; الأخيرة.. وجهان لحالة واحدة | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة.. وجهان لحالة واحدة

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 66

السبت 02-أغسطس-2008

 الإيمان بلا عمل لا يعني شيئًا، ولا يتمخض عن شيء.. والعمل بلا إيمان، لا يعني شيئًا، ولا يملك عناصر الديمومة والبقاء. إنهما وجهان لحالة واحدة. وأي محاولة لفك الارتباط بينهما ستقود إلى الضلال..

ولن يخدعنا أولئك المنكبون على العبادة بمفهومها الطقوسي الصرف دون أن يعملوا شيئًا، أو يقدموا لمجتمعهم وأمتهم ودينهم شيئًا.. ولا أولئك المنكبون على العمل، وقد قطعوا صلتهم بالإيمان بالله واليوم الآخر.. لأن مصير عملهم هو الإحباط كما يؤكد القرآن الكريم، سواء في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا ﴿وَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلۡإِیمَـٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِی ٱلۡآخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ (المائدة:5 )

 ﴿وَلَوۡ أَشۡرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ (الأنعام:88)، ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِیهَا وَبَـٰطِلࣱ مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ (هود:16 )، ﴿فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ (البقرة:217)  ﴿وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَلِقَاۤءِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡۚ هَلۡ یُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ (الأعراف:147 )، ﴿أولئك لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ (الأحزاب: ۱۹)..

 في المنطوق الإسلامي لابد من الإيمان العامل والعمل المؤمن..

 هكذا أريد للإنسان منذ لحظات هبوطه الأولى إلى الأرض، أن يتلقى كلمات الله سبحانه، وأن يعمل بها ويسير على هديها: ﴿فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتࣲ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ قُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ مِنۡهَا جَمِیعًا فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدَایَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ  هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ (البقرة:37-39)

﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ  فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدىً فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكًا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِیۤ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِیرًا قَالَ كَذَ ٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَایَـٰتُنَا فَنَسِیتَهَاۖ وَكَذَ ٰلِكَ ٱلۡیَوۡمَ تُنسَىٰ (طه:123-126)

 ومع العمل.. العبادة.. باعتبارها الهدف المركزي للخليقة.. ولكن أية عبادة هذه؟ إنها تلك التي تتجاوز حدودها الطقوسية إلى الحياة على امتدادها، حيث تصير كل فاعلية يتوجه بها الإنسان إلى الله عبادة يتقرب بها إليه.

 وهكذا يتحقق الالتحام منذ لحظات الخلق الأولى بين الإيمان والعمل، ونحن نقرأ في كتاب الله لا نكاد نجد ذكرًا للإيمان، أو دعوة إليه، أو حضًا عليه، دون أن يكون مقترنًا بالعمل الصالح، والعكس صحيح بالضرورة.

 ولن يكون بمقدور الأمة المسلمة أن تؤدي دورها، وتنفذ مهمتها في الأرض، ما لم يقترن لدى أفرادها جميعًا الإيمان بالعمل الصالح.. وحيثما غاب الارتباط، وانفك أحدهما عن الآخر، فقدت الأمة دورها، وعجزت عن أداء مهمتها التي أريد لها ابتداء أن تكون مهمة عمرانية حضارية تبني، وتعمر، وتعيد صياغة الحياة الدنيا، بما يجعلها صالحة لعبادة الله بمفهومها الشامل، والالتزام بكلمات الله، أي بمنهجه ودينه.

 إن الأمة الاسلامية تجد نفسها بالضرورة، ووفق المعادلات القرآنية والنبوية، في قلب الفعل الحضاري.. في بؤرة مثلث التسخير والاستخلاف والاستعمار بمفهومه اللغوي وليس «الاصطلاحي».

 لقد أريد للأمة المسلمة أن تكون مستخلفة على عالم سخر لها ابتداء، لكي تعمره وتنميه من أجل أن يكون البيئة الصالحة لعبادة الله.. والآيات التي تحدثت عن الاستخلاف والتسخير منبثة في كتاب الله.. ومعها تلك الآية التي تقول: ﴿هُوَ أَنشَأكُم مِّنَ الْأَرْضِ واسْتَعْمَرَكمْ فيها... (هود:٦١)، من أجل أن تكون الأرض المكان الملائم لعبادة الله؛ هدف الخليقة الأساس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِن والإنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقِ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونَ ( الذاريات:57 ).

 وحيثما تلفتنا وجدنا أن هذه «العوامل» الأربعة في تشكيل المعادلة البشرية في العالم: الاستخلاف، والتسخير ،والاستعمار، والعبادة.. لن تتحقق وتغدو أمرًا واقعًا إلا بالفعل الإيماني، أو الإيمان الفاعل.

 ولعل واحدًا من أهم أسباب انكسارنا الحضاري هو أننا منذ قرون بعيدة لم نلتفت جيدًا إلى مطالب المعادلة المذكورة. إلا أن هذا يجب ألا يدفعنا إلى الإحباط، والمزيد من الانسحاب، وترك العالم للفاجر الكافر ليتحكم فيه كما يشاء، بل العكس، إنه يعطينا الدافع لاستعادة دورنا الحضاري بمجرد أن ننتبه جيدًا إلى مفردات المعادلة، وصيغ الربط بينها بما يجعلها قديرة على تكوين خير أمة يمكن أن تخرج للناس.. تمامًا كما حدث أول مرة.

 وقد رأينا جميعًا بأم أعيننا ما صنعته فاعلية الغربيين المنسلخة عن الإيمان من تعاسة وشقاء وظلم وعدوان، غطت ولا تزال مساحات واسعة من العالم.. ولن يكون الخلاص إلا بأمة تعرف كيف تستهدي العمل بضوابط الإيمان ومؤشراته القادمة من السماء.. وإلا فإنه لا خلاص.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل