العنوان الفلاشاه وأزمة المستوطن الصهيوني
الكاتب عبدالوهاب المسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 18
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
- إذا كان تهجير الفلاشاه يعبر عن مقدرة الصهاينة على الحركة والإنجاز فإنه يعبر في نفس الوقت عن أزمة ستفجر مشاكل مستقبلية في الكيان الصهيوني.
ورد اسم الفلاشاه مؤخرًا عدة مرات في الصحف، فكانت
هناك إشارة إلى المعدلات العالية لنسبة الانتحار بين الجنود الإثيوبيين، فهم
يشكلون 10% من الذين ينتحرون سنويًا بالرغم من أنهم لا يمثلون سوى 0.4% من أفراد
الجيش (وكان آخر خبر هو انتحار ثلاثة جنود من الفلاشاه في مارس 1997 م)، والخبر
الثاني من عدة شهور هو اكتشاف الفلاشاه أن المستشفيات الإسرائيلية لا تستخدم الدم
الذي يتبرعون به لخوفهم من الإيدز، أما الخبر الثالث والأخير فهو الخاص بذلك
الضابط الطبيب الإسرائيلي الذي رفض الكشف على أحد أعضاء جماعة الفلاشاه وطرده من
العيادة قائلًا: لا يحق للأسود العلاج، وينبغي تعليق لافتة عند المدخل توضح أن
دخول الأسود ممنوع، مشيرًا إلى أن هذه هي العادة المتبعة في المستوطنات.
وعادة ما تفسر هذه الأمور على أنها عنصرية صهيونية
ضد اليهود السود باعتبارها امتدادًا للعنصرية الصهيونية ضد العرب وهي كذلك، ولكني
أعتقد أننا لو درسنا القضية بشكل أعمق لتبين لنا أن هناك بعدًا آخر خاص بأزمة
الاستيطان الصهيوني.
يتركز الفلاشاه أساسًا في شمال إثيوبيا في المنطقة
الواقعة بين نهر نازي في الشمال والشرق، وبحيرة تانا والنيل الأزرق في الجنوب،
والحدود السودانية في الغرب، وهم يعيشون في قرى صغيرة مقصورة عليهم تضم كل قرية
نحو خمسين أو ستين عائلة وتوجد أهم القرى بجوار مدينة جاندار، كما يوجد داخل
جاندار نفسها جماعة صغيرة من الفلاشاه تعيش في حي مقصور عليها، وتوجد قرى الفلاشاه
عادة على قمة أحد التلال القريبة من النهر، وتتكون كل قرية من مجموعة من الأكواخ
المستديرة يغطيها القش، ويخصص أحد الأكواخ معبدًا لهم، كما يُخصص كوخان آخران
بعيدان عن القرية لعزل النساء، وقت الطمث وبعد الإنجاب.
الزراعة.. وصناعة الفخار
ولا تختلف ملامح الفلاشاه كثيرًا عن ملامح غيرهم من
الإثيوبيين، كما لا يمكن الحديث عن نمط فلاشي متميز، إذ اختلطت فيهم الدماء
الحامية والسامية، ولذا لا توجد اختلافات في لون الجلد وملامح الوجه، ولا يختلف
أسلوب حياتهم، من معظم الوجوه، عن أسلوب حياة جيرانهم، كما أنهم يرتدون نمط من
الثياب نفسه ويأتزرون بالعباءة المسماة «القامة»، وهم يعملون أساسًا بالزراعة
كعمال أجراء، كما يعملون في بعض الحرف الأخرى مثل صناعة الفخار والغزل والنسيج
وصنع السلاسل، كما يعملون حدادين وصاغة وحائكي ملابس، ويعمل كثير منهم الآن بحرفة
البناء في المدن.
ويتحدث معظم الفلاشاه الأمهرية، وثمة أقلية منهم
تعيش في تيجري وفي إريتريا وتتحدث اللغة التايجرينية، وهناك أقلية أخرى في الجزء
الشمالي تتحدث لهجات قبائل الأجاو، أما أدبهم فكله مكتوب باللغة الجعزية أو
الإثيوبية (لغة إثيوبيا الكلاسيكية) وهي أيضًا لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية،
والفلاشاه يجهلون العبرية تمامًا، فمعرفتهم بها مقصورة على بضع كلمات لا يدركون هم
أنفسهم أنها من هذه اللغة.
وفلكلور الفلاشاه، كما هو الحال في إفريقيا، ثري
للغاية، فلهم أغان ورقصات عديدة، كما أن لهم تاريخهم الأسطوري، ويمارس الفلاشاه
عادة الزار لطرد الأرواح، ويُقال إن هذه العادة بدأت في إثيوبيا وانتشرت منها إلى
بعض الشرق الأوسط، كما أنهم يقومون بصنع الأحجبة والتعاويذ اتقاء للعيون الشرير،
وبسبب اشتغالهم حدادين يعتبرهم أهل القرى من السحرة.
وحتى الآن، لم نطلق على الفلاشاه صفة «يهود»،
وأرجعنا ذلك إلى أن نستعرض عقيدتهم الدينية، وتعريف الفلاشاه في الموسوعة اليهودية
يلقي كثيرًا من ظلال الشك على انتمائهم الديني، إذ جاء فيه ما يلي: «الفلاشاه
جماعة إثنية في إثيوبيا تزعم أنها من أصل يهودي، ومطبقة بنوع من أنواع الديانة
اليهودية يستند إلى العهد القديم والكتب الخارجية (أبوكريفا)، أي الكتب غير
المعتمدة والكتب الدينية الأخرى التي ظهرت بعد الانتهاء من تدوين العهد القديم.
والواضح أن التعريف يرى أنهم من أصول إثنية ليست بالضرورة يهودية، وأنهم ليسوا
يهودًا، وإن كانوا «يزعمون» أنهم من أصول يهودية، كما أن ما يعرفونه عن اليهودية
يختلف عن اليهودية التي يتبعها معظم يهود العالم والسائدة في الدولة الصهيونية..
ففي أي شيء تختلف يهودية الفلاشاه عن اليهودية
الحاخامية؟
تستند عبادة الفلاشاه إلى العهد القديم الذي لا
يعرفونه إلا باللغة الجعزية لغة الكنيسة الإثيوبية، ويضم العهد القديم الذي
يعرفونه كل الكتب المعتمدة وبعض كتب الأبوكريفا غير المعتمدة مثل: كتاب يهوديت،
وحكمة سليمان، وحكمة بن سيرا، وكتاب المكابيين الأول والثاني، وكتاب باروخ، ولم
يصل التلمود إلى الفلاشاه، وغني عن الذكر أن التلمود هو عمود اليهودية الحاخامية
الفكري وعصبها، وعدم الاعتراف به ينطوي على عدم اعتراف بها.
والعناصر اللاهوتية والحضارية المشتركة بين
المسيحيين واليهود في إثيوبيا كبيرة، فبعض الكتب الدينية متداولة بين الفريقين معًا،
والجعزية هي لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك، كما أن أسطورة الأصل مشتركة
مع تنويعات خفيفة، ويمكن أن نضيف هنا أن الفلاشاه ليس لديهم حاخامات وإنما قساوسة
يطلق على واحدهم لفظة «قس»، كما أنهم ينتسبون- مثل الكهنة القدامى في يهودية ما
قبل التهجير- إلى هارون، وينتخب الكهنة في كل منطقة كاهنًا أعظم لهم لكي يصبح زعيمًا
دينيًا للجماعة، ويصبح من صلاحياته ترسيم الكهنة.
ويقدم الكهنة القربان في المناسبات الدينية
المختلفة، ويعيش بعض هؤلاء الكهنة في الأديار رهبانًا وراهبات على النمط المسيحي،
ويطلق عليهم لقب «ناذير» وهي لفظة عبرية تعني «الذي نَذَرَ نفسه للشعائر الدينية
وانقطع لها»، كما أن البعض الآخر يعيش على طريقة النُّساك في الغابات والصحاري
وعلى حواف القرى، ومن الطريف أن عادة الاعتراف المسيحية موجودة عند الفلاشاه فهم
يدلون باعترافاتهم إلى الكاهن من آونة إلى أخرى وعند نهاية اليوم، وإلى جانب
الرهبان والكهنة يوجد علماء يستخدمون صحن المعبد لتعليم الدين.
شعائر صارمة
ويُقيم الفلاشاه شعائر يوم السبت بصرامة غير عادية،
فيمتنعون عن الجماع الجنسي في ذلك اليوم، ويقضي الرجال يومهم في الصلاة، لكن
التحريمات الخاصة به مختلفة من بعض الوجوه عن تحريمات اليهود الأرثوذكس، فهم مثلًا
لا يعتبرون استخدام النور الكهربائي من المحرمات، كما أنهم يحتفلون بعدد من
الأعياد أكبر من المنصوص عليه في الشريعة اليهودية، وهم يحافظون على شعائر الزواج
والختان اليهودية، ولكنهم يختنون البنات على عادة بعض الشعوب الإفريقية، ويحافظون
كذلك على التحريمات الخاصة بالطعام، ولكنهم لا يستعملون أوانيَ منفصلة للمأكولات
من الحليب واللحم على غرار الجماعات اليهودية الأخرى.
ويختن المسيحيون الإثيوبيون (هم الآخرون) أولادهم
الذكور، ويمتنعون عن تناول المأكولات المحرمة عند اليهود، كما أنهم- ولفترة طويلة-
كانوا يتخذون السبت يوم راحة لهم بدلًا من الأحد، ومن الجوانب اليهودية الأخرى في
المسيحية الإثيوبية، التشديد على أهمية العهد القديم في الكتاب المقدس، وكذلك
يلاحظ وجود الرموز المتعلقة بسفينة العهد في الكثير من الكنائس المسيحية
الإثيوبية.
واشتهر الفلاشاه أيضًا بمغالاتهم في التطهر، ولذا
فهم يمتنعون قدر الإمكان عن لمس الغرباء، وإذا حدث أن لمس أحدهم غريبًا، فإن عليه
أن يتطهر (ولذلك تُوجد قراهم على مقربة من الأنهار حتى يمكنهم التطهر دائمًا)، ومن
هنا، فإن الفلاشاه الذين يعيشون في جاندار، ويفرض عليهم أسلوب حياتهم الاحتكاك
الدائم بالأجانب والغرباء، يعدون «غير طاهرين» في نظر بقية الفلاشاه.
وتتبدى مغالاة الفلاشاه في قوانين الطهارة في
تعاملهم مع النساء، فبعد أن تلد المرأة ولدًا، فإنها تُعد غير طاهرة مدة أربعين
يومًا، وإن وضعت بنتًا، فإن المدة تتضاعف، وبعد نهاية المدة، تحلق المرأة شعر
رأسها وتغتسل في الماء وتغسل ملابسها قبل أن تعود إلى منزلها، وأحيانًا يُحرق
الكوخ الذي قضت فيه فترة العزل.
والمعبد هو مركز الحياة الدينية بين الفلاشاه،
والذي تُطلق عليه كلمة «مسجد»، أو «بيت إجزا بهير» أو «بيت الإله»، ويستخدم
الفلاشاه اللغة الجعزية في الصلاة، ويقضون معظم يوم السبت وأيام الأعياد في الصلاة
داخل المسجد، ويقفون لتناول الطعام في مأدبة جماعية، كما أنهم يغنون ويرقصون في
الأعياد.
ويؤمن الفلاشاه بإله واحد ويؤمنون بالبعث والعالم
الآخر والثواب والعقاب، كما يؤمنون بعقائد اليهود الأخرى كإيمانهم بأنهم من الشعب
المختار وأنه سيظهر بينهم «ماشيح»، ويُبدو أن بعض الفلاشاه ممن تقع قراهم على
مقربة من قرى المسلمين قد استوعبوا أيضًا عناصر إسلامية في عقيدتهم، وربما كان
بينهم مسلمون بالفعل، إذ ذكرت الصحف الإسرائيلية أن بعضهم قد اعتنق الإسلام في
إسرائيل، كما أوردت أن بعضهم، أثناء زيارة حائط المبكى، سمع صوت الأذان فاتجه إلى
المسجد لإقامة الصلاة، كما ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية أن بعضهم أقام الصلاة على
طريقة المسلمين في المطار فور وصوله إلى إسرائيل وقد وصفتهم الصحيفة بأنهم «فلاشاه
سنيون».
هوية إثنية إفريقية
وقد احتفظ الفلاشاه بهويتهم المتميزة، وهي هوية
إثنية إفريقية استمدوها من بيئتهم ومن طبيعة التشكيل الحضاري الإفريقي، ويرى بعض
المتخصصين في مجتمع الفلاشاه أنهم من قبيلة الأجاو، وأنهم عرق إثيوبي صاف، أما
تقاليدهم وعاداتهم فتجمل خليطًا من المعتقدات والطقوس الوثنية واليهودية والمسيحية
وربما الإسلامية، وقد نفى أحد المؤرخين صفة اليهودية عنهم في وصفهم بأنهم مسيحيون
تمسكوا لسبب أو لآخر بالعهد القديم بدلًا من العهد الجديد، وهو يرى أن علاقات
الفلاشاه الحضارية والعرقية مع جيرانهم المسيحيين الإثيوبيين، تتخطى تلك التي
يشاركون بها يهود العالم، وقد تكون هذه الطبيعة المُختلطة لهوية الفلاشاه هي ما
حدا بأحد المسؤولين في الوكالة اليهودية في الخمسينيات إلى أن ينصح الذين فكروا
منهم في الهجرة إلى إسرائيل بالتنصر وحل مشكلتهم بهذه الطريقة بدلًا من الهجرة إلى
إسرائيل.
ومع هذا، تم تهجيرهم باسم الهوية اليهودية
العالمية، ومن الواضح أنهم سيفقدون في إسرائيل هويتهم الإفريقية هذه ولن يكتسبوا
هوية جديدة، لأن المجتمع ينظر إليهم بعين الشك بسبب لون جلدهم وتوجههم الثقافي بل معتقداتهم
الدينية، وقد شككت دار الحاخامية في يهوديتهم في بادئ الأمر، ثم عادت واعترفت بهم
كيهود تمهيدًا لعملية التهجير، ومع هذا لم يكن الاعتراف بهم كاملًا، فيهوديتهم حسب
التصور الديني ناقصة، ولذا طُلب منهم عند وصولهم أن يُعاد ختانهم، وأن يأخذوا حمامًا
طقسيًا لتطهيرهم، ولوحظ أنه لا تُصدر لهم بطاقة هوية إلا بعد هذه الطقوس، بل يتسلمها
بعضهم دون تحديد الديانة حتى بعد الختان والاستحمام الطقسي، ومن الطريف أن هؤلاء
الفلاشاه، المشكوك في يهوديتهم، ذُهلوا من علمانية المجتمع الصهيوني وعدم حرصه على
الشعائر اليهودية إذ لاحظوا أن يهود الكيان الصهيوني لا يلتزمون بشعائر السبت.
ولكن الرفض على أساس إثني وعرقي كان أعمق وأشد حدة،
ففي صفد تظاهر السكان ضد إعطاء المهاجرين من إثيوبيا بيوتًا، كما هدد أولياء أمور
الطلاب في المدارس الدينية بالامتناع عن إرسال أطفالهم إليها إذا استمر أطفال
الفلاشاه معهم، وشكا رئيس بلدية عكا ونهاريا من توطين الفلاشاه في بلديهما بحجة أن
هذه مدن اصطياف سياحية ووجود الفلاشاه لا يساعد كثيرًا على جذب السياح، فهو يخلق
التوتر ويزيد تفاقم ظاهرة العنصرية في المدينة.
وقد بدأت الدولة الصهيونية تتحرك نحو تهجير
الفلاشاه موراه، وهم فلاشاه تنصروا بكامل إرادتهم منذ مدة تتراوح بين قرنين
وثلاثين عامًا، ويبدو أن الفلاشاه أنفسهم يعتبرون الفلاشاه موراه (أيًا كان نوعهم)
غير يهود، ولذا فإن أحدهم إذا أراد العودة إلى حظيرة الدين اليهودي، تُطبق عليه
الشعائر الخاصة بمن يريد التهوّد، فيُحلق شعر رأسه وجسمه، وهي شعائر لا تُطبق إلا
على غير اليهود (ومهما يكن من أمر سخريّة الصحافة الإسرائيلية من هذه الشعائر،
فإنها على أي حال الشعائر نفسها التي كانت تُطبق في الماضي قبل ظهور اليهودية
الحاخامية).
ويمكن طرح السؤال التالي: ما الذي يمكن أن ترجوه
الدولة الصهيونية من تهجير ما بين 50 - 60 ألف يهودي من إثيوبيا (العدد الكلي
للفلاشاه في إسرائيل)، (وبعض الفلاشاه موراه) خصوصًا وأنها كانت تدرك بعض المشاكل
التي ستنجم عن هذه الهجرة؟
يمكننا ابتداء، استبعاد العنصر الإنساني، فلو كان
الدافع إنسانيًا لانصب اهتمام الكيان الصهيوني على تحسين أحوالهم في بلادهم، وعلى
الدفاع عن حقوقهم هناك، ولشمل كل ضحايا المجاعة في إثيوبيا، ولعل أول الدوافع
الحقيقية هو الدافع المالي، فالقصص المثيرة عن تدهور حال يهود إثيوبيا تؤدي إلى
تدفق التبرعات، كما أن هناك مردودًا إعلاميًا، فإسرائيل دولة معروفة للعالم الغربي
بعنصريتها، ولذا فإن إنقاذ يهود الفلاشاه (الأسود الأفارقة) قد يُحسن صورتها بعض
الشيء.
الدافع الحقيقي
وهذه الدوافع المادية، المالية والإعلامية، دوافع
حقيقية ولكنها سطحية، أما الدافع الحقيقي الكامن وراء تهجير الفلاشاه فهو أزمة
النظام الصهيوني العقائدية والسكانية العميقة، فالكيان الصهيوني يعاني من نضوب
مصادر الهجرة اليهودية، إذ إن يهود الغرب المتحمسين يكتفون بإرسال الشيكات وبرقبات
التأييد الحارة ولا يهاجر منهم إلا القليل النادر، أما يهود الاتحاد السوفيتي فهم
بالمثل يؤثرون الهجرة- إن هاجروا- إلى الولايات المتحدة، وبعد الهجرة السوفيتية
اليهودية الأخيرة جف النبع الشرق الأوروبي، وقد كان المصدر التقليدي للمستوطنين،
لكن العنصر البشري أساسي بالنسبة للاستعمار الاستيطاني الإحلالي، والفلاشاه
(والفلاشاه موراه) سيساهمون بلا شك في سد هذا العجز، فالدافع وراء تهجير الفلاشاه
والفلاشاه موراه هو تعطش آلة الحرب والاستيطان الصهيونيين للمادة البشرية وهجرتهم
الاستيطانية ستساعد هذه الآلة على الدوران، كما أن الفلاشاه زُراع ماهرة، وقد
يمكنهم زراعة الأرض الفلسطينية التي استولت عليها الدولة الصهيونية، خصوصًا بعد
انصراف المستوطنين الصهاينة عن فلاحتها، وتُعاني المؤسسات الزراعية الصهيونية من
ندرة الأيدي العاملة اليهودية وتُضطر إلى استئجار عمالة عربية، وقد يبطئ وجود
الفلاشاه هذه العملية قليلًا، كما يُلاحظ أن الوظائف الدنيا في الهرم الإنتاجي
أصبحت شاغرة بعد أن حقق اليهود الشرقيون شيئًا من الحراك الاجتماعي، وبدأ العرب في
ملئها، الأمر الذي أدى إلى تزايد اعتماد المستوطن الصهيوني على العمالة العربية،
وهو أمر يهدد أمنه، ولعل المادة البشرية الوافدة، يهودية كانت أم غير يهودية، تسد
هذه الثغرة.
ومن الواضح أن تهجير الفلاشاه والفلاشاه موراه هو تعبير عن مقدرة الصهاينة على الحركة والإنجاز ولكنه أيضًا تعبير عن أزمة صهيونية، وهي عملية قد تحل بعض المشاكل مؤقتًا، ولكنها ستفجر بعض المشاكل الأخرى، وبكل حدة، داخل الكيان الصهيوني، وقد تفجرت مرة أخرى مع وصول الفلاشاه مسألة من هو اليهودي، كما أنها قد تساعد على التشكيك في المقولة الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودي، إذ يأتي الفلاشي بملامح وقيم وعادات مختلفة، ولتتخيل يهوديًا أمريكيًا أشقر من أصحاب المذهب الإصلاحي أو يهوديًا ألمانيًا أو يهوديًا ملحدًا يقف بجوار يهودي من الفلاشاه أسود البشرة يرقص في «مسجده» اليهودي في الأعياد، ويستمع إلى قواده من القساوسة ويمارس طقوسه الإفريقية المختلفة، فهل سيقتنع الاثنين بأنهما ينتميان إلى شعب واحد؟ الله أعلم.