريطاني، مثلًا، الذي يستفيد من فروعه الملايين حول العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل