العنوان أيام في.. ليبيا بعد الثورة (1 – 4)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012
مشاهدات 82
نشر في العدد 1989
نشر في الصفحة 40
الجمعة 17-فبراير-2012
·
زرت ليبيا قبل ١٨ عامًا وكتبت عن تلك الزيارة حلقتين ولم أكن أقدر أن
أعود إليها بعد ذلك لكن قضاء الله تعالى غالب.
·
عجيب أمر ليبيا.. فقد أغلق النظام السابق البلاد وقتل المواهب ومنع
العمل الإسلامي وشلّ الإبداع وعزل أصحاب القدرات عن توظيفها.
·
فلما جئت البلاد هذه المرة وجدت فيها المواهب التي دُفنت والقدرات
التي حُجِّمت والإبداع الذي حيل بينه وبين أصحابه ووجدت الناس فرحين مستبشرين.
قد سعدت
بزيارة ليبيا قبل ثماني عشرة سنة، وكتبت عن تلك الزيارة حلقتين، ولم أكن أقدر أن
أعود إليها بعد ذلك، لكن قضاء الله تعالى غالب وأمره ماض، وما قدره كائن، سبحانه
وتعالى، فقد سقط حكم الطاغية الذي جثم على صدور العباد، وأكثر في الأرض الفساد،
وفعل القبائح في البلاد، فأخذه الله جل جلاله أخذ عزيز مقتدر، بعد أن أمهله طويلًا،
وفسح له في المدة، ومد له في الأجل وأرخى له حبل الأمل، ثم حطم الله تعالى ملكه،
وأزاله عن عرشه، وجعله آية للمعتبرين، وعبرة للناس أجمعين وذهبت خزعبلاته أدراج
الرياح، وتفرق دمه ودم بعض أولاده وأعوانه وأزلامه في البطاح، فعمت البلاد
الأفراح، وفرحت الأرواح، وجاء بعد ليل طويل الصباح، فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً
طيباً مباركاً فيه.
وعجيبٌ أمر
ليبيا، فهي ليست مثل أي بلد في العالم، فقد أغلق النظام السابق البلاد، وقتل
المواهب ومنع العمل الإسلامي، وشل الإبداع وعزل أصحاب القدرات عن توظيفها، فأصبح
الناس خارج ليبيا لا يكادون يسمعون بأحد داخلها، ولا يدرون عن أهلها كبير شيء،
ونحن المسلمين نسمع بعاملين ومبدعين وأصحاب مواهب من شتى بلاد العالم الإسلامي
وغيره، لكننا لا نكاد نسمع بأحد داخل ليبيا، وهكذا هو الظلم الشديد والطغيان
الشنيع يفعل بالبلاد والعباد فعل الزلازل والكوارث التي لا تُبقي ولا تذر، وتدمر
كل شيء.
فرحة واستبشار
فلما جئت
البلاد الليبية هذه المرة، وجدت فيها المواهب التي دُفنت والقدرات التي حجمت
والإبداع الذي حيل بينه وبين أصحابه، ووجدت الناس فرحين مستبشرين قد خالطهم قدر
غير قليل من الحماسة في تعويض ما فاتهم، واللحاق بنظرائهم في العالم الإسلامي، وإن
أردت التعبير بعبارة موجزة فأقول: إن البلاد وُلدت بعد هلاك «القذافي» من جديد،
واستأنفت مسيرة حُرمتها منذ سنين طويلة حتى الأرض قد اخضّرت بعد جفاف، والمطر نزل
في غير وقته بغزارة عقب هلاك الطاغية، فرأيت البلاد مخضرة مُونقة قد أكتست بسندس
وخمائل، فاللهم لك الحمد.
جئت طرابلس
بالطائرة المصرية من القاهرة يوم الجمعة ٢٥ صفر ١٤٣٣هـ /۲۰ يناير ۲۰۱۲م، واستقبلني
الإخوة منظمو الرحلة استقبالًا نم عن حبهم وجليل عاطفتهم وأُخذت إلى قاعة الاستقبال
التي كان الطاغية الهالك يستقبل فيها ضيوفه، فتذكرت قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ
وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26)، ثم أُخذتُ إلى تاجوراء، وهي بلدة قريبة من طرابلس
لا تبعد عنها سوى ١٥ كم، ودخلت جامع «مراد أغا» الكبير، وسمعت فيه درس مفتي الديار
الليبية الشيخ الصادق عبد الرحمن الغرياني، وهو من هو جلالة وصدعًا بالحق، وهو من
أفتى الثوار بالخروج، وقال: هو فرض عين على الليبيين وقد مزج في درسه بين التقرير
الفقهي والإرشاد والنصح للمصلين، وعرج على المجلس الانتقالي والثروات الليبية
والسجون، وأوصى بحُسن معاملة السجناء وإعطائهم حقوقهم، فأعجبني منه مراعاته للواقع
والجمع بينه وبين تفقيه الناس وتعليمهم شؤون دينهم، ثم بعد السلام عليه خرجت من
تاجوراء إلى «مسَلاته» لأزور وزير الأوقاف الليبي الشيخ حمزة أبو فارس، وهو شيخ
جليل قد أصابه من «القذافي» بلاء شديد، وذلك منذ سنة ١٣٩٢هـ / ١٩٧٢م إلى قيام
الثورة، وقد اأشتد عليه البلاء جدًا زمن الثورة وتنقل متخفيًا في أماكن عديدة، وتوبع
بدقة وتعب كثيراً من هذا التخفي، وسكن في أماكن لا تليق بسكنى الآدميين!! لكن الله
تعالى نجاه وخرج من البلاد خائفًا يترقب، ثم عاد مكرمًا معززًا بعد الثورة، وقد
زرته في بيته في مسلاته، وقد كان بيني وبين ابنه خالد ود قديم، وشرفني بالزيارة في
بيتي بجدة، وقد رأيت أربعة من أبنائه -غير خالد- في زيارتي هذه فرأيت عليهم علائم
الأدب والدين والسعادة، فالحمد لله رب العالمين.
زيارة زليتن
ثم خرجت من
عند الشيخ فرحاً مسروراً إلى «زليتن․ وبيت الأخ في الله تعالى الطبيب الفاضل خالد
القدّار، وهو صاحب الفضل علي في هذه الزيارة -بعد فضل الله تعالى- فقد قابلني في
تونس في إحدى المحاضرات وطلب مني القدوم إلى ليبيا فوافقته، ثم نسيت الموضوع
تماما، فلما اتصل بي طالبًا زيارتي إلى ليبيا فأجبته، لم أتذكر أني قابلته في تونس
حتى ذكرني هو بذلك لما قابلته، ولقد أكرمني جزاه الله تعالى خيراً، ورافقني في
زيارتي هذه إلى كل البلاد التي زرتها فأسأل الله تعالى أن يجازيه خير الجزاء.
وفي اليوم
التالي، زرت الجامعة الأسمرية، وهي جامعة تدرّس المواد الشرعية واللغوية ومواد
الدعوة والإعلام الإسلامي والإقتصاد الإسلامي، وهاتان المادتان الأخيرتان لم يبدأ
تدريسهما إلا بعد الثورة الجليلة، لأن نظام الطاغية الهالك كان يمنع تدريس مثل تلك
المواد، وقد قابلني مدير الجامعة د. عبد الله بن علي جوان مقابلة حسنة جدًا، وجال
بي بنفسه في مكتبتي الجامعة، وأهداني كتبًا وأعداداً من مجلات الجامعة، فجزاه الله
تعالى خيراً، وقد سجن في الثورة ثلاثة أشهر ونجاه الله تعالى بفضله ومنِّه.
محاضرة عامة
وقد أعدّ لي
محاضرة عامة في الجامعة، فاخترت الحديث عن ليبيا وعطائها الشرعي والثقافي والحضاري
الإسلامي، وذكرت بعض القصص عن مشاركات ليبيا في نجدة العالم الإسلامي منذ حملة «نابليون»
الهمجية البغيضة على مصر إلى زماننا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى موقعي «التاريخ»
وإلى صفحتي في «الفيسبوك».
ثم تغدينا في
بيت الأخ الفاضل عبد السلام الصفراني، وانطلقنا عقب صلاة العصر إلى مسرح البلدة
-أي القاعة الكبرى- وألقيت فيها محاضرة بعنوان الأمة.. بين الأمس واليوم، وأعني
بالأمس ما قبل الصحوة وباليوم ما بعد الصحوة، وقد فصلت فيها حال الأمة قبل الصحوة
وبعدها في الجوانب الإعلامية والسياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية.
وعقب صلاة
المغرب، زرت الشيخ الفاضل علي جوان وهو والد مدير الجامعة د. عبدالله الذي ذكرته
آنفاً، وكان لقاء طيباً حدثني فيه الشيخ عن حياته وتفصيلات طلبه للعلم زمن الملك «إدريس
السنوسي» يرحمه الله تعالى، والشيخ من الأشراف الفواتير الذين ينحدرون من بلدة «زليتن»
وينتسبون إلى الشيخ عبد السلام الأسمر يرحمه الله تعالى، والعجيب أنه أخبرني أنه
حاز درجة الماجستير من بلدة «الجغبوب» سنة ١٣٨٧هـ /١٩٦٧م، وتلك مدة مبكرة جداً آنذاك
إذ لم تكن شهادات الماجستير تُعطى إلا في جامعات محددة في العالم الإسلامي،
والجغبوب واحة بعيدة عن مراكز الثقافة والعلم آنذاك، لكن عجبي زال لما أخبرني
الشيخ أن جد الملك «إدريس» مدفون في الجغبوب ولذلك عني بها الملك من كل النواحي،
وجلب لها كفاءات جيدة من مصر.
تحفيظ القرآن
وقد زرت في
ذلك اليوم زاوية لتحفيظ القرآن على الطريقة الليبية القديمة، وعرفت من القائمين
على الزاوية أن تلك الطريقة هي السائدة في ليبيا، ألا وهي التحفيظ من خلال الكتابة
على الألواح، فيحفظ الطالب الآيات ويحفظ رسم الكلمات العثمانية، ومكتوب على بعض
الكلمات عدد مرات تكررها أو تكرر مشتقاتها في القرآن الكريم، فيحفظ الطالب حفظاً
متقناً جداً، ويرسم بيده كل القرآن وهذا شرط في التخرج.
والطالب يسكن
في الزاوية ويأكل فيها ويقيم حتى يفرغ من الحفظ، ونظام الزاوية فيه جد وحزم
فيستفيد الطالب فائدة حسنة وتمنيت لو عمل بهذا النظام في بلادنا، فالفارق بين
طريقتنا في التحفيظ وطريقتهم كبير جداً، فطرائق تحفيظهم أحزم وأقوى وأجدى وأعود
بالنفع على الطالب، والقرآن أبعد من التفلت وأبقى
في القلب والعقل، والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل