العنوان في فقه السياسة (٢).. تطور العلوم السياسية الإسلامية
الكاتب بسطامي محمد سعيد خير
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 73
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 30-يناير-2001
تناول المقال السابق الصعوبات التي تواجه الباحث حين حاول استقراء مكانة العلوم السياسية في الإسلام، وعزا ذلك إلى غرابة المصطلحات واختلافها عن المتداول اليوم بجانب تناثر مسائل السياسة في مواضع متباينة لا يجمعها جامع.
التصور الإسلامي للسياسة:
ومع كل هذه الصعوبات فإن البحوث المتأنية والدراسات الشاملة تظهر أن كتبًا ومؤلفات إسلامية كثيرة تحوي قدرًا كبيرًا من المباحث السياسية، ومن الممكن تقسيم هذه الكتب إلى أربع فئات تنبع من تصور الإسلام للسياسة، ففي حين أن الفكر الغربي الحديث يفصل فصلًا تامًا بين السياسة والدين وبين السياسة والأخلاق، فإن الإسلام يجعل السياسة جزءًا من الدين، ويقيم صلة وثيقة بين الأخلاق والسياسة، وتبعًا لذلك فقد عالج الإسلام السياسة من ثلاث زوايا:
الأولى: زاوية العقيدة.
والثانية: زاوية الفقه والقانون.
والثالثة: زاوية الأخلاق.
ولهذا فإننا نجد المباحث السياسية ضمن الدراسات العقدية، وضمن الدراسات الفقهية، وضمن الدراسات الأخلاقية، وقد سجلت الدراسات التاريخية الممارسات العملية للسياسة، فهذه هي المجالات الأربعة التي ضمت المباحث السياسية في الإسلام.
ولا شك أن السياسة في أي مجتمع لها ارتباط وثيق بالمبادئ التي يؤمن بها المجتمع في تفسير ظواهر الكون، ومكانة الإنسان فيه، والفلسفة السياسية هي أحد فروع الفكر السياسي في الغرب، وبمثل هذا الارتباط الوثيق بين الفلسفة والسياسة في الغرب وجدت صلة قوية بين السياسة والمبادئ العقائدية في الإسلام، بل كانت السياسة وقضية الإمامة على وجه التحديد أحد المحاور الأساسية للجدل بين الفرق الإسلامية التي ظهرت منذ منتصف القرن الأول الهجري، وهذا يفسر اهتمام رجال العقيدة والكلام والفلسفة بالسياسة، وتناولهم لها في كتبهم.
وجدت السياسة عناية أيضًا عند الفقهاء، والعلاقة بين السياسة والفقه هي العلاقة ذاتها التي توجد اليوم بين السياسة والقانون، فالدستور وهو أعلى قانون في الدولة المعاصرة ما هو إلا تعبير عن المبادئ السياسية والفكر السياسي الذي تؤمن به الدولة، ولقد سعى الفقهاء لصياغة القواعد المهمة التي يقوم عليها الحكم، وتحديد وظائف الحكام ومؤهلاتهم، ووضع الحلول للمشكلات المختلفة التي نشأت من تطور الدولة الإسلامية.
أما الدراسات الأخلاقية فقد سعت لوضع قيم وآداب تحكم تصرفات رجال السلطة، وكانت هذه الدراسات تصاغ في شكل مواعظ ونصائح للخلفاء والملوك والسلاطين، ومن دونهم من رجال الدولة، وهذه القيم الأخلاقية هي التي تجعل السياسة في الإسلام -في جانبها النظري على الأقل- نظيفة تقوم على الصدق والأمانة والعدل.
وتضم الدراسات التاريخية الوثائق السياسية والإدارية للدولة الإسلامية منذ تأسيسها، وهذه الوثائق تشمل الخطب والرسائل والمعاهدات، وتسجل بدقة كل نشاط سياسي في المجتمع، سواء كان صادرًا من رجال الدولة، أو من المعارضين لها المتمردين عليها، وسواء كان في سياسة الدولة الداخلية أو الخارجية في السلم والحرب، فهي بذلك ذات أهمية قصوى ومصدر رئيس من مصادر الدراسات السياسية، فبجانب الوقائع التاريخية نجد المبادئ السياسية والأحكام التنظيمية.
خصائص ومميزات:
وهكذا يجد الباحث المنصف مؤلفات كثير متنوعة متعددة في كل هذه المجالات التي عالجت السياسة في الإسلام والدراسة المتأنية لها تظهر أنها تتمتع ببعض الخصائص نكتفي بذكر اثنتين منها:
الأولى: أن كتابات المسلمين السياسية لم تكن كتابات نظرية تحلق في عالم المثال مثل كتب الفلاسفة اليونان الذين تحدث فكرها السياسي عن مثل وأحلام لا تتحقق في عالم الواقع، فمن يقرأ جمهورية أفلاطون -مثلًا- يعلم أن تصوراتها تصورات خيالية، ولكن بحوث السياسية الإسلامية كانت كتابات عملية تواجه الواقع، بل إن كثيرًا منها لم يكتب إلا بأمر السلطة الحاكمة للعمل به وتنفيذه، فأبو يوسف كتب كتابه «الخراج» للخليفة هارورن الرشيد، والماوردي كتب بأمر خليفة عصره، وابن تيمية وجه كتاب السياسة الشرعية لحكام دولة المماليك في مصر وهذه بعض الأمثلة فقط.
فالفقه السياسي الإسلامي لم يكن فقهًا نظريًا كما قد يتوهم بعضهم، بل كان فقهًا عمليًا عالج الواقع، واستجاب لحاجات عصره، ولا شك أنه أيضًا قد عالج بجانب الواقع التصورات الصحيحة والنظريات الإسلامية السليمة للدول، متخذًا من السوابق التاريخية التي طبقت فيه تلك النظريات مثالًا ونموذجًا، فجمع في ذلك بين التصورات النظرية والاتجاهات العملية.
الثانية: أن ذلك الفقه قد عالج المشكلات التي وجدت في عصوره المختلفة، وتناول جوانب النظام السياسي حسب ما تطورت إليه الدول الإسلامية، ولم يترك ثغرات أو فجوات لم يعالجها، وقد شملت البحوث الدولة ونظامها مثل كتاب الجويني المعروف، والعلاقات الدولية بحثها كتاب الشيباني، ووضع الأقليات غير المسلمة بحثها كتاب ابن القيم، والنظم المالية بحثها أبو عبيد القاسم في كتابه الأموال، والنظم القضائية بحثتها كتب عدة.
وخلاصة القول إن العلوم السياسية الإسلامية عند أسلافنا قد استجابت لحاجات عصرها، ولئن استجدت في عصرنا حاجات ومشكلات جديدة تحتاج إلى اجتهاد فإن على المعاصرين أن يبذلوا قصارى جهدهم في تقديم العلاج لمشكلات عصرهم في ضوء الإسلام، مستفيدين من جهود الأولين ومتأسين بهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل